قمة "السلم الأفريقي" تدعو إلى التعبئة في مواجهة تهديد الجهاديين

الجمعة 2014/06/27
الحركات الإسلامية المتطرفة تزيد من أزمات أفريقيا

مالابو- يشكّل موضوع التنظيمات الجهادية المتطرّفة وخطر عودة المقاتلين من سوريا والعراق إلى بلدانهم الأصلية ملف الساعة في مختلف دول العالم. وفي إطار الاهتمام الدولي المنصبّ على هذا الموضوع، خصص الاتحاد الأفريقي قمّته الـ23 لتسليط الضوء على خطر المجموعات الجهادية التي كثفت أنشطتها في القارة.

أعرب رؤساء الدول والوزراء صراحة منذ الأعمال التمهيدية للقمة، التي تنتهي اليوم الجمعة، عن مخاوفهم المتزايدة إزاء انتشار المجموعات الجهادية التي تتبنى عقيدة مستوحاة من تنظيم القاعدة وتقدمها في أفريقيا.

وسواء في شمال أفريقيا أو الساحل أو القرن الأفريقي ومؤخرا في أفريقيا الوسطى، لا يبدو الوضع مطمئنا للأفارقة، حيث تنشط مجموعات إسلامية مسلحة في مناطق كثيرة من القارة.

من أبرز التنظيمات الجهادية في القارة الأفريقية جماعة بوكو كرام النيجيرية التي تضاعف عمليات الخطف والمجازر بحق قرويين والاعتداءات الدامية، كما تجاوز تنفيذ عملياتها نيجيريا إلى الكاميرون المجاورة.

إلى جانب بوكو حرام، يعتبر تنظيم حركة الشباب الصومالي الإسلامية من الخلايا الجهادية التي نشطت في الفترة الأخيرة، وباتت تشكّل تهديدا يمتدّ إلى قلب القارة. وكانت هذه الحركة قد هاجمت، أمس بالتزامن مع انعقاد القمة الأفريقية في مالابو، بغينيا الاستوائية، قاعدة عسكرية للاتحاد الأفريقي في وسط الصومال وكان أفرادها يرتدون بدلات مسروقة للقوات الحكومية، مما أسفر عن مقتل جنديين جيبوتيين كما قالت القوة الأفريقية.

عودة مصر

القمة الأفريقية حذرت من تهديدات جديدة على غرار الإرهاب واللصوصية وكل أنشطة التهريب غير الشرعية

مثّلت عودة مصر إلى الحضن الأفريقي حدث الدورة الـ23 للقمة الأفريقية، وقد عبّر القادة الأفارقة عن أهمية هذه العودة من خلال التصفيق الحاد في الجلسة العامة التي أكد خلالها، الرئيس عبدالفتاح السيسي أن أفريقيا “تواجه خطرا متزايدا يتمثل في التهديدات الأمنية العابرة للحدود مثل الإرهاب”.

وأضاف “نؤكد إدانتنا لكافة أشكال الإرهاب مشددين على أنه لا مجال لتبريره أو التسامح معه”، مشددا على ضرورة التصدي له “بحسم”. وتابع الرئيس المصري أن “الإرهاب أصبح أداة لتمزيق الدول وتدمير الشعوب وتشويه الدين”، معتبرا أن “هذا الخطر المشترك يملي علينا تعزيز التعاون فيما بيننا لمواجهته بحسم حفاظا على أمن وسلامة مواطنينا وجهود التنمية الاقتصادية في دولنا”.


استراتيجية شاملة

أفريقيا بؤرة التنظيمات الجهادية

واشنطن- صنفت أفريقيا، حسب العديد من التقارير الأمنية، على أنها واحدة من أكثر بؤر التوتر في مناطق العالم، مع تغلغل نفوذ التنظيمات الجهادية والمتشددة في عدد كبير منها مستغلة حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تمر بها مالي والصومال ونيجيريا، على غرار بعض دول شمال أفريقيا التي شهدت تغيرات سياسية أدت إلى فوضى أمنية شملت المناطق الحدودية أين استغلها الجهاديون نقطة لتنفيذ عمليات إرهابية.

