قمة الحزم والحسم تؤكد على وحدة الصف العربي

الأحد 2015/03/29
القادة العرب ينظرون بعين الريبة إلى توسع النفوذ الإيراني

القاهرة - افتتحت في مدينة شرم الشيخ المصرية، أمس السبت، قمة عربية تهيمن عليها مسألة إنشاء قوة عربية مشتركة بينما يبدو التدخل العسكري “عاصفة الحزم” في اليمن أقرب إلى “اختبار” لهذا المشروع، الذي يطمح البعض أن يتحوّل إلى موقف دائم، وبداية نحو حسم أزمة سوريا، الغائب الحاضر في القمة وليبيا التي كلما طالت أزمتها اتسعت رقعة تهديدها.

تزامنت الدورة العادية السادسة والعشرون للقمة العربية، بأحداث إقليمية وتحرّكات عربية سيادية، حوّلتها إلى قمّة الحزم والحسم، شعارها تحت شعار “سبعون عاما من العمل العربي المشترك”، بدأت بتلاوة آيات من القرآن الكريم تحث على الوحدة وعدم التفرق واختتمت بالتأكيد على ضرورة توحيد الصفّ وتكاتف الدول العربية لموجهة التحديات المحيطة بأمنها وثقافتها ودينها وأمن شعوبها.

تنعقد هذه القمة، التي افتتحت أمس السبت وتختتم اليوم الأحد، في مدينة شرم الشيخ المصرية، التي احتضنت قبل أيام قليلة المؤتمر الاستثماري الذي دعت إليه السعودية لدعم مصر والذي نجح في تأكيد وحدة الصف الخليجي والعربي في دعم مصر وإعادة الاعتبار إلى مكانتها الإقليمية ومساعدتها في النهوض باقتصادها وحربها ضدّ الإرهاب. وفي حدث دلالي آخر، تزامنت القمة، مع عملية “عاصفة الحزم” التي قادتها السعودية وشاركت فيها دول عربية لقصف مواقع في اليمن بهدف وقف زحف الحوثيين صوب عدن التي فرّ إليها الرئيس عبدربه منصور هادي بعد فترة إقامة جبرية فرضت عليه في صنعاء التي استولى عليها الحوثيون في سبتمبر.

وفي الوقت الذي كان فيه القادة العرب مجتمعين في شرم الشيخ، كانت طائرات التحالف العربي تقصف مواقع الحوثيين في صنعاء في اليوم الثالث من العملية العسكرية في اليمن التي لقيت ترحيب الدول العربية وكانت محلّ تركيز القادة العرب في كلماتهم.

وأكّد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، في كلمته أمام القمة، أن “عاصفة الحزم سوف تستمر حتى تتحقق جميع الأهداف وينعم الشعب اليمني بالأمن والاستقرار”.

ووصف الملك سلمان التحركات الحوثية في اليمن بأنها تهديد كبير لأمن المنطقة كما وصفها بأنها “انقلاب على السلطة الشرعية واحتلال للعاصمة صنعاء”. وأوضح أن “استجابة دول شقيقة للمشاركة في عاصفة الحزم جاءت للوقوف إلى جانب اليمن وشعبه وردع العدوان الحوثي الذي يشكل تهديدا للمنطقة”.

وشدّد العاهل السعودي على أن “الواقع المؤلم الذي تعيشه عدد من دول عربية من إرهاب وصراعات داخلية وسفك للدماء نتيجة حتمية للتحالف بين الإرهاب والطائفية الذي تقوده قوى إقليمية أدت تدخلاتها السافرة في المنطقة العربية إلى زعزعة الأمن والاستقرار”.

وكان أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، افتتح القمة باعتباره رئيس الدورة الخامسة والعشرين للقمة العربية، وقال في كلمته “نحن اليوم نلحظ بأن المشهد السياسي في وطننا العربي يزداد سوءا وتعقيدا سواء كان ذلك بالتصعيد الذي رافق الوضع في ليبيا أو التدهور الأمني الذي يعانيه الأشقاء في اليمن".

مسؤول خليجي: الحملة العسكرية في اليمن قد تستغرق شهورا
صنعاء - أوضح مسؤول دبلوماسي خليجي أن التحالف العربي الذي يهاجم الحوثيين في اليمن كان يخطط في بادئ الأمر لحملة تستمر شهرا لكن العملية قد تستغرق ما بين خمسة وستة أشهر. وأضاف المسؤول، وهو من دولة تشارك في التحالف، أن إيران الحليف الرئيسي للحوثيين سترد على الأرجح بشكل غير مباشر من خلال تشجيع ناشطين شيعة موالين لإيران على تنفيذ هجمات مسلحة في البحرين ولبنان وشرق السعودية.

