قلم أسود وحبر أبيض

الاثنين 2016/04/11

“هل بقي شيء لم يُرسم، لقد رُسم كل شيء” في كل أزمنة الرسم العظيمة كان ذلك السؤال حاضرا بقوة حيرته وملائكة شغبه. أمس، اليوم وغدا، في فلورنسا وباريس ونيويورك، تنتقل علامة الاستفهام من الفرشاة إلى القماش الأبيض لترسم فضاء غامضا.

كل سنتمتر ملوّن، هو محاولة صادمة للقفز إلى الهاوية، ربما الصينيون واليابانيون لم يعذبهم ذلك السؤال، لأنهم اهتدوا قبل الجميع إلى حقيقة أن ما يُرسم ليس هو الرسم.

كان الرسم ولا يزال بالنسبة إليهم، هو كيف ترسم؟ فالوردة ليست الوردة نفسها في كل مرة تُرسم فيها. الجبل هو صنيعة خيال اليد الذي ترسمه وليست صورته التي تراها العين.

مَن جرب الكتابة بحبر أبيض يعرف أن الكلمات التي لا تقوى العين على قراءتها، إنما تظل مقيمة في بياض الورقة، إنها تبقى هناك حية بنشوة حروفها من غير أن تلتفت إلى معانيها.

ألم يُدهش هنري ماتيس العالم بأوراقه وأغصانه التي كان يقتطعها من الورق الملون ويلصقها على سطوح لوحاته، لتشير إليه كما لو أنها لم تكن موجودة من قبل، فإذا كانت أوراق الأشجار التي رسمها أخوتنا في الشرق الملايين من المرات لا يزال في إمكانها أن تتماهى مع خيال فنان فرنسي، لتندس في عجينة مكيدته التصويرية، فإن ذلك يعني أن خزانة الرسامين تظل دائما متخمة بالمعجزات الصغيرة. الأقل هو ما يصنع الدهشة في الرسم، وهو ما يهب الرسام سعة خياله.

ليست الموضوعات المتاحة لكل يد، إلاّ ذرائع للرسم، الأشياء العادية التي رسمها فنسنت فان غوخ، منزله الأصفر في آرل، غرفته، سريره وكرسيه وحذاءه وزهرة عباد الشمس وجدت طريقها إلى المتاحف.

سيحس المرء بحكة في أصابعه وهو يتذكر ملمس تلك الأوراق التي فرّكها ذات يوم لينعم ببهاء صبغتها، من يقف أمام لوحة فنسنت لا بد أن تسحره فكرة أن يحلق برحيق زهرة عباد الشمس إلى الأعالي، مقتفيا أثر الرسام الهولندي.

كاتب من العراق

16