وكان تقرير أميركي صادر مؤخرا عن معهد "إنتربرايز" التابع لوزارة الدفاع الأميركية، أكد أن الحدود الجزائرية مع ليبيا ومالي، أضحت تعتبر بؤرة إرهابية بامتياز وذلك لكونها معقلا لحركتي “المرابطون” و”الجهاد والتوحيد في غرب أفريقيا”.

وكشف التقرير أن هاتين الحركتين تتخذان من الشريط الحدودي في الدولتين المجاورتين للجزائر منطلقا لعملياتهما الإرهابية ومنطلقا لإحداث اضطرابــات أمنية وزرع حالة من عــدم الاستقرار بالمنطقة.

وأورد التقرير جردا للحركات “الإرهابية” المسلحة وأسمائها ومناطق تموقعها انطلاقا من شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، وصولا إلى سوريا والعراق وأوروبا والتي أصبحت تشكل تهديدا كبيرا للأمن على الساحة الدولية.

وتتخذ حركة “المرابطون”، التي يتزعمها “مختار بلمختار” والمسؤولة عن اعتداء عين أميناس عام 2013 في الجزائر، من جنوب ليبيا في المثلث الحدودي مع الجزائر والنيجر، معقلا لمعسكراتها التدريبية، في ظل الفراغ الأمني الذي تشهده ليبيا منذ أشهر، مع سيطرة حركات أخرى تابعة لها على مراكز حيوية في البلاد، بما فيها معابر حدودية حساسة.

أما تنظيم “أنصار الدين” فيرابط في أجزاء من شمال مالي، فيما ينتشر أفراد “حركة الجهاد والتوحيد” في غرب أفريقيا عبر المثلث الحدودي بين ليبيا والجزائر والنيجر، وهي الحركة المتورطة في اختطاف الدبلوماسيين الجزائريين سنة 2012. وبالنسبة لـ“تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، الذي يقوده عبد “المالك دروكدال”، فينتشر في الجزائر وموريتانيا ومالي وأجزاء من تونس والنيجر.

وتشهد صحراء الجزائر وشريطها الحدودي الممتد من جبل الشعانبي مع تونس والذي لا يزال يتحصن فيه إرهابيون، مرورا بالحدود مع ليبيا والنيجر ومالي ووصولا إلى مخيمات ما يسمى بحركة “البوليساريو” بتندوف، نشاطا لعدد من الحركات الجهادية.

من جهة أخرى صنف التقرير كلا من “حركة بوكوحرام” في نيجيريا، و”طالبان” في أفغانستان، وإمارة القوقاز قرب روسيا، و”حركة الشباب الإسلامية” في الصومال وكينيا و”القاعدة في اليمن” وتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق و الشام” المعروف اختصارا بـ “داعش” في العراق وسوريا، بأنها الحركات “الأكثر خطورة” منذ ابتعادها عن تنظيم القاعدة الرئيسي بعد تفجيرات 11 سبتمبر.

وأبرز التقرير من جهة أخرى وجود “جهاديين” أجانب من مختلف أنحاء العالم، منهم أوروبيون في التنظيمات المسلحة خاصة في سوريا والعراق اللتين تستقطب فيهما التنظيمات المتشددة عددا كبيرا من المقــاتلين من أوروبا.


أعرب مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي عن “قلقه الكبير” إزاء “التهديدات الإرهابية” التي تواجهها القارة. وشدد الرئيس الحالي للاتحاد، رئيس موريتانيا محمد ولد عبدالعزيز، أمام المجلس على “خطورة التهديدات الجديدة المتمثلة في الإرهاب واللصوصية وكل أنشطة التهريب غير الشرعية”، داعيا إلى اعتماد “استراتيجية شاملة للاتحاد”. وتقضي هذه الاستراتيجية، حسب عبدالعزيز، بتعبئة موارد مالية “متناسبة” من قبل الدول وبتنسيق أفضل للآليات الأقليمية.

