قمة التعايش أن يتجاوز التسامح مجرد بناء كنيسة لضمان الحريات الدينية

الفاتيكان يعلن عن زيارة مرتقبة للبابا فرانسيس إلى أبوظبي في فبراير القادم.
الجمعة 2018/12/07
تناغم وانسجام

يقف مناخ التسامح تجاه الأديان والتعايش السلمي الذي أوجدته دول الخليج شاهدا على قيم الاعتدال وقبول الآخر ورفض التعصب الديني والتطرف وفق رؤية بلدان المنطقة لاسيما السعودية والإمارات من خلال المبادرات العديدة التي قدمتها الدولتان بهذا الشأن وتبرز التزامهما بالقيم الإنسانية.

القاهرة - عكس إعلان الفاتيكان عن زيارة مرتقبة للبابا فرنسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية، إلى أبوظبي فبراير المقبل، أن الإمارات خلقت مناخا من التسامح الداخلي تجاه المسيحيين وباقي الأديان والطوائف الأخرى، جعلت منها قبلة للاعتدال في المنطقة، بعدما نجحت في أن تقيم حوارا حقيقيا لترسيخ قيم التعايش وقبول الآخر لمواجهة موجة التعصّب والتحريض على الكراهية التي تعمّ العالم.

وقال الفاتيكان، الخميس، إن البابا قبل دعوة ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والأقلية الكاثوليكية هناك، وسيقوم بالزيارة في الفترة من الثالث إلى الخامس من فبراير لحضور اجتماع في إطار الحوار بين الأديان.

وأكد الشيخ محمد بن زايد على تويتر “يسعدنا في دولة الإمارات الترحيب بزيارة قداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، الذي يعدّ رمزا عالميا من رموز السلام والتسامح وتعزيز روابط الأخوة الإنسانية. نتطلع إلى زيارة تاريخية، ننشد عبرها تعظيم فرص الحوار والتعايش السلمي بين الشعوب.. ازدهار السلام غاية تتحقق بالتآلف وتقبل الآخر”.

ويحمل إصرار قادة الدين المسيحي على الاهتمام بالأقلية المسيحية الموجودة في بعض الدول الخليجية، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، أن هذه الدول أصبحت مثالا يُحتذى به في نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، ونجحت في تذليل الفوارق بين أصحاب الديانات.

وأشاد تواضروس الثاني، بابا الكنيسة المصرية، خلال لقاء تلفزيوني مساء الأربعاء، باهتمام الإمارات بتوفير دور العبادة المسيحية، وأبدى رغبته وأمنيته في إقامة كنيسة في المملكة العربية السعودية، متسائلًا “لما لا نقيم كنيسة في السعودية وما الذي يمنع إقامتها؟”

ثم استطرد قائلا “الكنائس موجودة في البلاد المجاورة كالإمارات والبحرين والكويت، وهذه خطوة إيجابية للغاية نتمنى تعميمها”.

وأضاف أن زيارة الأنبا مرقس مطران إيبارشية مدينة شبرا الخيمة (شمال القاهرة) وتوابعها إلى السعودية، تواكب العصر وتساير ما يحدث في المملكة من تسريع وتيرة الانفتاح وترسيخ التعايش والمحبة والتسامح.

وأقيم السبت، وفق مسؤول كنسي أرثوذكسي مصري، أول قدّاس لطائفته بالسعودية ضمن زيارته للمملكة التي تستمر حتى 17 من الشهر الجاري، بناء على دعوة من الديوان الملكي السعودي، مؤكدا أن الأقباط يقيمون في بلدهم الثاني.

وينظر إلى خطوة إقامة قداس مسيحي بالسعودية، واستدلال البابا تواضروس الثاني على انتشار الكنائس في الإمارات لمختلف الطوائف، أن البلدين انتقلا بالحوار الإسلامي المسيحي، من النخب، إلى إفساح الطريق أمام الشعوب ذاتها لتقوم بمهمة نشر التسامح والتعايش وقبول الآخر، وهو تحول يوثق ترسيخ مفاهيم المواطنة ولفظ التطرف والتشدد الديني والفكري.

وترتبط الإمارات على وجه الخصوص، بعلاقة خاصة مع أقباط مصر، حيث قدمت في السنوات الأخيرة دعما كبيرا لمشاريع تابعة للكنيسة في مجالات تقديم خدمات التعليم والرعاية الاجتماعية والصحية والحفاظ على التراث المصري والقبطي، وغيرها من المبادرات والمشاريع التي تعكس سياسة التسامح التي ترمي إلى التقريب بين الأديان دون اعتبارات فئوية ضيقة.

وتتواجد في الإمارات كافة الكنائس المسيحية، منها الشرقية مثل الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والأرثوذكسية المشرقية، والكنائس المسيحية الغربية مثل البروتستانتية والكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد المسيحيين المقيمين في الإمارات يبلغ نحو 500 ألف شخص يتركز غالبيتهم في أبوظبي، العين، دبي والشارقة.

صحيح أن السعودية، خالية من الكنائس، لكن الخطوة ليست ببعيدة، في ظل الانفتاح الذي يقوده ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وقيامه بزيارة تاريخية في يوليو الماضي إلى الكنيسة المصرية، وتعهده بدعم رؤية أكثر اعتدالا للإسلام، ودعوته البابا تواضروس الثاني إلى زيارة المملكة.

