قل لي بأي لغة تكتب لأعرف من أنت

الأربعاء 2016/09/21

تبنّى كتاب عرب لغات أجنبية، وأنتجوا، في عصرنا هذا، أدبا لم يحسب لحظة واحدة ضمن تيارات الأدب العربي. وفي المقابل تبنى كتاب غير عرب لغة الضاد فأنتجوا أدبا عربيا رفيعا. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على قوة اللغة في صنع الهوية، رغم ما يقال عن ثقافة أصلية وثقافة متبناة.

اللغة، إذن، هوية، والكتابة بلغة ما، تمثل القيم الثقافية التي أنتجتها اللغة، ولذلك؛ ينتسب الأدب عادة للغته وليس لأصل كاتبها العرقي. قديما قال الشاعر ميليغاريوس، أنا سوري، ولكنه كتب باليونانية، فكان أحد رموز الثقافة الهيلينية، وملهما أزليا لورثة الثقافة اليونانية عبر العصور.

وحين وضع الحمصي العربي هليودوروس روايته “اثيوبيكا” قبل سبعة عشر قرنا باللغة اليونانية، نسبت الرواية لليونانية وللأدب الإغريقي، رغم أن كاتبها أكد في نهايتها أنه ابن الشرق ومعتقداته، ومع ذلك لم يقتصر تأثير “اثيوبيكا” على الأدب اليوناني فحسب، بل وصل إلى شكسبير وغيره من مؤسسي الأدب الأوروبي الحديث. ورسم مواقفها الدراماتيكية الكثير من فناني عصر النهضة الأوروبي، بينما غابت هذه الرواية ورياديتها السردية عن مرجل التأثير على الأدب العربي، والسبب أن اللغة فضاء، والانتساب لها هوية.

وفي العصر العباسي، غالبية من كتاب الأدب العربي كانوا من الفرس والترك، وأعظم شعراء ذلك العصر لم ينكروا هويتهم العرقية غير العربية، كبشار بن برد وأبونواس وابن الرومي، ولكن أدبهم كان في النهاية عربيا، وحتى حين ترجم ابن المقفع قصص “كليلة ودمنة” عن الهندية انتسبت تلك القصص للأدب العربي لأن ابن المقفع كان يتنفس في فضاء الثقافة العربية الإسلامية.

يحاول البعض الآن، وفي منطقتنا العربية تحديدا، حصر الهوية بمعناها العرقي الضيق، محاولين استعادة هويات بائدة، وهو ما يخالف طبيعة الحياة، وسنة الوجود، فالثقافات الكونية الثلاث التي عرفتها البشرية، وهي: الهيلينية، والعربية- الإسلامية، والأنكلوساكسونية، تجاوزت العرق إلى اللغة، فكانت كونية في تنوعها، إنسانية في مضامينها، فالثقافة الكونية حاجة بشرية كما أثبت التاريخ.

تبلورت اللغة العربية في العصر العباسي، ووضعت لها القواميس والمعاجم والقواعد، واستفادت من تراثات الأمم التي أضحت جزءا من الإمبراطورية، فكانت بحق الوعاء الذي صهر في بوتقته ثقافات الكثير من الشعوب واللغات المندثرة، ومن أجل هذا أصبحت العربية لغة حية يتنفس في فضائها عالم مترامي الأطراف، من الصين إلى الأندلس، حتى بعد أن خفتت وطأة سنابك الفاتحين، وسلطة الولاة المعينين من العاصمة.

أضحت العربية لغة عالمية، وهوية ثقافية لانفتاحها على الآخر، وقبولها المساهمة الحضارية من دون النظر إلى أصل الكاتب أو عرقه أو انتسابه لهذا الإقليم أو ذاك. فقد أصبحت هي الهوية.

كاتب من سوريا

14