قلق تركي من تقاطع روسي أميركي أوروبي على رعاية أكراد سوريا

أثار دعم الولايات المتحدة الأميركية لقوات سوريا الديمقراطية بالسلاح ضمن خططها العسكرية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية بسوريا قلق تركيا وتعاظم مخاوفها من تمدد كردي يهدد أمنها القومي خاصة وأن الورقة الكردية باتت تحظى بدعم دولي أمام سعي واشنطن إلى أن تحجز للأكراد مقعدا في مفاوضات جنيف القادمة بعد أن حققوا إنجازات ميدانية، وتلميحات موسكو رغم تقاربها مع تركيا، في مسودة للدستور، بوضع فيدرالي يؤسس لقيام منطقة ذاتية كردية بمسميات مختلفة.
الأربعاء 2017/02/15
كردستان العراق خارج دائرة العداء التركي للأكراد

أنقرة - تتصرف تركيا بتوتر شديد إزاء تنامي صعود “المسألة” الكردية في شمال سوريا. وتشعر الحكومة التركية أن هناك تقاطعا غربيا روسيا يعمل على رعاية الحراك الكردي السياسي والعسكري على الرغم من الهواجس التركية في هذا الشأن، وعلى الرغم من وحدة النظام السياسي والمعارضة (ما عدا تلك الكردية) على ضرورة منع تشكّل أي كيان كردي يكون مرتبطا بحزب العمال الكردستاني ويمثل امتدادا جغرافيا له في الداخل السوري.

وتراقب أنقرة بقلق استمرار الرعاية الأميركية العسكرية لقوات “حماية الشعب” الكردية ولـ “قوات سوريا الديمقراطية” التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة صالح مسلم.

وقد تطورت الرعاية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب من خلال تسليم الأكراد عربات مدرعة، فيما تقدم الطرف الكردي بطلبات تسليح تتضمن تزويد القوات الكردية بكاسحات ألغام وبصواريخ تاو المضادة للدروع للاستعانة بها في المعركة التي باشرتها في محافظة الرقة.

وتراقب أنقرة أيضا استقبال موسكو لوفد من حزب الاتحاد الديمقراطي في إطار مساعيها الدبلوماسية في الشأن السوري، على الرغم من التقارب الحاصل بين روسيا وتركيا ورعايتهما المشتركة لاتفاق وقف إطلاق النار مع شراكتهما في إنتاج مفاعيل مؤتمر أستانة.

الهاجس الكردي في شمال سوريا احتل حيزا مهما في الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان

الوساطة الروسية

وتستغرب أوساط سياسية تركية موقف موسكو الذي ما زال يعتبر الحزب الذي تعتبره تركيا إرهابيا، شريكا لأي تسوية مقبلة في الشأن السوري، ناهيك عن أن مسودة الدستور التي اقترحتها موسكو على أطراف النزاع السوري مؤخرا، تلحظ وضعا فيدراليا يؤسس لقيام منطقة ذاتية كردية بمسميات مختلفة.

وكانت أنباء نشرتها وسائل إعلام روسية قد أشارت إلى أن موسكو تشرف على مباحثات تجري بين دمشق وحزب الاتحاد الديمقراطي لتقريب وجهات النظر والبناء على ما هو مشترك بين الطرفين.

وكشف وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، في مقابلة أجرتها معه صحيفة “إزفستيا” الروسية، الجمعة الماضي، عن “محادثات جرت بين النظام السوري وممثلين عن الأكراد في قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية (غرب) بوساطة روسية، تم فيها بحث موضوع الفيدرالية”.

وأكد لافروف أن موسكو تبذل جهودا حثيثة للتوصل إلى تفاهم بين الجانبين للحفاظ على وحدة البلاد، موضحا أن 4 لقاءات أجريت في الفترة بين يونيو وديسمبر الماضيين، بوساطة روسية.

لكن استقبال قصر الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، لوفد كردي من حزب الاتحاد الديمقراطي أثار لدى الأوساط الحاكمة التركية المزيد من القلق حول السرّ الذي يقف وراء توسيع المظلة الدولية فوق الحزب الكردي، خصوصا أن أحزابا كردية أخرى معارضة للحزب الذي يترأسه صالح مسلم تنضوي تحت مسمى المجلس الكردي السوري تنشط داخل مؤسسات المعارضة السورية، لا سيما الائتلاف المعارض وهي جزء من الهيئة العليا للمفاوضات، ولا تشارك حزب الاتحاد الديمقراطي توجهاته وارتباطاته مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، ومع ذلك فإن العواصم الدولية مهتمة فقط بفصيل صالح مسلم دون غيره.

