قلوب توقف بثها ورصاص لعيون الوحدة الوطنية

الأحد 2014/03/16
حدائق العراق وشوارعه صارت مقابر لأبنائه

أضحى العراق يصنّف على أنه من أخطر الأماكن للعمل الصحفي في العالم، حيث ارتفع عدد الضحايا من الصحفيين إلى رقم مقلق للغاية، بحسب أحدث إحصائيات مرصد الحريات الصحفية.

واحد من العناوين التي تتردّدُ في ذهني منذ أشهر، عنوان قصيدة للشاعرة الأميركيّة إيميلي ديكنسون “شعرتُ بجنازة في دماغي”، صحيح أنّ أحداثَ الموت والاغتيال في العراق قد ارتفع منسوبها بعد نيسان العام 2003، لكن لم يحصل أن تداهمك أخبار الموت بهذا الشكل، تفتح شاشة التلفاز، فتلاقي متسابقا عراقيّا في البرنامج الغنائي (the voice ) يقول لزميله السوري: “حدائقنا مقابر…”، يومها كانت بغداد قد أنهت ليلتها بعدد من التفجيرات.

هي صفعة تأتي من أخبار اغتيال زملاء المهنة، حينما يستشهد خلال أقل من شهر واحد، ما يقرب من عشرة صحافيّين وإعلاميّين عراقيين، لا ذنب لهم، سوى أنّهم عملوا في الصحافة والإعلام، فكانت النتيجة أن أرداهم واقع البلاد جثثا ملقاة على قارعة الطريق. كأنّما القتلة، باختلاف توجهاتهم وعقائدهم، كانوا ينظرون إلى التدرج الجغرافيّ المعتاد في خارطة العراق، وهم يفكّرون بأهدافهم المُقبلة، ليتساقط ضحاياهم من الشمال حيث كردستان، صوب الوسط في العاصمة بغداد، وإلى البصرة، حيث روح الجنوب العراقيّ المعمدة بماء شط العرب.

فمن مدينة كلار في محافظة السليمانية (355 كم شمال شرق بغداد)، يسجّل شهر كانون الأوّل من العام الماضي، ضحية جديدة في إقليم كردستان من صحافيي العراق الأكراد، في حادث تراجيدي، إذ يقتل الصحافيّ أمام والدته بتاريخ 5-12-2013. الأمّ التي أنجبته في العام 1981، تشهد اغتياله أواخر العام 2013.

جملة من البيانات التي تحدّثت عن إلقاء القبض على عدد من المشتبه بهم، ارتباطا بما كان كرمياني ينوي نشره من ملفات فساد تتعلق بمسؤولين وسياسيين في الإقليم، على وفق ما أكّدته مصادر صحافيّة وزملاء له في العمل، حيث كان الراحل يعمل رئيسا لتحرير مجلة «رايل» الكرديّة وعمل مراسلا لمجموعة «ئه وينه» الإعلامية الكرديّة.

الإعلامي الكردي كاوه كرمياني قتل أمام والدته بتاريخ 5 - 12 - 2013

بلاغة معنى أن يموت الصحافيّ بين أحضان أمّه، لم تعادلها لا كمّ التصريحات ولا عبارات التنديد والشجب، ولا المؤتمرات الصحافيّة التي نظّمها مسؤولون أمنيون، بدءا من “إعلان اعتقال أربعة أشخاص بتهمة اغتيال كرمياني”، أو بالاستناد إلى ما نشرته صحيفة “هاولاتي” الكرديّة، بأنّ “أحد منتسبي الأجهزة الأمنية في السليمانية اعترف بتنفيذ العملية”، أو حتّى نبأ “اعتقال قيادي في حزب الاتحاد الوطنيّ الكردستانيّ، كونه المتهم الرئيس بالقضية، والذي أفرجت عنه محكمة بداءة قضاء كلار “لعدم ثبوت الأدلة”، برغم وجود تسجيل صوتي يؤكّد تهديد القيادي للصحافيّ المغدور.

يبدو أنّ استشهاد كرمياني، وما تلاه في الموصل، ومن ثمّة في صلاح الدين وبعدها ببغداد، يرسم صورة جديدة للمقبرة التي تتسع مساحتها يوما بعد آخر بدماء أبناء العراق. وهذه المرّة يضع التراب إمضاءه على جماجم الصحافيين محافظا على مبدأ المحاصصة الذي تسير على أساسه أمور البلاد من العام 2003؛ لأنّ هؤلاء الضحايا يمثّلون مكوّنات المجتمع العراقي، كردي من الشمال، وعرب يمثّلون التنوّع الذي أصبح منذ سنوات مادّة للحرب بين أمراء الطوائف الجدد.


أم وقاتل ابنتها.. وجها لوجه


نورس النعيمي، (1994-2013)، الضحية الثانية في شهر الخسارات بتاريخ 15-12-2013، كانت تدرس الإعلام وتعمل مقدّمة برامج في قناة الموصليّة، أطلق عليها مسلحون النار قرب منزلها في حي الجزائر بمحافظة الموصل (405 كم شمال بغداد)، والمفارقة التي تكرّر نفسها أنّ الإعلامية الموصلية تموت هي الأخرى بين أحضان أمّها، التي ستسجّل سابقة في ما بعد حينما تقبّل القاتل؛ لأنّه- كما قالت- كان سببا في دخول ابنتها الجنّة.

في أقل من شهر واحد ما يقرب من عشرة صحافيين وإعلاميين عراقيين أرداهم واقع البلاد جثثا ملقاة على قارعة الطريق

وبرغم تحذيرات مرصد الحريات الصحافيّة بأن “المدينة الأخطر على سلامة الصحافيّين” ودعواته إلى السلطات الأمنيّة للقيام بواجبها للحد من عمليات الاغتيالات والتهديدات المباشرة”، غير أنّ القتلة يفعلون فعلتهم ويلوذون بالفرار.

