قلق من عودة الجزائر للاقتراض الخارجي

ضغوط عدم الاستقرار السياسي، الذي تعيشه الجزائر أدت إلى عجز الحكومة عن إعداد قانون المالية (الموازنة) حتى الآن، الأمر الذي يربك عمل المؤسسات الحكومية.
الأربعاء 2019/08/14
ارتباك اقتصادي ينتظر إرادة سياسية

تصاعدت تحذيرات الأوساط الاقتصادية الجزائرية من العودة لسيناريو الاقتراض الخارجي في ظل تسارع انكماش الاحتياطات المالية واتساع الاختلالات الاقتصادية وغياب أي إجراءات لمعالجتها في ظل الشلل السياسي.

الجزائر - أرسلت البيانات الرسمية التي أظهرت ارتفاع العجز التجاري إشارة تحذير من تفاقم الفوضى الاقتصادية، بعد أن بلغ في النصف الأول من العام الحالي نحو 3.18 مليار دولار، مقارنة بنحو 2.84 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.

ولم تقدم إحصائيات إدارة الجمارك مبررات لذلك الارتفاع، الذي يأتي رغم محاولات ترشيد الإنفاق الحكومي وتقليص استنزاف احتياطات العملات الأجنبية، بعد إعلان البنك المركزي عن إجراءات جديدة لضبط التجارة الخارجية والحملات المعلنة لمكافحة الفساد.

وجاء ارتفاع العجز التجاري رغم تراجع فاتورة واردات البلاد من المواد الغذائية بنحو نصف مليار دولار، لتتراجع إلى نحو 11 بالمئة من إجمالي قيمة الواردات.

وتزامن إعلان البيانات مع تصاعد القلق من استنزاف الاحتياطات المالية بوتيرة متسارعة لتصل في نهاية شهر يونيو الماضي إلى أقل من 70 مليار دولار، بعد أن فقدت نحو 8 مليارات خلال أربعة أشهر.

ويعد ذلك الانخفاض الأسرع من نوعه من لجوء الحكومة الجزائرية إلى السحب من صندوق الاحتياطات المالية في منتصف عام 2014 بعد تراجع إيرادات البلاد نتيجة انخفاض أسعار النفط العالمية.

ويحذر خبراء اقتصاد جزائريون من سرعة انزلاق البلاد إلى أزمات اقتصادية عميقة قد تضطرها قريبا إلى الاقتراض الخارجي، حتى في حال انتهاء الاضطرابات السياسية والاجتماعية في وقت قريب.

ويرجح محللون أن تتطلب استعادة الثقة في المناخ الاقتصادي الكثير من الوقت والجهود بعد أن أدى اعتقال العشرات من رجال المال والأعمال لأسباب سياسية، إلى تداعيات سلبية واسعة على المناخ الاقتصادي.

وأدت ضغوط عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه الجزائر منذ شهر فبراير الماضي، إلى عجز الحكومة عن إعداد قانون المالية (الموازنة) حتى الآن الأمر الذي يربك عمل المؤسسات الحكومية.

ويقول محللون إن عدم إعداد قانون المالية يفاقم حالة الغموض حول تسيير الشأن الاقتصادي للبلاد، خاصة فيما يتعلق بمخططات الإنفاق والاستثمارات الحكومية المتعلقة بالخدمات العامة في قطاعات الصحة والتعليم والإدارات المحلية (البلديات والولايات).

وكانت إدارة شركة سونلغاز الحكومية التي تعمل في توليد وتوزيع الكهرباء والغاز، قد أعلنت هذا الأسبوع أنها تخطط للبحث عن تمويل أجنبي، لاستكمال إنجاز مشاريعها المعطلة، في ظل عدم قدرة الخزينة العمومية على توفير التمويل، في أول مؤشر على عودة الجزائر إلى الاقتراض الخارجي.

وكانت الحكومات المتعاقبة خلال العشرين عاما الماضية تفاخر بتفادي اللجوء إلى التمويل الأجنبي، حفاظا على ما كانت تسميه بالسيادة الوطنية وحرية القرار الاقتصادي وتفادي مخاطر شروط الجهات المقرضة، بعد تجربة الاقتراض من صندوق النقد الدولي خلال تسعينات القرن الماضي.

ويتوقع الخبير الاقتصادي ورئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور، نضوب احتياطي النقد الأجنبي خلال العامين القادمين، لتجد البلاد نفسها أمام خيارات مؤلمة وأخطار شاملة تهدد كيان الدولة بالكامل.

وذهب رئيس الحكومة السابق مقداد سيفي، في تحليله للأوضاع الاقتصادية للبلاد، إلى أن الخطر لا يكمن في الاستدانة بقدر ما يكمن في حوكمة وترشيد إدارة السياسات الاقتصادية.

أحمد بن بيتور: نضوب الاحتياطات الأجنبية يهدد كيان الدولة بالكامل
أحمد بن بيتور: نضوب الاحتياطات الأجنبية يهدد كيان الدولة بالكامل

وأشار إلى أن الكثير من مشاريع الخدمات، التي استنزفت الخزينة العمومية، مثل الطريق السريع شرق غرب وميترو الأنفاق، كان بالإمكان إنجازها بالشراكة مع رأس المال الأجنبي.

وأضاف أن الخطاب الشعبوي هو الذي أدى إلى عواقب اتفاق جدولة الديون مع صندوق النقد الدولي خلال تسعينات القرن الماضي، والذي لم يتضمن بيع المؤسسات الحكومية بالدينار الرمزي، ولا تسريح مليون عامل.

وقال إن الحكومة كانت تزايد في ذلك الحين على الجزائريين من خلال تقديم خدمات مجانية وهو ما أدى إلى تفكيك النسيج الاقتصادي الحكومي وصناعة لوبيات القطاع الخاص.

ويتصاعد الجدل بين الجزائريين العاجزين عن تبرير أسباب الأزمات الاقتصادية مثل نقص الأدوية، حيث تشير بيانات إدارة الجمارك إلى تراجع وارداتها بنسبة 20 بالمئة، في وقت يشتكي فيه المرضى من صعوبة الوصول إليها في ظل عجز المؤسسات المحلية عن تلبية الطلب.

في المقابل تشهد الأسواق المحلية الكثير من حالات الإغراق بالمنتجات الاستهلاكية، وهو ما يؤكد ارتباك التخطيط الحكومي، الذي يحاول شراء الاستقرار الاجتماعي على حساب الحاجات الحقيقية والأبعاد الاقتصادية.

ولا يزال يعتمد بشكل مفرط على صادرات النفط والغاز، التي تعد مصدر الإيرادات الرئيسي للبلاد، وبنسبة تزيد على 93 بالمئة بحسب بيانات إدارة الجمارك.

وتظهر البيانات أن إيرادات الطاقة تراجعت في النصف الأول من العام بنحو 1.3 مليار دولار، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يؤكد الصعوبات الفنية والإنتاجية التي يواجهها القطاع منذ عدة سنوات، والتي تفاقمت بفعل الاضطرابات السياسية والحراك الشعبي الذي تعيشه البلاد منذ فبراير الماضي.

وبلغت مداخيل البلاد في النصف الأول من العام نحو 18.96 مليار دولار مقارنة بنحو 20.29 مليار دولار قبل عام، في وقت تراجعت فيه الواردات إلى نحو مليار دولار لتصل إلى 22.14 مليار دولار، بسبب الإجراءات التقشفية، التي لا تعكس الحاجة الحقيقية للأسواق المحلية.

10