تؤكد مراجع دبلوماسية أن الهاجس الكردي في شمال سوريا احتل حيزا مهما في الاتصال الهاتفي الأخير (7 من الشهر الجاري) بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان. ورغم أن البيانات الرسمية الصادرة عن الطرفين لم توضح ما إذا كانت تركيا حصلت على وعود أميركية جديدة في هذا الشأن، إلا أن إعلان تركيا أنها تقدمت للطرف الأميركي بعد ذلك بخطة عسكرية شاملة لتحرير الرقة من تنظيم الدولة، قد يكون سببه طلب ترامب من أنقرة أن تقدم خطة ناجعة بإمكانها أن تكون بديلا عن السياسة المعتمدة منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما في الاعتماد قصرا على القوى الكردية المطعمة بقوات غير كردية.

أنقرة تراقب استقبال موسكو لوفد من حزب الاتحاد الديمقراطي في إطار مساعيها الدبلوماسية في الشأن السوري

وكانت مصادر دبلوماسية في عهد الرئيس السابق أوباما قد بررت لبعض شخصيات المعارضة اعتماد الولايات المتحدة على العنصر الكردي بأن الفصائل السورية العربية المقاتلة اشترطت مقاتلة النظام السوري قبل التوجه إلى قتال داعش، وأن الطرف الكردي كان حازما في خياره ضد داعش، كما أثبت قدرات قتالية عالية مدعمة بحوافز معنوية وعقائدية حققت إنجازات حقيقية ضد داعش في المنطقة.

ورغم الحساسية التي أثارتها حملة “دعم الفرات” التي أطلقتها تركيا في الشمال السوري بالنسبة إلى واشنطن، إلا أن الأخيرة سعت إلى تأمين حد أدنى من التعايش بين علاقاتها التركية وتلك الكردية واستخدمت نفوذها لدى الأكراد لتجنب أي تماس قد يتطور إلى صدام بين القوات التركية والكردية، ورغم دعم الولايات المتحدة للحملة التركية التي تطيح بطموحات الأكراد في وصل كانتون كوباني شرقا بكانتون عفرين غربا، فإن واشنطن حافظت على علاقاتها مع الطرف الكردي وحافظت على اعتباره ركنا أساسيا في معركة الرقة.

ويقول خبراء في شؤون العلاقة التركية بالمسألة الكردية إن أنقرة لا تمانع بقيام كيان ما للأكراد شمال سوريا وفق الصيغ التي يتفق عليها السوريون، لكنها ترفض أن يُحكم هذا الكيان من قبل “حزب إرهابي” يرتبط بحزب إرهابي في تركيا، وهو الوصف الذي يطبقه الأكراد على حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره أنقرة ذراعا تحركها قيادة حزب العمال الكردستاني التركي الموجودة في جبال قنديل.

ويقول هؤلاء إن تركيا تعاملت بشكل إيجابي مع إقليم كردستان في شمال العراق وطوّرت معه ومع رئيسه مسعود برزاني علاقات اقتصادية وأمنية وسياسية وصلت إلى مستوى الحلف الذي لطالما استفز الحكومة المركزية العراقية في بغداد.

ولا تخفي بعض الأوساط التركية المتخصصة في الشؤون الكردية تعويل أنقرة على قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق كما على النفوذ الذي يمتلكه برزاني في صفوف قسم من أكراد سوريا لقلب موازين القوى داخل المناطق الكردية في شمال سوريا، بحيث تأمل أنقرة أن تتمدد التجربة الكردية العراقية باتجاه سوريا لتشكل منطقة صديقة على الحدود مع تركيا تتيح تعاونا مع تركيا كما تمثل حاجزا أمنيا يطمئن الحاكم في أنقرة.

وقد تفاجأ المراقبون من تصريحات الرئيس التركي في المنامة، الاثنين، عن عزم بلاده إقامة منطقة آمنة تتراوح مساحتها بين أربعة وخمسة آلاف كيلومتر مربع شمال سوريا.

موسكو ترى أن قضية الأكراد ورقة هامة في يدها ستمعن في استخدامها داخل "لعبة أمم" جديدة تعيد رسم مشهد الشرق الأوسط

مناطق أردوغان الآمنة

اعتبر المراقبون أنه فيما كانت تركيا تعلن موافقتها المبدئية على اقتراح الرئيس الأميركي بإقامة مناطق آمنة في سوريا، إلا أنهم لاحظوا أن هذه الموافقة بدت وكأنها تجامل البيت الأبيض أكثر من كونه خيارا يلتقي مع ما كانت أنقرة تطالب به منذ بدايات الأزمة في سوريا.

وتقول بعض المصادر في أنقرة إن الوقائع الميدانية قد تغيرت وإن العاصمة التركية بدأت تخشى من أن تبيح “المناطق الآمنة” تكريس كيان للأكراد في شمال سوريا يلتقي مع الأفكار التي تضمنتها مسودة الدستور الذي اقترحته موسكو على أطراف الصراع في سوريا والذي يلحظ شكلا لامركزيا يقترب من مفهوم الفيدرالية الذي سبق لموسكو أن روجت له حلا للنزاع السوري.

