"قمة الأناقة" لبريان دي بالما إيروتيكية وعنف ورعب وإثارة

الأحد 2016/05/01
القاتل يراقب في الخلفية

لا ينسى عشاق السينما في العالم فيلمين من أكثر أفلام السينما الأميركية إثارة وعنفا ولكن بأسلوب فني متميز، هما “كاري” (1976) و”الوجه ذو الندبة” (1983) للمخرج بريان دي بالما، وهو من أكثر من ساروا على نهج ألفريد هيتشكوك سيد أفلام الإثارة والتشويق، وأخلصوا لهذا النوع من الأفلام، بل وقد تميز دي بالما عن هيتشكوك، سواء في كمية الدماء التي تسيل على الشاشة، أو -وهو الأهم- بالمدخل السينمائي المشوق للفيلم، أي بالمشاهد الأولى التي تصلح في حد ذاتها فيلما مستقلا قائما بذاته، وهي مشاهد تُدرس في معاهد السينما في العالم.

إن من يشاهد فيلم دي بالما “المرأة القاتلة” لا يمكنه أن ينسى قط مشاهده الأولى التي تدور وقت انعقاد مهرجان كان السينمائي، داخل قصر المهرجان الشهير وكواليسه، وتستغرق نحو عشرين دقيقة من المتعة السينمائية الخالصة، من خلال التعبير والصورة والحركة والموسيقى مع أقل ما يمكن من كلمات الحوار.

لكن يظل من أكثر أفلام دي بالما دموية وإثارة ومتعة فيلمه الشهير “قمة الأناقة” وهي أفضل ترجمة وجدتها للتعبير الإنكليزي Dressed to Kill، لكن دي بالما (وهو كاتب سيناريو فيلمه) يقصد التلاعب بالتعبير الشهير ليجعله يشير أيضا إلى معنى قريب من “جاهز للقتل” أو “تزيّن ليقتل”، فبطل فيلمه طبيب نفساني يتخفّى في ثياب امرأة لكي يرتكب جريمته، وهو مصاب بنوع من فصام الشخصية، فهو يتمتع بجاذبية خاصة للنساء (يقوم بالدور مايكل كين) لكنه يشعر، في قرارة نفسه، بأنه امرأة، وبالتالي يستشيط غضبا إذا ما كشفت امرأة نقطة ضعفه وهي أنه لا يمكنه إقامة علاقة جسدية سوية معها. وهذا تحديدا ما تفعله السيدة كيت ميللر التي تقوم بدورها ببراعة إنجي ديكنسون (وكانت وقتها في التاسعة والأربعين من عمرها لكنها كانت لا تزال تتمتع بجاذبية شديدة). والسيدة كيت تعاني من تعثر علاقتها الجنسية بزوجها، وتتردد على الطبيب النفساني ليساعدها في التغلب على مشكلتها، لكنها في لحظة ما، تحاول إغراءه لكنه لا يستجيب لها.

مؤخرا، احتفلت شركة “كرايتيريون” بمرور 35 سنة على ظهور الفيلم فأصدرت نسخة جديدة منه على الأسطوانات الرقمية المدمجة وأقراص البلو راي. وكان الفيلم قد أصبح بعد فترة من ظهوره من أيقونات سينما الإثارة رغم ما تعرض له من هجوم عنيف وقت عرضه الأول، من جانب ناشطات الحركة النسائية لاعتقادهن أنه مهين للنساء عموما.

طبيب نفساني يتخفى في ثياب امرأة لكي يرتكب جريمته، وهو مصاب بنوع من فصام الشخصية، فهو يتمتع بجاذبية خاصة للنساء (يقوم بالدور مايكل كين) لكنه يشعر، في قرارة نفسه، بأنه امرأة، وبالتالي يستشيط غضبا إذا ما كشفت امرأة نقطة ضعفه

تأثير هيتشكوك

اقتبس دي بالما الإطار العريض لفيلمه من فيلم هيتشكوك الشهير “سايكو”، ولكنه استبدل شخصية السكرتيرة الحسناء (جانيت لي) التي تختلس مبلغا من المال من الشركة التي تعمل فيها، بامرأة تخون زوجها مع رجل غريب.

