قماشة فنية مبتكرة لقراءة تجليات مدينة بأكملها

مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة يختتم فعالياته بالعرض السويسري الراقص "طرب" على مسرح الفلكي بوسط القاهرة.
السبت 2018/03/31
حركات متحررة من القوالب والالتزام الدرامي الصارم (تصوير محمـد حسنين)

القاهرة - يأتي العرض السويسري الراقص “طرب” ليطلق لغة الجسد بتعبيرات حركية على مقامات موسيقية شرقية، ويطرح قراءة خاصة لملامح مدينة القاهرة ودفئها الإنساني وتراكيبها المتشابكة، وقد اختتمت به فعاليات “مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة” مساء 29 مارس على مسرح الفلكي بوسط القاهرة.

تعددت أشكال الفنون المعاصرة التي قدمها مهرجان وسط البلد، على مدار ثلاثة أسابيع، وتنوعت ما بين عروض أدائية ومسرحية وبصرية وموسيقية وسينمائية وديجيتال وغيرها، وقد وجد الرقص الحديث مكانه في جدول المهرجان كلون من ألوان التعبير الحركي خارج البرواز.

ظهر الرقص الحديث كفن تعبيري جسدي في أوائل القرن العشرين، للتمرد على فنون الرقص الكلاسيكي والباليه، وتطور على يد الأميركيتين مارثا غراهام وإزادورا دنكان. ولا يتضمن الرقص الحديث حركات محددة مرسومة بشكل حرفي يتوجب على الراقصين أداؤها، بل يعتمد بشكل كبير على الانطلاق المتحرر.

 

للجسد لغته الخاصة وفنياته الدقيقة التي تقول ما لا يتحمله الكلام، ويشكل الرقص وجها من وجوه التعبير الجسدي في المسرح الحديث. والمشرق بعيون الغرب، نسق إبداعي تندرج تحته على مرّ العصور أعمال موسيقية وتشكيلية وسينمائية ومسرحية وغيرها، لا تعكس بالضرورة الواقع المشرقي كما هو، إنما تقدم تصورات وقراءات الآخر لهذا الواقع، كمصدر للدهشة والإبهار وربما السحر، مثلما فعل الروسي كورساكوف في سيمفونيته “شهرزاد” وسلك مسلكه الكثيرون.

حمل العرض السويسري “طرب” اجتهادات لتسعة راقصين وراقصات خرجوا بالأداء الحركي إلى فضاءات تعبيرية متسعة لتصوير رحلتهم في مصر وبالتحديد في قلب مدينة القاهرة، وجاءت تسمية العرض “طرب” لتعكس افتتانهم بالموسيقى والإيقاعات والآلات والمقامات الشرقية التي خبروها في رحلتهم الاستكشافية.

مزج الحقيقة والخيال

القاهرة بعيون فريق العمل، هي ما يقدمه عرض “طرب”، بمعنى مزج الحقيقة بالخيال، مثلما أن العرض يقدم الأنغام الشرقية بآلات غربية هي الغيثار والكونتارباص، ويمزج بين الرقص الشرقي والباليه والديسكو الغربيين في حركات متحررة من القوالب والالتزام الدرامي الصارم.

يطغى الحضور النسائي على العرض، إذ تشارك في “طرب” سبع راقصات وراقصان اثنان، ويأتي التشابك والتقارب كسمة مميزة للاستعراضات والتكوينات الحركية المتناغمة التي تفصح بلغة الجسد الحيّة عن الدفء الإنساني والتلاحم المجتمعي في مدينة مزدحمة شعبية.

لفت نيكولاس كانتيلون، مصمم العرض وصاحب فكرته، بالاشتراك مع لورانس يادي، في فيلم تسجيلي قصير سبق العرض إلى أن زيارة فريق العمل للقاهرة في العام 2012 كان لها الدور الأكبر في بلورة هذا العرض وخروجه إلى النور.