غير أن إعلان أردوغان عن “المنطقة التركية” الآمنة قد يكون نتيجة تفاهم تركي أميركي جاء بعد الاتصال الهاتفي بين رئيسي البلدين وبعد الزيارة العاجلة (9 من الشهر الجاري) التي قام بها بعد يومين من هذا الاتصال مايك بومبيو مدير وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) إلى أنقرة.

ورأت مراجع دبلوماسية أوروبية أن مناطق أردوغان الآمنة هي الضربة التي تعد لها أنقرة لإزالة أي إمكانية لقيام الكيان الكردي الذي ترفضه أنقرة أيا كانت هوية الحاكم في تركيا.

وعلى الرغم من التباين التركي الإيراني المتعلق بالشأن السوري كما بأجندات البلدين الإقليمية، إلا أن أنقرة وطهران تتشاركان في موقف رفض إقامة كيان كردي شمال سوريا، لا سيما أنه قد يتسبب في عدوى تتمدد باتجاه مناطق الأكراد في إيران.

ويرى محللون سياسيون أتراك أن أنقرة ستسعى إلى صيانة علاقاتها مع إيران بغية تصليب الموقف الإقليمي ضد قيام كيانات كردية قد تتحول إلى دولة كردية مستقلة تنفصل مكوناتها عن العراق وتركيا وسوريا وإيران. وكان سبق للبلدين، وبمناسبة زيارة قام بها الرئيس التركي إلى طهران، أن أعلنا موقفا واحدا يشدد “على وحدة الأراضي السورية” وعلى رفض مشاريع الفيدرالية التي كان لمح لها اقتراح روسي.

وتقول أوساط سياسية تركية معارضة إن حكومة حزب العدالة والتنمية، كما حكومة أي طرف آخر، لن تقبل بقيام الكيان الكردي شمال سوريا وفق الشروط الراهنة التي يمسك بها الحزب الكردي بقيادة صالح مسلم، وإن سلم الأولويات التركية الاستراتيجية قد انقلب لجهة إمكانية التساكن مع نظام دمشق والقبول باستمرار الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم إذا ما كان ذلك يضمن غياب أكراد مسلم عن المشهد.

وتدعو هذه الأوساط إلى مراقبة مجريات معركة مدينة الباب التي تخوضها تركيا بالتحالف مع فصائل معارضة من الشمال، فيما تخوضها القوات السورية التابعة للنظام في دمشق بالتحالف مع الميليشيات التابعة لإيران من الجنوب. وترى هذه الأوساط أن المعركة أضحت امتحانا على مدى قبول أنقرة بشراكة مع دمشق تتيح تنسيقا مشتركا لتحرير المدينة من داعش، أو مدى إمكانية تعايش الطرفين ميدانيا في شأن هذه المدينة.

لكن بعض المصادر القريبة من كواليس القرار في أنقرة كشفت أن المسؤولين الأتراك حريصون من خلال اجتماعاتهم الأخيرة مع رياض حجاب منسق الهيئة العليا للمفاوضات وأنس العبدة رئيس الائتلاف السوري المعارض، كما مع ممثلين عن المجلس الوطني الكردي والمجلس التركماني السوري، على عدم وجود وفد لحزب الاتحاد الديمقراطي داخل وفد المعارضة المقبل إلى مؤتمر جنيف (23 من الشهر الجاري)، وهو تماما ما حصل من خلال خلو وفد المعارضة المشكل من أي حضور لهذا الفصيل.

وتذهب هذه المصادر إلى أن تركيا قد لا تعتبر نفسها معنية بالجهود الدبلوماسية حول الشأن السوري إذا ما كانت ستفضي إلى تعويم حزب صالح مسلم، وبالتالي قد تتحول أنقرة، بسبب ذلك، من عامل استقرار إلى عامل تفجير في سوريا.

لم يكشف النقاب بشكل جلي عن نتائج الزيارة التي قام بها مدير وكالة المخابرات الأميركية “سي آي إيه”، مايك بومبيو، إلى تركيا. الرجل دشن أول زيارة خارج البلاد منذ تعيينه في هذا المنصب بالتوجه نحو أنقرة. الصحافة التركية قالت إنه “جاء من أجل الرقة”، ولا شك أن الجانب التركي أغدق في تقديم العروض لإعادة ثقة واشنطن بتركيا حليفا أطلسيا بالإمكان الاعتماد على قوته، وبالتالي الاستغناء عن البديل الكردي، لكن العواصم، كل العواصم، بما فيها موسكو بدأت تشعر أن قضية الأكراد ورقة هامة في يدها ستمعن في استخدامها داخل “لعبة أمم” جديدة تعيد رسم مشهد الشرق الأوسط.

7