غير أن المشاهد الأولى من الفيلم لا علاقة لها بفيلم هيتشكوك، بل تحمل البصمة الخاصة لسينما دي بالما. يبدأ الفيلم بمشهد صامت تماما لمسز كيت وهي تستحم، تراقب رجلا يقف في الجانب الآخر من الحاجز الزجاجي، يحلق لحيته. تحدّق فيه في شبق، وتحك صدرها بالصابونة، ثم تهبط إلى الجزء الأسفل من جسدها.. في مشهد إيروتيكي يمهد لموضوع الفيلم، أي الكبت الجنسي. تقترب الكاميرا منها، تتصاعد الموسيقى، الرجل يبدو غير مبال بوجودها، وفجأة يهجم عليها ويخنقها، تقاومه ثم تصرخ، يملأ البخار الشاشة، ثم نراه معها في الفراش، يمارس الجنس معها بقوة، وبعد أن يصل الاثنان إلى ذروة النشوة، ننتقل إلى الماضي القريب.

في نفس اليوم قبل أن تغادر المرأة منزلها، تحاول إقناع ابنها المراهق الشاب بأن يصطحبها إلى المتحف، لكنه مشغول باختراعاته وبتكنولوجيا الدوائر المغلقة التي يغرم بها. لقد أطلعنا الفيلم الآن على عنصرين: أن المرأة تعاني من هواجس جنسية، وأن الابن مهتم بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة. في المشهد التالي نتعرف على الشخصية الثالثة الرئيسية أي الطبيب النفسي عندما تزوره المرأة في عيادته التي تقع في الطابق تحت الأرضي، وهو ما يوحي بطابع السرية والتكتم المحيط بعمله وحياته. من سياق المشهد يتضح أن الطبيب يعرف المرأة جيدا فهو يناديها باسمها المجرد، ويسألها عن ابنها، ويتناول الشاي معها، وبعد تبادل الحديث لفترة يتحول اتجاه الحوار ليصبح على النحو التالي:

- هل تراني جذابة؟ هل تريد أن تمارس الجنس معي؟

- نعم

- ولم لا تفعل إذن؟

- لأنّني أحب زوجتي.. وإذا فعلت فسيقوض ذلك زواجي.. هل الأمر يستحق بالنسبة إليك تقويض زواجك؟

تفكر المرأة وتسرح بعيدا ببصرها ثم تجيب ببطء…

إنجي ديكنسون الضحية التي تنتظر مصيرها

- لا أعرف…

ينتقل دي بالما بالكاميرا إلى سلم متحف “متروبوليتان” في نيويورك حيث تصعد المرأة في لباسها الأبيض. تدلف إلى المتحف، تتطلع في نوع من الحسد إلى شاب وفتاة يتبادلان قبلة. تسجل ملاحظات في دفتر صغير تحمله في يدها، تشاهد صورة لقرد يستلقي، يتسلل رجل يجلس بجوارها على المقعد المستطيل في المتحف.. يرتدي نظارات سوداء، يدوّن شيئا دون أن يتطلع إليها.. لقطة لقدمها تدق الأرض في توتر.. يتبادلان النظرات بسرعة.. تتطلع إليه، تخلع القفازات من يدها، ينهض هو ليغادر إلى القاعة المجاورة، تُسقط هي فردة من القفاز.. تتبعه إلى القاعة الأخرى، يتحرك منتقلا من قاعة إلى أخرى، تتبعه المرأة والكاميرا تتابع هذه المطاردة الغريبة.. يراقبها هو خلسة بينما تبحث عنه بعينيها القلقتين. تراه فجأة، ترتبك، تسير مبتعدة فيتبعها هو. تتوقف فجأة لتواجهه لكنه يكون قد اختفى.

تتركز الكاميرا على فردة القفاز الملقاة على الأرض.. يتناولها الرجل.. يلمس كتف المرأة فجأة.. ترتجف وتهرب للبحث عن باب الخروج.. تتذكر أنها رأت القفاز في يد الرجل وهو يضع يده فوق كتفها.. تعود للبحث عنه في قاعات المتحف.. الكاميرا تتخذ وجهة نظرها وهي تتحرك من قاعة إلى أخرى، تراه، تتجه نحوه، يبتعد هو، تزداد خطواتها سرعة وتسرع معها الكاميرا في حركتها، يهرب منها، كأنه يشدها للخروج.. وبعد أن يختفي تغادر هي المتحف في يأس.. تهبط السلالم.