القصة المثيرة والمرعبة في الآن نفسه، هي أنّ الأجهزة الأمنيّة عرضت بعد أيّام اعترافات لشاب أقرّ بقتله للصحافية النعيمي، ويا له من مشهد لا يمكن تحمل ما فيه لهوله؛ حينما تواجه الأمّ قاتل ابنتها وتقبّل رأسه، وهي تقول له: “صرت سببا لذهاب ابنتي إلى الجنّة، أنت جاهل وأمّي وابنتي علم من الأعلام وتعرف لغتين”.

صحيح أنّ التسجيل، كان صادقا ومعبّرا عن مأساة عراقيّة لا أمل في توقفها قريبا، مع ذلك، وفي الجانب الأهمّ منه، لم نعرف دوافع القاتل؟ والجهة التي تقف خلفه؟ وما سبب اغتيال هذه الإعلامية من دون غيرها؟ وأسئلة تطول وتطول وما من إجابات واضحة ومحدّدة، وما أسهل أن تقيّد القضايا ضدّ مجهول، حيث لا صحافة تحكي عندها ولا وجع للرأس ولا أخذ وردّ.

ولا ترتضي أقدار محافظة “صلاح الدين”،(175 كم شمال بغداد)، أن تواصل المقبرة خطواتها وتبخترها بين أرجاء خارطة البلاد، من دون أن تحصد، وفي الشهر ذاته، المزيد من الصحافيّين، وهي تضع بصمة سريعة في أرضها، ليهاجم انتحاريون مقر قناة “صلاح الدين” في تكريت شمال بغداد، ويخلف الهجوم خمسة شهداء من بين منتسبي القناة، فما بين التفجير الإرهابي لسيارة مفخخة واقتحام مقرها وبقاء الصحافيين عالقين لساعات كرهائن، توقف البثّ وتوقفت معه قلوب زملاء المهنة الذين تابعوا تفصيلات الهجوم لحظة بلحظة، وهم يقولون في النهاية: ليس لنا إلا تلويحة وداع لرعد البدري ومروة العزاوي وصحبهما.

الإعلامية نورس النعيمي، (1994 - 2013) أطلق عليها مسلحون النار قرب منزلها في الموصل

وإزاء تجربتين، الأمّ التي يُقتل ابنها أمامها، والأمّ التي تتعرّف إلى قاتل ابنتها، ثمّة تجربة أخرى، هي استشهاد الصحافيّ مهند محمد الوائلي وابنه أمام منزله ببغداد (حي الدورة)، عندما فجر انتحاري حزاما ناسفا على مجموعة من الزوار المتوجهين إلى مدينة كربلاء. وما يُبكي في حادثة الوائلي، هو تطلّعه وإصراره على البقاء في العراق، مهملا دعوات أصدقائه له بمغادرة البلاد للحفاظ على حياته، لكنّه كان يعاند كلّ ذلك بجملة: “إن خرجنا لمن سنترك العراق؟!”، وليس أدلّ على شخصيته وروحيته إلا اندفاعه في العمل وفي تأسيس منابر إعلاميّة جديدة، منها ما انطلق بعد رحيله.


في حضرة "الحسن البصري"


كي تكتمل خارطة المقبرة لصحافيي العراق المغدورين، فمن سوء الحظ أنّ للبصرة (405 كم جنوب بغداد) مساحة فيها، ولتكون مناسبة تشييع الشيخ العام لعشيرة عراقيّة في قضاء الزبير، نهاية حزينة لحياة إعلامي آخر، حين فارق الحياة برصاصة طائشة في أثناء المراسيم في مقبرة “الحسن البصري” في القضاء نفسه، في الوقت الذي كان الكثير من المشيّعين يطلقون النار تعبيرا عن غضبهم في وداع شيخهم المقتول هناك.

والحمداني، صحافيّ عراقيّ ولد العام 1987 في الزبير التابعة لمحافظة البصرة، أب لطفلتين صغيرتين، يعمل منذ ثلاثة أعوام في الإعلام، وكانت “قناة بغداد” هي التجربة الأولى بالنسبة إليه قبل وفاته. وإذ يرحل من دون وداع صغيرتيه، فإنّ الرصاص الخطأ يذهب إلى الجسد الخطأ أيضا، ميتة مختلفة، لكنّها تختتم مراحل رسم حدود المقبرة على جغرافية البلاد بأكملها.

أما دماء هؤلاء الزملاء، فهي حليفة الضياع بين لا اكتراث المؤسّسات الرسميّة أجمعها، وبين سيل من بيانات المنظّمات الدوليّة التي لم تمثّل عاملا للضغط على الجهات الحكوميّة والأمنيّة، بغية الاهتمام بملف استهداف الصحافيّين والحد منه، أو الحث باتجاه كشف دوافع هذه التصفية المنظمة لهم.

وما بين نحيب ينتشر صداه بين أعالي جبال كردستان، وأنين تطلقه شناشيل البصرة، تغدو ترنيمة الرحيل واحدة، وان اختلفت فيها اللهجات، في انتظار من يوقف الموكب الجنائزي الطويل في العراق، والذي حصد معه أرواح 274 من العاملين في الإعلام العراقيّ منذ نيسان العام 2003.

ويظهر أنّ ملائكة الموت لا تريد لهذا المقال أن يختتم، فما أن نحاول الانتهاء منه، يرد خبر استشهاد اثنين من العاملين في قناة “العراقية”، في انفجار الصهريج المفخخ الأحد الماضي، عند مدخل مدينة الحلة (100 كم جنوب بغداد).

4