ويواصل الحوثيون الساعون للإطاحة بالرئيس اليمني عبدربه منصور هادي المدعوم من الغرب والسعودية تحقيق مكاسب على الأرض منذ أن بدأ التحالف بقيادة السعودية استهدافهم بضربات جوية في صباح الخميس الماضي. لكن المسؤول، الذي رفض نشر اسمه بسبب حساسية الأمر، قال إن الهجمات ستتواصل إلى أن يتمكن اليمن من استئناف عملية الانتقال السياسي المدعومة من الأمم المتحدة والتي توقفت نتيجة سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014.

وأضاف أن قلق دول الخليج العربية من نفوذ الحوثيين في اليمن تزايد في يناير بعدما أظهرت صور للأقمار الصناعية نشر قوات الحوثي صواريخ سكود طويلة المدى في المناطق الشمالية القريبة من الحدود السعودية. وأصبحت الصواريخ التي يتراوح مداها بين 250 كيلومترا و650 كيلومترا موجهة شمالا نحو الأراضي السعودية.

وقال إن الجيش اليمني كان يمتلك نحو 300 صاروخ سكود ويعتقد أن الجزء الأكبر منها تحت سيطرة الحوثيين والوحدات العسكرية المتحالفة معهم والموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح.

وأضاف أن الحملة العسكرية دمرت 21 منها حتى الآن.

وقال المسؤول الدبلوماسي الخليجي إن التحالف لن يقبل بنجاح “انقلاب” الحوثيين ويرغب في أن يستأنف اليمنيون العملية المدعومة من الأمم المتحدة. وأوضح أن الحملة قد تستغرق بين خمسة وستة أشهر لتحقيق أهدافها لكنه أشار إلى وجود مجال للجميع بمن فيهم الحوثيون في تلك العملية الرامية إلى وضع دستور جديد.

وأضاف أن قوات الحوثي تتلقى التدريب والدعم على الأرض من نحو 5000 خبير من إيران وحلفائها الإقليميين وهم جماعة حزب الله في لبنان وجماعات شيعية عراقية. وقال إن الحوثيين يمثلون اليوم حركة “قبلية يمنية على نحو جوهري” ولكنهم قد يصبحون بعد بضع سنوات من التدريب الإيراني قوة ومصدر تهديد خطير.

وأكّد المسؤول إن من المعترف به على نطاق واسع أن هادي يفتقر لقاعدة نفوذ كبيرة.

لكن الدول العربية تدعم هادي كرئيس شرعي لليمن ودوره كشخصية انتقالية تقود عملية الإصلاح المدعومة من الأمم المتحدة والتي تهدف إلى إرساء الاستقرار في اليمن بعد عقود من الحكم المطلق أفضى إلى اضطرابات سياسية.

وأضاف “بعد ما يزيد عن الأربع سنوات من دخول منطقتنا مرحلة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار والتي أطلق عليها البعض الربيع العربي عصفت بأمننا وقوضت استقرارنا وأدخلتنا في حسابات معقدة.”

وتابع “نعاني تراجعا حادا في معدلات التنمية وتأخرا ملحوظا في مستوى تقدمنا وتطورنا”. وأشار إلى القتال في سوريا مشددا على أن حل الأزمة لا بد أن يكون سياسيا.

وفي إشارة إلى تحد أمني آخر يواجه العالم العربي قال الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح “يأتي الإرهاب بأفكاره الهدامة وسلوكه المنحرف وأيديولوجيته المارقة وأفعاله المشينة كأبرز التحديات التي نواجهها”. ووصف تحركات الحوثيين في اليمن بأنها تمت “بشكل بات يهدد أمن المنطقة واستقرارها وسلامة دولها وشعوبها.”

ولم تخرج كلمة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي عن ذات السياق، حيث وصف بدره زعيم الحوثيين بأنه “دمية إيران” في إشارة إلى دعم تقدمه طهران للحوثيين. ودعا هادي في كلمته الشعب اليمني إلى الالتفاف حول الشرعية والنزول إلى الشوارع في مظاهرات سلمية.

وأضاف “نتمنى ألا يلقى اليمن مصير عدد من دول المنطقة التي تعاني شعوبها من ويلات المواجهات المسلحة وأعمال العنف الطائفي”، في إشارة إلى الصراعات التي تشهدها سوريا وليبيا والعراق. وكان قد دعا في تصريحات له مع نظيره المصري، قبل القمة، إلى “تعاون مصر وكافة الدول العربية لتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن وبسط الدولة لسيطرتها على كامل الأراضي اليمنية”، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وتناقش القمة العربية مشروع قرار وافق عليه وزراء الخارجية العرب في اجتماع تحضيري في شرم الشيخ يوم الخميس بإنشاء قوة عسكرية عربية لمواجهة التهديدات الأمنية. وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أول من اقترح تشكيل القوة.

