"قليل من الموت".. سرد في مملكة الشك

الأربعاء 2013/12/18
رواية مناف زيتون.. تصور التناقض الاجتماعي

دمشق- عنوان رواية “قليل من الموت” لمناف زيتون الصادرة عن دار “نوفل” يحوّل الموت إلى مفهوم كمّي يقاس منه الكثير والقليل، وهذا القليل هو ما ذاقه أنور بطل الرواية، حيث يستيقظ ليجد نفسه “في قبره؛ في المكان الوحيد الذي لم يتمنّ أن يراه يوما”.

“أنا مازلت حيا” تكوّن هذه الصرخة الآتية من تحت التراب مقدمة ينطلق منها السرد في فضاء مرعب يتحرك فيه عمر حارس المقبرة الذي يصطحب الكاهن “نقولا” إلى مكان الصوت وينبشان القبر الذي ظنه عمر مكان الميت -الحي فإذ بأنور مستلقيا في فناء قبره مغمى عليه.

في ما بعد يوضح الدكتور نزار أن ما أصاب أنور هو حالة نادرة يموت فيها المريض ظاهريا ثم يصحو بعد فترة قصيرة وهذا ما حصل مع أنور الذي استيقظ ليجد نفسه منتقلا من حيز القبر إلى المستشفى حيث يكتشف أنه ميت في نظر عائلته وأصدقائه، وحيٌّ في الطبيعة، فيستطاب له العيش ميتا في نظر الآخرين وباحثا عن حياة جديدة، يساعده فيها صديقه اللدود رامي.

ميت يرزق


ترفع حال أنور وتيرة الحدث تجاه ذروة تتعقد خيوطها عبر كشف ماضي كل من الشخصيات الرئيسية (أنور وزوجته سلوى، ورامي) فيسترجع النص تاريخ العلاقة بين أنور وزوجته مظهرا ذاك الشرخ الذي وصل حدّ الطلاق بينهما، هذا الصدع الذي أسس له أنور بإهماله لزوجته التي رأت في خيانتها له مع صديقه رامي عقابا سيعيده إلى حضن الأسرة لا أن يبعده نهائيا كما حدث في الواقع، بينما يعيش رامي مرارة النزوة التي ارتكبها مع زوجة صديقه مفقدة إياه طعم نجاحاته الباهرة في عمله فـ”ذنب واحد فقط كي يفقد الإنسان طعم النجاح في كل لحظة من حياته”.

تسير شخصية ندى الممرضة التي تسعى إلى إضافة أنور لقائمتها الجنسية بخط خارجي بعيد عن هذا التشابك، تظهر فيه غرائبية هذه الشخصية عبر حكايتها مع ملهمتها الفرنسية إيلين دوليون التي دفعتها إلى ممارسة الجنس قبل الزواج كاسرة بذلك نظام المجتمع. يفض تشابك العقدة في الرواية اتصال أنور بهاتف بيته دون ذكر اسمه ما يشعل شكوك ابنته بانة التي تراودها رؤى بأن أباها مازال حيا يرزق، إلا أن حل العقدة يأتي من طرف خارجي هو “كنان”، إذ يأخذ بيسان ابنة أنور البكر إلى مكان أبيها بعدما شكّا في أن من يقطن البيت الذي أتى منه الاتصال ويتردّد عليه رامي هو أبوها، وهذا ما يتأكّد في النهاية، فتكشف بيسان "لغز" الأب الميت الحيّ وتعيده إلى حضن الأسرة.

ساهم البناء التقليدي لحبكة الرواية (مقدمة، ذروة، حل) في اقتراب “قليل من الموت” من جوّ الروايات البوليسية، لا سيما وأن تبني النص لأسلوب التشويق منذ أن قرر أنور التخفي عن عائلته جعل من فك اللغز/كشف أنور، السؤال الرئيسي لدى القارئ بدلا من نثر أسئلة فلسفية حول العودة من الموت كان قد طرح بعضها النص عندما أظهر أثر الموقف على كل من عمر والكاهن المؤمن ونزار، لكن سرعان ما خبَت هذه التساؤلات مع احتلال تسلسل الحدث الدرامي وسبل حله الدور الأكبر. زد على ذلك طرح النص لتعريفات جامعة مانعة للموت “فهو انتهاء الوقت الذي منحنا إياه الله كي نحدث تغييرا في العالم” وهو “المملكة الشامخة منذ فجر التاريخ”.


مدينة في قبر


لا يأتي سرد الأحداث الماضية على لسان الشخصيات بل يتصدّى زيتون غالبا لها قاطعا الحدث مستطردا في إيراد تفاصيل تُظهِر دوافع الفعل عند الشخصيات عبر سرد تواريخها، بيد أن حال “الآن” في النص لم يكن كذلك، فقد احتل الحوار مساحة كبرى على حساب السرد الذي غاب عن روي ما يحدث وترك للحوار قيادة خطوط الحكاية صعودا تجاه الذروة وهبوطا نحو الحل السعيد. أعادت لغة النص التوازن بين السرد والحوار، فعلَت -إلى حدّ ما- في السرد مقتربة من لغة الأدب حينا ومتدنية أحيانا أخرى إلى اللغة التقريرية المباشرة، بينما طغت لغة الحياة اليومية البسيطة على الحوارات بشكل تامّ.

خلافا للمطلع الذي يُوصف فيه قبر أنور بالتفصيل، لم يُعن النص بوصف الحيز المكاني الذي تدور فيه الشخصيات، مبتعدا عن النهج الكلاسيكي في الرواية، ومدللا على مركزية القبر كمكان رئيسي في النص يكاد يتسع ليشمل مدينة دمشق -مكان الأحداث- بشكل عامّ، وبيت أسرة أنور المفكك بشكل خاص.

قُسمت الرواية إلى اثني عشر فصلا تقوم على التسلسل الزمني فيولِّد كل يوم من حياة أنور بعد الموت فصلا، تبدأ بتاريخ 13 أكتوبر- تشرين الأول 2009 وتنتهي بتاريخ 22 يوليو- تموز 2010، إلا أن هذا التسلسل انقطع مرتين، في الأولى تجاوز النص يوم الأحد 18 تشرين الأول منتقلا من السبت إلى الاثنين، تاركا يوم الأحد خاليا من الحدث، أما المرة الثانية فكانت في الفصل الأخير الذي خُصّص لتصوير مشهد التقاء ندى وإلين دوليون في شاطئ موناكو حيث تكتشف الأولى زيف دوليون التي ماتت أمامها قبل سنوات ما شكل رمزا يستغلق فهمه على القارئ في زحمة واقعية الرواية المُفرطة.

14