كما أن صحيفة إيكونوميست البريطانية، نقلت عن مستشار بالديوان الملكي في أغسطس الماضي قوله إن “بناء أول كنيسة في السعودية غير مرفوض، والقرار مسألة وقت”.

واحتضنت الرياض اتفاقية تعاون بين رابطة العالم الإسلامي ورئيس المجلس البابوي في الفاتيكان، أبريل الماضي، لإنشاء لجنة عمل دائمة بين الرابطة والمجلس البابوي، لتحقيق “الأهداف المشتركة”. وكل هذه مؤشرات تعكس أن التقارب الإسلامي المسيحي في البلدان العربية التي تشهد حضورا لافتا للأقباط، مثل الإمارات والسعودية والكويت والبحرين، وصلت إلى مرحلة متقدمة من التلاحم.

وبغض النظر عن حجم وأعداد الكنائس، تظل الرسالة الأهم، الإيمان بالروابط الروحية بين المسلمين والمسيحيين كهدف نبيل للديانتين، إذ لا كنيسة في السعودية، لكن أيضا لا مكان لمن يتجاوز الاعتدال في المملكة، أو يصنع لنفسه عالم آخر في علاقاته مع العقائد والطوائف الدينية الأخرى.

السعودية، خالية من الكنائس، لكن الخطوة ليست ببعيدة، في ظل الانفتاح الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان

ويرى الكثير من المراقبين، أن مصداقية أكثر البلدان العربية التي ترسخ التعايش والتسامح بين المسلمين والمسيحيين بغض النظر عن بناء كنائس من عدمه، ظهرت في عدم خروج فتاوى دينية متشددة ضد أي طائفة دينية، لقناعة أصحاب الأفكار الرجعية بأن هناك حماية ذاتية من صنّاع القرار أنفسهم، لأصحاب الديانات الأخرى، وأن الأمر لا يتطلب تدخلات حكومية لفرض التسامح بالأمر المباشر.

ورأى كمال زاخر المفكر القبطي في مصر، أن تمسك البلدان الخليجية بأن يكون المسيحيون شركاء أساسيين، يمارسون حياتهم بشكل طبيعي ويقيمون شعائرهم الدينية في أمان وسلام، يعني أن أنظمة الحكم فيها تعي كيف تضع النقاط فوق الحروف، في ما يتعلق بترسيخ التسامح بين المجتمع، ولفظ التشدد الفكري والديني، حتى وصلت إلى عالم مسالم خال من أصحاب العقول الرجعية.

وقال، لـ”العرب”، إن “هناك دولا خليجية، قد لا يشعر أحد بوجود أقباط بين سكانها، وربما يفاجأ البعض بأنها تحتضن ديانات أخرى من شدة التلاحم والتسامح الموجود عند قادتها وشعبها، موضحا أنهم رسخوا مفهوم المواطن أولا، ورفضوا الارتكان إلى طبيعة الديانة لتحقيق التعايش بين المواطنين، في ظل إرادة حقيقية لنبذ التطرف والعنف والتمييز على أساس الدين.

وسبق أن وضع البابا تواضروس الثاني وصفة بسيطة للقضاء على التطرف الفكري والديني في المجتمعات العربية، بقوله إن “الإنسانية أضحت في أمسّ الحاجة إلى نشر المحبة وإقرار السلام الحقيقي بين الأديان، وإذا ما تحقق ذلك فسوف ينتهي الإرهاب بأوجهه العديدة، سواء كان بالمتفجرات، أو بالإرهاب الفكري أو حتى المعنوي من خلال بث رسائل عدائية من تيارات تجاه معتنقي ديانات بعينها”

تعكس الوصفة المسيحية التي تتبنّاها الكنيسة المصرية لنشر التسامح بين المجتمعات التي تحتضن أكثر من ديانة، أن ترسيخ قيم التعايش والمواطنة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وهي إشكالية ما زالت تعاني منها مصر الآن، بتحريض تيارات دينية على ديانات أخرى، واللافت أنها تعمل في العلن، مثل السلفيين، الذين يصدرون الفتاوى المحرضة على التمييز ضد الأقباط وتحريم التقارب معهم.

وقال إيهاب رمزي، وهو محام وباحث قبطي، إن ترسيخ التعايش والتسامح وقبول الآخر في أيّ مجتمع، قد يكون في صورة جرس كنيسة، لكن الأهم أن يعي المجتمع أن المبني مكان لممارسة العبادة، وليس وسيلة لنشر التبشير، وهي معادلة صعبة نجحت فيها دول عربية، على رأسها الإمارات.

وأضاف، لـ”العرب”، أن بناء الكنائس في الدول الخليجية انعكاس واضح للتحضر الفكري والثقافي وإيمان صنّاع القرار بقبول الآخر وتوفير كافة حقوقه الدينية والحياتية، لكن الميزة أن الحكومات استطاعت توفير بيئة عصرية تقبل بحرية العقيدة لكل أصحاب الديانات والطوائف، باعتبار أن ذلك يندرج ضمن أساسيات حقوق الإنسان.

13