وقال السيسي، في كلمته بعد أن تسلم الرئاسة الدورية للقمة العربية، “ترحب مصر بمشروع القرار الذي اعتمده وزراء الخارجية العرب وتم رفعه إلى القمة العربية بشأن إنشاء قوة عربية مشتركة لتكون أداة لمواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي العربي".

وحول “عاصفة الحزم” أكد الرئيس المصري أن فشل مساعي استئناف الحوار دفع إلى “أن يكون هناك تحرك عربي حازم تشارك فيه مصر من خلال ائتلاف يجمع بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول عربية وأطراف دولية بهدف الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه.”

وإضافة إلى هاجس التطرف السني، فإن القادة العرب ينظرون بعين الريبة إلى توسع النفوذ الإيراني خصوصا بعد تقديم طهران الدعم للحوثيين في اليمن، ويبدو أنهم تجاوزوا خلافاتهم ويتجهون نحو الإعلان عن إنشاء هذه القوة العربية المشتركة.

واتفق كل المشاركين على أهمية إيجاد صيغة للتعاون العربي المشترك، وحماية الأمن القومي العربي من الأخطار التي تتهدّده وعلى رأسها محاولات التمدد الإيراني وبث الفرقة الطائفية بين أبناء الشعب الواحد، على غرار محاولاتها في البحرين. وقد دفعت هذه المساعي بقوات درع الجزيرة في سنة 2011 إلى التدخّل في البحرين.

وانطلاقا من تجربة بلاده، أكد عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة على “أهمية اعتماد هذه القمة مبدأ إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة تكون مهمتها التدخل العسكري السريع ردا على أيّ اعتداء يهدد أمن واستقرار وسلامة أيّ من دولنا العربية".

وفي دعوة تتنزّل في ذات السياق، شدّد الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، على مقترح تشكيل قوة عربية، بقوله إن “قوة عربية عسكرية لمقاتلة الإرهاب، هي أمر مهم لمساعدة أيّ دولة عربية تطلب المساعدة العسكرية”. وخطر إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية الذي يهدد العراق، وتسبب في دخول إيران على الخط، طالت شظاياه تونس، الجارة الحدودية لليبيا، والمعروفة باعتبارها أكثر الدول العربية والإسلامية انفتاحا واعتدلا.

مقعد سوريا المقعد الوحيد الشاغر بين مقاعد الدول العربية، خلال القمة العربية الـ 26، بينما تم رفع العلم السوري ذي النجمتين بجوار المقعد الخالي وبين أعلام الدول المشاركة

وقد دعا الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، في كلمته، إلى تفعيل آليات التنسيق بين الدول العربية لمكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن للجماعات الإرهابية في المنطقة مشروع واحد يستوجب التعبئة العامة لمواجهته.

وكانت يد الإرهاب قد طالت قبل أيام تونس باستهداف متحف باردو، في محاولة لضرب القطاع السياحي، حيث أسفرت هذه العملية عن شهداء تونسيين وأجانب. وأكد السبسي دعم بلاده الكامل للسلطة الشرعية في اليمن والحفاظ على استقراره واستقرار المنطقة، مضيفا أن تونس تريد من كافة الأطراف اليمنية إيجاد تسوية.

وأشار إلى أن ما يحدث في ليبيا مثيرا للانشغال، فتونس بحكم الجوار تؤكد تضامنها الكامل مع ليبيا حفاظا على استقلالها، مطالبا جميع الفصائل الليبية بالحوار لتغليب مصلحة الشعب الليبي وحقن الدماء، ورحب بعودة الأطراف الليبية للحوار برعاية مبعوث الأمم المتحدة.

ولا يبدو غريبا أن تكون “مواجهة الإرهاب” قاسما مشتركا في اهتمام وكلمات القادة العرب خلال القمة الـ26 في وقت تقوم فيه جماعات متشددة بعمليات واسعة في بلدان عربية ومنها “داعش” في العراق وسوريا التي ظهرت بقوة صيف العام الماضي، و”جبهة النصرة” في لبنان، و”الشباب المجاهدين” في الصومال، و”القاعدة” في اليمن وبلاد المغرب العربي.

وإضافة إلى اليمن والتهديدات الإرهابية تحدّث القادة العرب عن الوضع في السودان والصومال والحرب الأهلية في سوريا والتدهور الأمني في ليبيا بالإضافة إلى القضية الفلسطينية، والوضع في العراق وأمر لبنان الذي مازال دون رئيس وسط خلافات سياسية داخلية وتداعيات متصاعدة للأزمة السورية والتدخلات الإيرانية؛ فضلا عن صيانة الأمن القومي العربي ومكافحة الجماعات الإرهابية وحماية أمن الدول العربية، وقد كانت هناك نقاط مشتركة بين كل هذه المواضيع والملفّات، التي التقت كلّها عند ضرورة توسيع آفاق التعاون والتدخّل السيادي العربي، بما يتناسب وكلّ ملف وخصوصية كلّ أزمة.

4