قل للزمان ارجع يا زمان

الاثنين 2015/02/09

بعيدا عن ألم اسمه داعش تحرق. داعش تقتل. الشارع العربي يصمت. أو الشارع يقتل بعضه! كله صار سيان. تخيلوا معي عالما عربيا بعيدا لكنه حقيقي. انتهى إلى غير رجعة لكنه كان حقيقيا وعاشته جيناتي قبل أن أخلق.

صحيح أنه غير متقدم بالمعنى المعروف لكنه على الأقل كان يعيش الفطرة. والعودة إلى الفطرة هي أعقد أحلامنا بعد هزائمنا المجلجلة.

تخيلوا صورا يتداولها اليوم أفراد كثيرون تجسد شوارعنا العربية قديما، وأخص هنا شوارع السعودية في الخمسينات وحتى السبعينات تظهر في أحدها امرأة بفستان قصير في أحد شوارع جدة المعروفة وصورة أخرى تضم مجموعة من الرجال والنساء مختلطين في إطار العلم في وقفة لأول خريجي كلية الطب بالرياض وصورة لسيدة في مدينة الخبر تتجول في السوق بلا عباءة بل بملابس موضة الستينات وشعر بلا غطاء، وصور كثيرة يمكن من خلالها قراءة الانقلاب الفكري الكبير بين الأمس واليوم.

قلبوا ألبومات صور نساء مصر قديما وصور شوارع مصر، آه يا شوارع مصر كيف كنت وكيف أصبحت.تخيلوا أن ابنة الريف والبادية بالجزيرة العربية كانت تشارك الرجال رقصهم في الأفراح والمناسبات وتقف قبالتهم برقصة أو استعراض انتهى ولم يعد.

ادخلوا بمعزوفة موسيقية أو كهنوت الموسيقى، تأملوا حسا روحانيا قديما. تخيلوا أم كلثوم التي يصادف هذا الشهر ذكرى وفاتها واقفة على المسرح لتغني قصيدة أحد العظماء فيتناغم على وقعها سكان الأرض جميعا.

تخيلوا ملحنا ومطربا وشاعرا اجتمعوا فأنتجوا ألحان الخلود دون مشاغبات تكفير أو تخلف يشمئز من الموسيقى لأنها ترعبه. تخيلوا كاتبا كان يفكر لسنوات قبل إنتاج كتابه. تخيلوا الحب ببيئة قديمة تحترمه لا بيئة حديثة تطلق فتاوى تحريمه في ما تبيح النزوات الليلية.

لا تعتقدوا أن كتابة هذا المقال شيء سهل لأني بدأت أدمع لتذكر ماضي هذه الأرض، ولست أنا فقط بل جميعنا حتى المتطرف منا يملك في داخله حنينا لا يعرفه للإمساك بالورود بدلا عن السلاح.

في اعتقادي فإن تداول صور الانفتاح الماضي دليل على حنين شعبي لزمن البراءة والاحترام والأناقة والفن، لذا فوسط الفوضى والدم أقترح أن نحتفل سنويا بعيد اسمه عيد الماضي نبكي فيه على أكتاف بعضنا.

كأني أتخيل أننا في آخر صفحة من تاريخ جماعات اسمها العرب، لا تقرأوني أكثر، ربما أنا مبالغة فاسعدوا وتأملوا واحلموا. في النهاية أنا أكثر حظا من غيري لأني أكتب. فأن أكتب يعني أني أحلم والحلم أكبر أكسجين للإنسان.

يسألني دائما: متى نعود مثل زمان.. فيجلجل صوت لأم كلثوم بشرفتي الفسيحة؟ “وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان”.

24