قلعة مكونة: قرية مغربية لا تنبت أرضها إلا وردا

أحيانا يكون لبعض الشعوب حظ وافر تهديه لهم الطبيعة بكل سخاء، ويتمثل حظهم هذا في التعايش مع الجمال والتعاطي معه كل يوم بل إن اقتصادا بحاله يقوم على استثمار الجمال وتحويله إلى مواد تلاصق حياة الإنسان، تماما مثل سكان بلدة قلعة مكونة المغربية الذين امتهنوا زرع الورود من حولهم وقطفها واستثمارها ليكون العطر النقي مصاحبا لأنامل أيديهم كامل الموسم.
الاثنين 2015/07/13
تقطير الورد وتحويله لعطور وزيوت مهنة تتطلب حرفية عالية

الدار البيضاء - تهبّ الريح غربية مثقلة بأريج الورد على البيوت الطينية التي تلتمع حمرتها تحت قيظ الشمس، يفوح من بلدة قلعة مكونة، الواقعة جنوب شرقي المغرب، عبق طيب، يقول أهلها إنها رائحة تميز منطقتهم عن غيرها، فتربتها لا تنبت إلا وردا، وقطرات نداها ومطر سمائها لا يسقيان إلا وريقات الزهور، التي يقيم من أجلها سكان البلدة موسما سنويا، احتفالا بالجمال.

في الصباح الباكر، تجتمع نسوة القرى المحيطة بمركز البلدة، وينتشرن في الحقول معتمرات قبعاتهن القصبية، ويقطفن دون كلل وطوال النهار الورود في الحقول الشاسعة الممتدة بين جبال الأطلس الصغير، على أطراف البلدة الواقعة في منبسط مخضرّ، وسط صحراء جافة، ويضعنها في سلال، تلوى داخلها أعناق الورود لكنها تحتفظ بنضارتها وعطرها الفواح.

وبعد أن تجني نسوة القرى غلاتهن الصباحية من الورود، يتوجهن بها إلى التعاونيات والمراكز المحلية المختصة بعملية تقطير الورد، واستخلاص مائه الصافي، واستعماله في إنتاج مواد تجميلية وعطرية طبيعية، مشهود لها بجودتها الوطنية والعالمية.

بلدة قلعة مكونة الواقعة شرق مدينة ورزازات الشهيرة (جنوب المغرب)، تحاكي في بنائها وموقعها الجغرافي واحة خضراء وسط صحراء جافة وقاحلة، ومناخ حار، حيث تقع المدينة بالقرب من جبل “مكون” الذي اشتق منه اسمها، ويمر بالقرب من حقولها المنبسطة مجرى وادي “مكون”، ووادي “دادس”، اللذين أقامت على ضفافهما القبائل الأمازيغية منذ مئات السنين قصباتها التاريخية المميزة.

بلدة مكونة تحتفي سنويا بمهرجان الورود حيث تتوج فيه أجمل بنات القرية

وتمثل القصبة لدى قبائل الجنوب المغربي نموذجا متميزا للبناء المعماري، حيث تجسد تجمعا سكانيا تقليديا ومغلقا على ذاته، يشبه في بنائه القلعة ذات الأبواب والحصون، وتقيم داخلها عائلات تنتمي إلى نفس القبيلة أو تجمع بينها صلات الدم.

يقول محمد العربي أحد سكان البلدة وعامل في ورشة تقطير الورود، وهو يقلب أكوام الورد التي جلبتها النساء صباحا إلى مشغله “أغلب سكان البلدة، يعتمد دخلهم إما على تحويلات أبنائهم العاملين في مناطق أخرى، أو على ما يجنونه من زراعة الورد وبيعه، الصغار أيضا يعرضون باقات الورد في الطرقات على المسافرين، فقلعة مكونة مجبول أهلها على الورود وحبها”.

ولا تعد مدينة مكونة مركزا لزراعة الورود وتقطيرها فقط، رغم أن هذا من الأنشطة هو السمة المميزة للمنطقة ككل، لكن البلدة تعد مساحة لنمو أشجار نادرة في العالم، وهي شجرة الأركان. وتنتج هذه الشجرة نوعين من الزيوت، زيت للطعام والآخر للتجميل.

ولعل زيت التجميل هنا هو المادة المطلوبة، إذ يعد زيت شجرة الأركان من أندر وأجود أنواع الزيوت التي تساعد على تخليص مستعمليها من عديد الأمراض والتقرحات الجلدية وكذلك تغذية البشرة والاستعمالات الأخرى للتجميل.
حقول الورد في مكونة مصدر لرزق جميع السكان ومصدر للجمال أيضا

اقتصاد البلدة وشهرتها مرتبط بمواسم قطف الورود وجنيها، ورزق أهلها رهين بتسويق ما يستخلص منها من مواد تجميلية طبيعية في الأسواق المحلية والعالمية، فأغلب الأسر والعائلات في قلعة مكونة يملكون قطعة أرض يزهر فيها الورد، ويقوم الأهالي سواء بتقطيره بشكل تقليدي في البيوت، أو بيعه للتعاونيات المختصة في صناعة الورد، والتي تنامت أعدادها خلال السنوات القليلة الماضية.

ويقول محمد الصوفي رئيس إحدى التعاونيات الخاصة بالورود، في البلدة إن “النساء تجني الورد من مشاتله، ويأتين به للمركز، وهنا نجمع وريقات الورود ونضعها في إمبيق (إناء نحاسي خاص)، ونضيف إليها كمية وافرة من الماء، ونقوم بعملية الغلي، وحين يبدأ خليط الورد المنقوع في الماء بالتبخر، نعرض البخار للتكثيف والتبريد لنحصل على ماء الورد المقطر الصافي”.

ذات العملية تقوم بها وحدات صناعية على أطراف البلدة، لاستخراج زيت الورد، واستعمال بعض المواد الأخرى المستخلصة من زهور المنطقة في صناعة الصابون، وبعض مستحضرات العناية بالشعر والبشرة، تختلف جودتها حسب أنواع الورود، وطريقة معالجتها.

تنتج المنطقة في حال توفر الظروف المناخية الملائمة، سنويا حوالي ثلاثة آلاف طن من الورود العطرية، حسب بعض الإحصاءات غير الرسمية، فيما تصدر المنتوجات المستخرجة منها إلى عدد من الأسواق الأوروبية، كفرنسا وألمانيا، وأخرى آسيوية، كاليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب قسط آخر يصدر إلى الأسواق الأميركية.

وتحتفي بلدة قلعة مكونة سنويا منذ عقود بمهرجان الورود، الذي أقيمت هذه السنة دورته الـ53 في مايو الماضي، حيث تتوج من بين بنات البلدة، ملكة جمال الورود، في طقوسية احتفالية، وتنتخب حسب معايير الجمال التقليدية في هذه المنطقة المحافظة.

20