قمة الأزمات الكبرى: حيرة السبع الكبار أمام الهجرة والإرهاب وروسيا

أجندة اجتماع الدول السبع الصناعية الكبرى، الذي التأم بمدينة ايسي شيما الساحلية في اليابان، كانت مليئة بالقضايا الدولية. ولئن كان الهدف الرئيسي من القمة هو النظر في المنظومات والمصالح الاقتصادية للدول الصناعية، فإن الملفات السياسية كانت طاغية بكثرة على طاولة الاجتماع، لعل أهمّها الملف الأوكراني والروسي والملفان السوري والعراقي، والتخوف من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
السبت 2016/05/28
إدارة العالم من غرفة صغيرة

إيسي شيما (اليابان) – “عدد اللاجئين حول العالم تجاوز اليوم العدد الذي كان في فترة الحرب العالمية الثانية”. بهذا الاعتراف، أكد البيان الختامي لقمة الدول السبع الكبار في العالم الذي انعقد في اليابان، أن الأزمة التي يعاني منها النازحون واللاجئون في مناطق النزاع، خاصة في الشرق الأوسط، تعد همّا وجب دعم الاهتمام به أكثر، ويقول البيان، إن مجموعة الدول الصناعية الكبرى ستقوم بزيادة المساعدات العالمية على المدى الطويل للاجئين والدول التي تستضيفهم.

وفي سياق آخر، أشار البيان الختامي لقمة مجموعة السبع إلى عدد من المحاور الأخرى التي تهم السياسة الدولية وديناميكية العلاقات بين الدول الكبار، خاصة مواضيع التهديد النووي لكوريا الشمالية والأزمة الروسية الأوكرانية وبحر الصين الجنوبي ومكافحة الإرهاب. وأكد مراقبون، أن طرح هذه المحاور بالذات في البيان الختامي، له انعكاس على التفاعل بين القوى الكبرى في العالم وتشكيل ملامح تكتلات كبرى تميل فيها الصين إلى روسيا وكوريا الشمالية في مقابل الكتلة الغربية ككل، في توضيح أكثر لمسألة صراع النفوذ بين تلك القوى، كما لم يتجاوز البيان نقطة مكافحة الإرهاب وإشكالية احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

مكافحة الإرهاب

أكدت الدول السبع على مواصلة مكافحة الإرهاب ودعم جهود مجلس الأمن في هذا الإطار، وإمكانية “أن تلعب دول مجموعة السبع دورا قياديا في مكافحة الإرهاب”. وهذا التأكيد الذي جاء في البيان الختامي لم يضف شيئا إلى الموقف الحالي من هذه المسألة، ولم يشر إلى تغيّر في سياسات التعاطي مع الإرهاب، بل إن توجيه الملف إلى مجلس الأمن، يشير إلى أن الوضع يحتكم بالضرورة إلى موازين القوى داخل المجلس والتي تمثل الدول الخمس دائمة العضوية ركيزة أساسية فيه.

وبالعودة إلى قمة مجموعة السبع الكبار التي أقيمت في مقاطعة بافاريا الألمانية السنة الماضية، كانت مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق ومقاومة الإرهاب بشكل عام، من النقاط الرئيسية لبرنامج القمة، حيث تم استدعاء رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لمزيد التعمق في فهم المشكل ومحاولة إيجاد الحلول اللازمة لعلاجه. وإلى الآن لا تزال نقطة مكافحة الإرهاب، وتحديدا تواصل نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية وتمدده، تشكل أهم النقاط التي يناقشها الحضور في قمة السبع.

ويؤكد مراقبون أن وضع ملف الإرهاب على رأس أولويات الدول الكبرى منذ مدة طويلة، يعكس إلى حدود معينة اهتمام هذه الدول بهذا المشكل. ولكن هذا الاهتمام المتزايد بحل قضية الإرهاب يعتبر تغطية على عدة قضايا أخرى، قد تكون في صالح محور آخر في الدول السبع الكبرى والمتمثل في روسيا والصين.