مشهد المتحف، وهو صامت تماما يستغرق 9 دقائق وقد صوّرت مناظره الداخلية في متحف بفيلادلفيا، والخارجية في نيويورك حيث دار تصوير معظم مشاهد الفيلم الخارجية. تهبط المرأة أسفل سلم متحف متروبوليتان وهي تمسك بفردة القفاز الأخرى، تنظر إليها في لامبالاة ثم تلقي بها على الأرض فلم تعد لها فائدة الآن.. الكاميرا تتحرك نحو الشارع، يد الرجل ترتدي القفاز تشير لها من داخل سيارة تاكسي، تتجه نحوه وعندما تبدأ في مخاطبته يجذبها بقوة داخل السيارة ويقبلها، تحتضن رأسه وتقبله، السيارة تتحرك بهما، السائق يدير المرآة ليتمكن من مشاهدة ما يحدث على المقعد الخلفي.

ملصق الفيلم في تصميم مبتكر يشي بالإثارة

الكابوس بعد الحلم

المشهد التالي يستغرق 5 دقائق: داخل شقة الرجل بعمارة سكنية فخمة في مانهاتن تستيقظ المرأة لترتدي ملابسها مهرولة (لقد سبق أن شاهدناهما وهما يمارسان الجنس فالفيلم هنا يستكمل القصة اعتمادا على فطنة المتفرج دون ثرثرة وشروح).. تتطلع هي للساعة لتعرف أنه قد مضى وقت طويل فالساعة تشير إلى ما بعد السابعة مساء.. تضع حذاءها في قدميها، في الصالة تتصل تليفونيا بابنها لكنها تسمع صوت زوجها فتضع السماعة.

تكتشف أنها نسيت ارتداء ملابسها الداخلية التحتية تعود للبحث عنها في الفراش بينما الرجل لا يزال نائما، تتذكر أن الرجل أسقط ملبسها الداخلي في سيارة التاكسي، أثناء مداعبته إياها.. ترتدي السوار في يدها، تنهض تتوقف تجلس عند منضدة في الصالة، تلمح بطاقة عضوية للرجل في ناد من نوادي الصفوة، تكتب له كلمة تشكره فيها على الأمسية التي قضتها معه… تضعها فوق الهاتف.. تتطلع إلى درج مفتوح في المنضدة، تلمح تقريرا طبيا تجذبه لتقرأ فتكتشف في فزع أن الرجل مصاب بمرض تناسلي خطير.

هنا تكون الصدمة الأولى الكبرى في الفيلم، ويبدأ المشاهد يتساءل: ماذا ستفعل المرأة وكيف ستتصرف؟ ترتفع سرعة الإيقاع، مع نغمات موسيقية مرتفعة..تهرع المرأة لمغادرة الشقة، تستدعي المصعد إلى الطابق السابع حيث تقف.. ترتدي معطفها في ارتباك بصعوبة. داخل المصعد تكتشف أنها نسيت خاتم زواجها.. تضغط على زر في المصعد لمحاولة إيقافه بلا جدوى.. يتوقف عند أحد الطوابق، تدخل امرأة وطفلها الذي يحدق في وجه المرأة بقوة فقد لمح على وجهها الفزع.. تنهره أمه.. عند الطابق السفلي تخرج المرأة والطفل، تقرر البطلة الصعود للعثور على الخاتم. يتوقف المصعد في الطابق السابع..

يٌفتح الباب.. فجأة تهاجمها سيدة شقراء ترتدي نظارات سوداء بسكين حادة وتطعنها طعنات عديدة بقسوة في رقبتها وصدرها ووجهها.. يهبط المصعد بهما: القاتل والضحية.. رجل مع عاهرة حسناء يدلف إلى بهو العمارة. يشاهد المرأة التي تنزف فيفر مذعورا.. الفتاة التي كانت معه والتي سنكتشف أنها عاهرة شابة، تتطلع، تمد يدها للسيدة المطعونة التي لا تزال على قيد الحياة.. تمد المرأة بدورها يدها نحوها.. تلمح الفتاة في مرآة المصعد القاتلة الشقراء وهي تمسك بالسكين، تحاول طعنها بالسكين، يغلق باب المصعد فيضغط على السكين فيسقط على الأرض مخضبا بالدماء.. خادمة سوداء ترى الفتاة وهي تتناول السكين فتصرخ فتظنها القاتلة.

