قلوب تترقب على التلال

الاثنين 2017/04/10

كانت قطرة الدم تسيل حارة قانية من حنجرة المغني، فتملأ جسد الأغنية بالرضوض حتى تنسى طريقها وتمتلئ بدل المعنى بالقش والجراح حتى حافاتها الأخيرة. وكان لا بد أن يتم ذلك كله، بعد أن صار الموت سيد الأرض والآمر الناهي فيها.

وقد تتسع القطرة الحارة تلك، وتندفع خارج إطار احتمال البشر. وتستدعي مثيلاتها، ليتشكل الطوفان، ويغمر الأزقة بالسواد والأغاني المجروحة. الوقت كله، يغدو منقوعا بعصارة الحنظل وفتات السهر المر. ولم يكن الجوع إلاّ سيداً ضاربا خيامه على قلوب الناس وأحلامهم.

هكذا مرت سنوات الثمانينات من القرن الماضي، عراقية، قانية اللون. تحملناها بصبر نادر، لا يعرف المنة. كان على الوطن المهدور دمه أن يتنبه الى جميع الجهات. عاش بعضنا أيامنا تلك بكل ما فيه من فطرة مستثارة، وحرقة قلبية. وكان يؤجل لائحة العتب أو يوم الحساب إلى أن تمر فداحة الطوفان، فالكل في بحر من ورق ونار مجنونة.

كان الدخان يتعالى من صميم أرواحنا. وتحت قتامته كان عدد الذاهبين إلى الموت مثل عدد الهاربين منه إلى الجهة الأخرى. ومع ذلك، أعني مع ذلك كله، لم ترتبك حسابات النفس الصافية ولم تختلط عليها تفاصيل المشهد. كان يوسف الصائغ يردد بصوته الأبحّ الحزين:

” أنا لا أنظرُ من ثقبِ الباب إلى وطني

لكن أنظرُ من قلبٍ مثقوبْ

وأميزُ بين الحبّ الغالبِ

والحب المغلوبْ “

هل كانت القلوب تنظر، من عيون مثقوبة، إلى وطن يتقدم إلى موت محقق أم إلى وطن تتأكد عودته إلى الحياة في كل لحظة؟ كان كل شيء مشكوكا فيه، غير أن قدرة البشر كانت كفيلة بتعديل الاتجاه وسط ضباب حافل بالموت مثلما هو حافل بالحياة.

وكان هناك من مرّ بتلك الأيام وكأن بين جنبيه حجراً أخرس وأصم، لم تمْسسْه آهةٌ عراقية ملتهبة. عاش ذلك البعض في تلك الأيام، لكنه لم يعشها. كان متخفياً تحت تقيّةٍ مقيتة، تنتظر يوم الفوز أياً كان صاحبه، لينعم عليها بعطاياه التي لا تحد. وكان قلبه مع الرصاصة القادمة من هناك على ألاّ يكون هو من ضحاياها. وانسجاماً مع جبنه ورداءة معدنه، كانت رصاصته تطيش دائماً في هواء مليء بالنذالة.

ثم ينقلب الزمن رأساً على عقب. يأخذ الماء لون الدم. وتذهب الأغنية القديمة إلى حتفها. تضيق الحياة ذرعاً بالموت ويبدأ الجوع سيطرته الكاسحة على كل شيء. لا شيء أبعد من الوطن عن بعض القلوب، ولا شيء أوسع من الفراغ بين القصيدة ومعناها ناصع البياض.

كانت قلوب هذا البعض تترقب على التلال. لم تكن كثافة الموت، بالنسبة إليهم، كافية لتلقين العراقيين درساً بليغاً. فكان التحريض على أشده، دعوات لا تهدأ إلى الإبادة والتجويع، للعودة بالمحاصرين والجياع إلى كهوف الماضي الرطبة. وهاهم الآن يأخذون البلد إلى حتفه كل يوم. يقربونه من دكة الذبح الأخيرة. وليس لهم إلاّ الإمعان في إنتاج أنواع جديدة من الموت لم تخطر على مخيلة أحد، وصنوف من إفقار العقول لا يمكن تصورها. فيالها من خلطة لم يبتدع التاريخ لها مثيلاً في أشد مراحله همجية وقبحاً.

شاعر عراقي

14