طرح الكثير من القضايا في قمة السبع الكبار، يشير إلى تشكل ملامح تكتلات كبرى على المستوى الدولي أكثر وضوحا

أوكرانيا وروسيا

شددت قمة السبع الكبار على أن الحل الوحيد للأزمة في أوكرانيا هو الحل السياسي، ودعت إلى إيجاد مخارج تضمن سيادة ووحدة واستقلال أوكرانيا، وضمان ذلك استنادا للقانون الدولي. ولفتت إلى أن العقوبات المفروضة على روسيا ترتبط باحترام اتفاقية مينسك وسيادة الأراضي الأوكرانية، كما أكد البيان على ضرورة تقديم دعم طويل الأمد لأوكرانيا.

ومع ذلك أكدت دول المجموعة “أهمية مواصلة الحوار مع الطرف الروسي بهدف تأمين الالتزامات التي أخذت على عاتقها، وكذلك الحرص على تنفيذ قواعد القانون الدولي من أجل التوصل إلى تسوية سلمية ومستدامة وشاملة للأزمة”.

وفي خصوص العقوبات التي تعتبر معضلة كبيرة في الاقتصاد الروسي، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل منذ اليوم الأول للقمة أنه “من السابق لأوانه الحديث عن رفع العقوبات”، بينما قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، إن دول الاتحاد الأوروبي ستتخذ قرارا حول تمديد العقوبات بعد 31 يونيو القادم.

“دول السبع الكبار تدعم الجهود الدبلوماسية وتدين ضم القرم إلى روسيا”، بهذا التعبير أعاد البيان الختامي مسألة القرم إلى واجهة الاهتمامات، فقد أكد بيان القمة على أن “الأزمة في أوكرانيا يمكن حلها بالطرق الدبلوماسية فقط وعلى أساس قواعد القانون الدولي، وباحترام سيادة أوكرانيا واستقلالها ووحدة أراضيها”. وأشار محللون في السياق إلى أن ضمان قبول روسيا بالمفاوضات من أجل إعادة القرم، مرتبط بالإبقاء على العقوبات ضد جميع المسؤولين عن ذلك.

ويذكر في هذا السياق أن أوكرانيا لا تزال تعتبر القرم جزءا من أراضيها ومنطقة محتلة، إلا أن موسكو ترفض هذا الموقف، وتؤكد على أن القرم عادت إلى الاتحاد الروسي بشكل ديمقراطي نتيجة إجراء استفتاء عام في العام 2014 أيد نحو 96 بالمئة من سكان المنطقة فيه الانضمام إلى روسيا.

ودخول الدول السبع الكبار في تفاصيل العمل على إعادة القرم إلى أوكرانيا، يؤكد الاهتمام الشديد المناط بهذه القضية، والهدف بالأساس هو إضعاف التقدم الروسي في المجال الاستراتيجي والحيوي لموسكو. فقد طالب البيان بالإسراع في إجراء انتخابات في دونباس، كما أكد البيان أن المجموعة تدعو “كل الأطراف إلى التنفيذ الكامل والسريع لما أخذته على عاتقها من التزامات من أجل إجراء انتخابات محلية في أسرع وقت ممكن في بعض المناطق مثل مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك”، كما دعت المجموعة إلى الوقف التام لإطلاق النار في شرق أوكرانيا وفق اتفاقات مينسك. وجاء في البيان أيضا “يقلقنا الانتهاك المستمر لنظام الهدنة على خط التماس، وندعو كل الأطراف إلى القيام بخطوات محددة من أجل الوقف التام لإطلاق النار وفق ما جاء في اتفاق مينسك”.

ومن جهة أخرى رحبت المجموعة بمشاركة روسيا في حل القضايا الدولية، وبحسب المتحدث باسم الخارجية اليابانية ياسوهيسا كافامورا، أيد قادة المجموعة “المشاركة البناءة لروسيا في حل القضايا الدولية بما في ذلك التسوية في أوكرانيا”.