هذه اللقطات التي كتبت بدقة شديدة من خلال ما يعرف بـ”الديكوباج” السينمائي، والتي تخيلها الكاتب-المخرج، وحدد بدقة زوايا التصوير وأوضاع الممثلين، تكشف عن عبقرية سينمائية فذة لا شك فيها، وخيال شديد الثراء هو ما يميز لغة السينما، فليس من الممكن تقديم وصف أدبي للمشهد، بل هو كتب أساسا لكي يتحول إلى صور حية للمشاهدة.

بريان دي بالما داخل المصعد أثناء تصوير المشهد الشهير

الكشف عن القاتل

وصلنا الآن إلى الدقيقة 34 من الفيلم. تخرج إنجي ديكنسون من الفيلم بعد هذا التوقيت، تماما كما سبق أن خرجت جانيت لي من فيلم “سايكو”. وكما طعنت جانيت بسكين في البانيو، طعنت ديكنسون بسكين في المصعد. وبينما يعاقب هيتشكوك جانيت لي بطلة “سايكو” لأنها سرقت وكذبت وهربت، فدي بالما يعاقب ديكنسون بسبب خيانتها لزوجها، وهي نظرة أخلاقية مشابهة لنظرة هيتشكوك. أما العاهرة الشابة فهي أفضل من المرأة المتزوجة وأكثر منها صدقا وبراءة، فهي التي ستساعد ابن السيدة كيت (غوردون) في الكشف عن القاتل، فقد أصبحت الأم-البديلة بالنسبة إلى غوردون الابن. والطبيب الذي يفترض أنه يساعد مرضى الاضطراب النفسي، مضطرب نفسيا أكثر من مرضاه، بل وقاتل خطير يخفي أسراره داخل عيادته، والتكنولوجيا الحديثة التي يولع بها “آدم” هي التي ستساعده في التجسس على الطبيب ومراقبة عيادته وتسجيل مكالماته.

وهكذا يستمر الفيلم الممتع الذي يلخص بلغة السينما، طبيعة المادة الدرامية وجوهرها، يلغي الحبكة المثيرة لأنه يكشف لنا القاتل منذ البداية دون أن يلغي الإثارة من الفيلم الذي يستمر في الكشف تدريجيا عن أزمة الطبيب وكيف سيقع في الفخ. هنا يستخدم دي بالما زوايا الصورة وحركة الكاميرا، واللقطة القريبة، مع تحريك الممثلين داخل الكادر بدقة وحساب دقيق، ينتقل عبر المونتاج من نهايات الأشياء إلى بداياتها، في انسيابية تجعل المتفرّج يجمع بكل سهولة وسلاسة، بين أطراف الحدث. ومتعة السينما لا تنتهي.

كثير ممّا في الفيلم مأخوذ من حياة المخرج دي بالما مثل تجسس غوردون على عيادة الطبيب فقد كان دي بالما يفعل مثله تماما مع والده لكي يضبطه متلبسا بخيانة والدته مع امرأة أخرى كما اعترف هو بنفسه في فيلم تسجيلي عرض مؤخرا، وكان يخفي كاميرا صغيرة خارج عيادته لتصوير ما يفعله في الداخل عبر النافذة!

ليست كل الأفلام التي تأتي متأثرة بأفلام أخرى شهيرة بشكل أو بآخر، أفلاما يمكن نسيانها، بل إن أفلام دي بالما تحديدا، تضيف إلى الأصل، وتحتوي على الكثير من الابتكارات التي لا يمكن إغفالها. وهي أفلام شديدة الجاذبية من الناحية البصرية (والصوتية أيضا)، فهو من قلائل السينمائيين الذين يبدعون في جعل الكاميرا كأنها أصبحت العين الثالثة للمتفرّج، التي يرى من خلالها ما لا يمكنه عادة رؤيته بعينيه المجرّدتين. وفي علاقته بالكاميرا يكمُن سرّ عبقريته.

ناقد سينمائي من مصر

16