قل لي ولو كذبا

الأكاذيب لم تعد تقف عند صفحات صانعيها أو مروجيها، وإنما أصبحت تقفز بسرعة إلى وسائل الإعلام المعادية التي سرعان ما تحولها إلى مادة خبرية.
الثلاثاء 2019/11/05
تصنع الأكاذيب

في بعض الدول كثيرة الجدل قليلة العمل، يهدر نصف وقت الدوائر المسؤولة في إصدار البيانات لتفنيد الأخبار الزائفة بمواقع التواصل الاجتماعي. اليوم بإمكان أي شخص يعاني من الفراغ القاتل، أو يعمل ضمن جيش إلكتروني محترف، أو يبحث عن الإثارة لله في سبيل الله، أن يحجز لنفسه بروفايلا وهميا تحت اسم من اختراعه، ثم يبدأ في نشر الأخبار التي لا أساس لها من الصحة، والتي سرعان ما تنتشر كالنار في الهشيم. فالخبر الكاذب وفق أحدث الدراسات المتخصصة، يلفت اهتمام المتلقي أكثر من أخبار جهينة وأخواتها، والناس بطبعهم ميالون إلى الإثارة، ولا يهتمون بمدى صدقيتها أو صدقية من يقف وراءها، ومن السهل أن يبتلعوا الطعم خصوصا عندما تكون صفحة ناشر الأكاذيب، مزدانة بآيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وصور لطفلة محجبة أو لطفل يصلي، وبعض المواقف الغاضبة من الفساد والفاسدين والمدافعة عن القدس وفلسطين.

الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد، احتل مساحات مهمة على مواقع التواصل الاجتماعي بتصريحات حول قضايا إقليمية تبين أنه لم يقلها، ومن خلال تغريدات على تويتر وتدوينات على فيسبوك اضطر فريقه إلى تكذيبها، فالرجل لم يكن في يوم من الأيام من الناشطين على تلك المواقع، ولا حتى ممن يجيدون التعامل مع تكنولوجيات الاتصال، وفق تصريحات أدلى بها بنفسه للإعلام. كما لم يجد إلى حد الآن الوقت الكافي ليطرح آراءه ورؤاه، بل حتى حملته الانتخابية دخلها وخرج منها صامتا، باستثناء بعض المقولات العامة التي لا تحمل جزما بموقف أو حسما في قضية .

وخلال الأيام الماضية باتت الصفحات التونسية تعج بأخبار مفبركة من قبيل القبض على فلان والتحقيق مع فلتان وملاحقة علان وتحجير السفر على زيدان أو سعدان أو الحاج عثمان، ليتبين أنها مجرد فبركات، لإرضاء نزوات أصحابها، والضحك على ذقون السذج ممن يرفعون شعار “حدثني بما أحب ولو كذبا”، لكن هناك من يرى أنها إشارات إيحائية أو رسائل ضغط للدفع إلى أن تتحول الإشاعات إلى وقائع.

في مصر، هناك برامج تلفزيونية يومية على عدد من القنوات، تخصص أغلب وقتها لتكذيب ما يتم نشره على مواقع التواصل، والسبب أن الأكاذيب لم تعد تقف عند صفحات صانعيها أو مروجيها، وإنما أصبحت تقفز بسرعة إلى وسائل الإعلام المعادية التي سرعان ما تحولها إلى مادة خبرية، ومنطلق لفبركة تقارير يعلق عليها محللون حسب الطلب، وهنا يمكن الحديث عن صناعة متكاملة لا مكان فيها للصدفة أو الارتجال، فالأكاذيب يتم توليدها لأهداف جرى تحديدها، طالما أن أول ما لدى الواقفين وراءها من قناعات هو أن الشعوب قطيع يمكن تحريكها بالإشاعات.

24