القمة دعت إلى الوقف الكامل للأعمال العدائية في سوريا، ودعم الجهود التي تبذلها مجموعة دول الدعم من أجل حل الأزمة السورية

سوريا والعراق

دعت القمة إلى الوقف الكامل للأعمال العدائية في سوريا، ودعم الجهود التي تبذلها مجموعة دول الدعم من أجل سوريا، كما أدانت هجمات النظام التي تستهدف المدنيين. وفي هذا الخصوص أشارت مجموعة السبع إلى أنها تنتظر من روسيا وإيران أن تتقدما بطلب إلى النظام السوري من أجل وقف هجماته ضد المدنيين، وبدء تنفيذ مرحلة الانتقال السياسي بحسب ما نص عليه مؤتمر جنيف. والإشارة إلى روسيا وإيران بالذات للتوسط مع النظام السوري، لم يكن القصد منها أن النظامين (الروسي والإيراني) باستطاعتهما التدخل إيجابا في المسألة عبر قنوات الاتصال بين الجانبين، بل يعد إحراجا سياسيا أمام الرأي العام الدولي بأن تواصل المأساة السورية تتحملها الأطراف المحيطة بنظام بشار الأسد مثلما يتحملها الأسد ذاته.

لكن في المقابل، تشير الانتقادات المبطّنة إلى روسيا بصفة خاصة، (باعتبارها أحد المسؤولين الكبار عن بقاء النظام السوري)، وإلى أن استبعادها خارج الدول الصناعية الكبرى (بعد أن تم استبعاد موسكو من القمة سنة 2014 إثر ضمها شبه جزيرة القرم) سوف يبقى متواصلا ما دام الإشكال الأوكراني لم يحل بعد إضافة إلى الملف السوري بكل تعقيداته، بطريقة تكون معها شروط العودة إلى نادي الدول الصناعية الكبرى متزايدة بقدر تزايد التدخل الروسي في الملف السوري وغيره من ملفات الشرق الأوسط.

أما عن العراق، فقد أشار البيان الختامي للدول السبع وتصريحات بعض القادة، إلى أن البلاد تحتاج إلى دعم مالي كبير وتحفيز سياسي على خلق مجال من الاستقرار يمكن من القضاء على معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في البلاد، إذ قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنه سوف يتم تقديم حزمة من المساعدات المالية للعراق تبلغ قيمتها أكثر من 3.6 مليار دولار، ما قد يساعد ولو جزئيا في مكافحة تنظيم داعش المتطرف.

بريطانيا والاتحاد الأوروبي

وحذر قادة المجموعة، بريطانيا من مغادرة الاتحاد الأوروبي وذلك قبل أقل من شهر على تنظيم استفتاء حول بقاء بريطانيا عضوا في الاتحاد. وأوضح البيان أن مغادرة بريطانيا المحتملة للاتحاد الأوروبي ستؤثر سلبا على التجارة العالمية والاستثمارات وفرص العمل، واصفا ذلك بـ”التهديد الخطير للاقتصاد العالمي”.

ويذكر أن الناخبين البريطانيين يتوجهون في 23 يونيو المقبل إلى صناديق الاقتراع للاستفتاء حول مصير بلادهم في الاتحاد الأوروبي.

وتواجه بريطانيا في الفترة الأخيرة نوعا من الضغوط على قرارها المتردد بالبقاء داخل الاتحاد الأوروبي من عدمه، خاصة أن فرنسا وألمانيا تقودان جهودا لتحويل بريطانيا إلى دولة عضو في منطقة اليورو، وتتعامل بالعملة ذاتها التي تتعامل بها بقية الدول الأعضاء. وتضم مجموعة السبع حاليا كلا من الولايات المتحدة الأميركية، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، الصين، اليابان، وكندا. كما يحظى الاتحاد الأوروبي بتمثيل فيها.

وتشكلت المجموعة بهدف مكافحة الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم في سبعينات القرن الماضي، وأُطلقت عليها تسمية “مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى” عقب انضمام اليابان وكندا إليها.

وفي العام 1998 أصبح اسمها “مجموعة الثماني” بعد انضمام روسيا، إلا أن ضم الأخيرة لشبه جزيرة القرم إلى أراضيها في العام 2014، أدى إلى تعليق عضويتها في المجموعة.

ولئن كان تركيز الاهتمام على جملة هذه القضايا في قمة مجموعة السبع فإن الحفاظ على هيمنة تلك الدول على السوق العالمية بقي الهدف الرئيسي.

7