ذكر نيكولاس كانتيلون في كلمته أن الدفء الإنساني والروح الشعبية المصرية وراء هذه الحركات والرقصات التي تمثل التواصل والاحتواء، كما أن المقامات والإيقاعات والآلات الشرقية الساحرة التي تعج بها القاهرة وراء تلك الأنغام والعبارات الموسيقية المصاحبة للأداء الحركي في العرض الذي يحاول أن يقدم ترجمة لنبضات قلب القاهرة وشوارعها الزاخمة.

تأسس فريق “Compagnie 7273”، الذي أنتج العرض، في 2003، على يد كل من نيكولاس كانتيلون لورانس يادي، وقد نجح الفريق في تطوير آليات جديدة للرقص، ويتميز بتقديم أعمال فنية اعتمادًا على الموسيقى العربية والشرقية، فيما تساعد المقامات المختارة بعناية الراقصين على الحركة والتعبير بأجسادهم بشكل متناغم ومنسجم وتلقائي.

من الشجن إلى المرح

بدأ عرض “طرب”، الذي تتجاوز مدته 50 دقيقة بأجواء من الشجن والأسى، تجلت في الحركات البطيئة والأداء المنفرد لبعض الراقصات والظلام المهيمن على المسرح، ثم راح الإيقاع يتسارع تدريجيّا، ومع ظهور الإضاءة يتعانق الراقصون ويتداخلون في دوائر، وتتحول الموسيقى إلى المرح والبهجة، وتنطلق الحياة في مسارها الطبيعي.

العرض يقدم الرقص كغاية جمالية وتعبيرية دون الانخراط في تفاصيل حكائية تنتقص من القيمة الحركية والبصرية

يطرح العرض أضواء وظلال مدينة القاهرة الساهرة حتى الصباح بأفراحها وأحزانها، وتأتي حركة الراقصين في مدارات حرة متغيرة متطورة، ومع انسيابية الأجساد وسيولتها وذوبانها في فيوضات الموسيقى والإيقاعات تثار أسئلة كذلك عن ماهية الرقص ومفهوم الطرب.

يسعى العرض أيضا إلى تقديم الرقص كغاية، وقيمة جمالية تعبيرية بحد ذاتها، دون الانخراط في تفاصيل درامية أو حكائية تنتقص من القيمة الحركية والبصرية، كما يحاول إشراك الجمهور بالتفاعل مع أسئلتهم المصاحبة لحركات الراقصين.

وبالرغم من أن الفيلم التسجيلي الذي سبق العرض أشار إلى تأثرات أبطال الفريق بالأعمال المصرية الشهيرة، الموسيقية والغنائية، كروائع أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وحلقات الذكر الصوفية وإيقاعات الموالد وغيرها، فإن الموسيقى المصاحبة لعرض “طرب” التي أعدها جاكوس مانتيكا، لم تأتِ من أعمال مصرية موروثة، إنما حملت الروح المصرية والشرقية بصيغ وعبارات مستحدثة.

في حين بدت حركات الراقصين متطورة متنامية، منطلقة من حقل تعبيري إلى آخر، فإن الجمل الموسيقية بقيت قليلة بل محدودة على مدار العرض، وكذلك الحال بالنسبة إلى الإيقاعات التي لم تشهد تنويعا كبيرا، باستثناء ذلك التراوح بين الشجن والمرح.

ما أراد العرض أن يقدمه في المقام الأول، بالنسبة إلى التعبير عن “الطرب”، لم يكن سمعيّا بقدر ما جاء بصريّا، فالأجساد هي التي تطرب وتتمايل وترقص، وما تفعله الأنغام والإيقاعات في هذه الأجساد يقودها إلى التحرك غير المشروط، وغير المحكوم بنص مسبق، فتتحقق حالة الطرب الحقيقية عبر الإبداع الجسدي المنفتح على الموسيقى.

عرض “طرب” قماشة فنية مبتكرة لقراءة تجليات مدينة بأكملها، من خلال ارتجافات حساسة لأجساد تجيد التعبير عن هزة الأرض ومصابيح السماء.

14