قلق تونسي متزايد من هيمنة النهضة على التجربة الديمقراطية

أخذ قلق القوى السياسية العلمانية من مخاطر هيمنة حركة النهضة الإسلامية على المشهد السياسي في تونس خلال الأسابيع الماضية نسقا تصاعديا لافتا.
الخميس 2016/11/03
تصريحاته تستهدف النهضة

تونس - باتت القوى السياسية العلمانية في تونس تحشد جهودها لبناء “جبهة” أو “تجمع” سياسي مناهض لحركة النهضة الإسلامية، ينأى بالتجربة الديمقراطية الناشئة عن أي انتكاسة محتملة.

ولئن لم تكن حالة القلق التي اجتاحت أيضا جزءا من الرأي العام بجديدة، حيث حذرت قيادات سياسية علمانية في أكثر من مرة من أن اختلال الخارطة السياسية لصالح الحركة الإسلامية لا هو في مصلحة تونس ولا في مصلحة مسار الانتقال الديمقراطي الذي يفترض توازن القوى، فإن انتهاج راشد الغنوشي لخطاب تصعيدي مخاتل أجج توجس العلمانيين من سعي الحركة إلى التموقع أكثر ما يمكن ضمن مواقع صنع القرار السياسي والإداري.

وبدا القلق أكثر وضوحا من خلال التصريحات الأخيرة لأحمد نجيب الشابي مؤسس الحزب الجمهوري حيث لم يتردد في الدعوة إلى “تكوين تجمع سياسي يجمع حركة نداء تونس وحزب مشروع تونس وحزب آفاق والحزب الجمهوري وحزب المسار اليساري وغيرها من الأحزاب الديمقراطية التقدمية”.

ويرى الشابي أن الضمان الوحيد لمواجهة الاستحقاقات السياسية القادمة وفي مقدمتها الانتخابات البلدية التي يراهن عليها التونسيون لإرساء مقومات الحكم المحلي لأول مرة في تاريخ البلاد، إنما يكمن في وضع حد لهيمنة النهضة وإعادة التوازن إلى المشهد السياسي بالبلاد.

وقال الشابي إن الحزب الوحيد الجاهز اليوم للانتخابات البلدية هو حركة النهضة، مشددا على أنه “من غير المنطقي أن يفوز حزب واحد بالأغلبية الساحقة لما يتضمنه من تهديد خطير للتجربة الديمقراطية”.

وتأتي دعوة الشابي وتحذيره، في ظل حراك سياسي تقوده قيادات حزبية علمانية في مسعى إلى بناء قوى سياسية من شأنها أن تعيد رسم الخارطة السياسية باتجاه إحداث التوازن المطلوب الذي بات ضرورة ملحة في ظل تدني أداء الأحزاب العلمانية وتشتتها، ما فتح المجال أمام الإسلاميين.

محسن مرزوق يطالب القوى السياسية العلمانية الديمقراطية بحشد جهودها باتجاه تركيز 'جبهة' ديمقراطية تكون كفيلة بمنافسة الإسلام السياسي

ويطالب محسن مرزوق، الأمين العام لحزب مشروع تونس، القوى السياسية العلمانية الديمقراطية بحشد جهودها باتجاه تركيز “جبهة” ديمقراطية تكون كفيلة بمنافسة الإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة.

ووفق مصادر قيادية مقربة من مرزوق يقود مشروع تونس جهودا للانفتاح أكثر ما يمكن على قيادات سياسية وشخصيات فاعلة بما فيها رجال دولة سابقون خدموا في نظام الرئيس الأسبق بن علي من خلال مشاورات ولقاءات تهدف إلى بلورة أرضية سياسية تجمع القوى الديمقراطية في إطار قوة سياسية علمانية تنتشل التجربة الديمقراطية من هيمنة النهضة.

وتلتقي دعوة الشابي من حيث المبدأ مع مواقف مرزوق الذي جاهر في أكثر من مناسبة بأن “الإسلامي السياسي ممثلا في حركة النهضة ومن يدور في فلكها يعد الخطر الحقيقي الذي يهدد مسارا انتقاليا ديمقراطيا في أمس الحاجة إلى قوة ديمقراطية علمانية منافسة تؤمن بمدنية الدولة وتحترم منظومة الثقافة السياسية اللبرالية التي قادتها الحركة الوطنية ودولة الاستقلال”.

ويتطلع جزء هام من الرأي العام، بالتوازي مع ذلك، إلى نجاح رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في تأسيس حزب الوحدة الوطنية الذي كان بدأ سلسلة من اللقاءات والمشاورات مع العلمانيين بما فيهم المعارضون.

ويرى غالبية التونسيين أن حزب الرئيس يعد مبادرة إيجابية باعتبارها الآلية الوحيدة التي يمكن أن تقود إلى إرساء وحدة سياسية وطنية حقيقية تنهي حالة التشظي التي يعيشها المشهد السياسي في ظل تدني أداء النداء نتيجة صراعه الداخلي وإصرار النهضة على الاستفادة من هشاشة الأوضاع العامة.

ولم يكن قلق القوى السياسية العلمانية على التجربة الديمقراطية بمنأى عن طبيعة التحركات والتصريحات الأخيرة لراشد الغنوشي وللقيادات المقربة منه التي صعدت من خطابها السياسي ملوحة ضمنيا بأن الحركة تعد قوة ورقما مهما ضمن تضاريس الخارطة السياسية.

وظهر الغنوشي، خلال اليومين الأخيرين، وفي ظل تحركات القوى العلمانية، مستميتا في الدفاع عن تموقع النهضة، حتى أنه ذهب إلى حد الترويج إلى أنه يقود حركة “قدمت العديد من التنازلات الفكرية والسياسية من أجل مصلحة تونس ومن أجل إرساء ديمقراطية ناجحة ووضع البلاد على السكة الصحيحة”.

وبدا نشاط الغنوشي وكأنه موجه أساسا ضد جهود القوى العلمانية، إذ ما انفك يحاول الإقناع بأن هيمنة النهضة أملاها “أداؤها السياسي” باعتبارها “حركة حديثة ومتطورة” اختارت نهج “التوافق” وتؤمن بأن “البلاد لا يمكن حكمها إلا بالتعددية وأن الديمقراطية تحتاج إلى أحزاب قوية”.

ولم تزد تصريحات الغنوشي سوى من تعميق خشية العلمانيين من استغلال النهضة لهشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحالة الاختلال السياسي لفرض سطوتها خاصة مع قرب الانتخابات البلدية.

وأثارت تحركات القوى العلمانية وجهودها مخاوف جدية لدى الحركة الإسلامية التي رأت فيها استهدافا لهيمنتها وسطوتها، ما دفع الغنوشي إلى التصريح بأن “أي مسعى لبناء قوة ديمقراطية لن يكون مآله سوى الفشل”.

ويرى سياسيون أنه في حال بناء “تجمع سياسي ديمقراطي” تشارك فيه الأحزاب العلمانية المؤتلفة في الحكومة من شأنه أن يكون ضربة موجعة للنهضة باعتباره سيحشر النهضة في الزاوية ويكسر شوكتها ويعيد رسم ملامح مشهد سياسي وطني جديد يكون الديمقراطيون لاعبيه الفاعلين.

4