من جانبه، قال الرئيس التشادي، ادريس ديبي ايتنو، إن “أفريقيا تواجه عدوا من نوع جديد مخيفا أكثر ولا وجه له، وأعني الإرهاب المستشري حاليا في نيجيريا والصومال والذي كاد يفكك مالي”. ولفت ديبي، الذي أرسل قوات إلى مالي واستقبل في نجامينا طائرات دون طيار مكلفة بمطاردة عناصر بوكو حرام في نيجيريا المجاورة، إلى ضرورة أن “تضمن الدول بأنفسها أمنها الفردي والجماعي” ولا تعتمد على الغربيين بشكل كامل.

رأت وزيرة خارجية كينيا أمينة محمد أن “تعلن قمة مالابو التعبئة ضد الإرهاب”. فبالرغم من التدخلات العسكرية الغربية، ولا سيما في مالي، وتعزيز الفرنسيين والأميركيين والبريطانيين وسائل المراقبة والضرب في أفريقيا، فإن الإسلاميين، سواء من حركة الشباب أو قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي أو أنصار الشريعة أو بوكو حرام أو غيرها يضاعفون الهجمات الدامية.


تزايد الهجمات


تقف الحكومات الأفريقية، في ليبيا وكينيا ونيجيريا وسواها فضلا عن الصومال الغارقة في الفوضى، في خط المواجهة الأول، وتبدو عاجزة تماما عن مواجهة تزايد الهجمات. ويثير هذا الانتشار مخاوف بلدان كانت حتى تاريخ قريب تشعر أنها بعيدة عن هذه المشكلة، مثل غينيا الاستوائية، التي تستضيف القمة وقال رئيسها تيودورو أوبيانغ نغيما مؤخرا “سنتطرق جديا إلى مشكلة التطرف الإسلامي خلال القمة”.

وسيطغى هذا الملف الساخن على بقية أزمات القارة مثل الحرب الأهلية وما يواكبها من فظاعات في جنوب السودان وأفريقيا الوسطى حيث لم تنته المجازر بين المسيحيين والمسلمين. وفي هذا البلد يستعد الاتحاد الأفريقي الذي نشر قوة عسكرية يدعمها الجيش الفرنسي، لترك المهمة في سبتمبر المقبل إلى بعثة تابعة للأمم المتحدة.

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي على هامش قمة الاتحاد الافريقي “هذه التهديدات جديدة. في السابق كانت الأزمات الأفريقية مرتبطة بالانقلابات وحركات التمرد التي كان في امكان الجيوش التقليدية معالجتها. لكن الأجهزة الأمنية ليست مهيأة كفاية لمواجهة الإرهاب”. وتابع الدبلوماسي حتى وإن “وضعت الدول منذ 10 سنوات وسائل أكبر لمحاربة الإرهاب”.

والكتائب الأفريقية المشاركة في قوات دولية لتسوية النزاعات تزداد أكثر وأكثر في الصومال مثلا مع قوة اميصوم (22 ألف جندي) التي نجحت في طرد الشباب من العاصمة والمدن الكبرى ما سمح بتشكيل حكومة ضعيفة. لكن في مواجهة حركات تتخطى الحدود يبقى التعاون بين الدول محدودا كما قال دبلوماسي أفريقي.

وأضاف أن “التعاون بين الدول بطيء لانهم ليسوا جميعا على نفس الموجة. بعض الدول لا تدرك بعد أن المسألة الأمنية تعنيها أيضا أو تريد تفادي معاداة الجهاديين لها”.

عبد الفتاح السيسي: الإرهاب أصبح أداة لتمزيق الدول وتدمير الشعوب وتشويه الدين

فقد تعرضت الكاميرون لانتقادات الدول المجاورة لعدم تحركها لمحاربة بوكو حرام على أراضيها قبل أن تقرر نشر وحدات نخبة على المنطقة الحدودية في الشمال.

وباتت نيجيريا تتعاون مع النيجر وتشاد.وهذا هو حال ليبيا بؤرة عمليات مكثفة لتهريب الاسلحة الى المجموعات المسلحة والجهادية في قلب أفريقيا. وقال وزير الخارجية الليبي محمد عبد العزيز إن “الهدف الرئيسي هو الحصول على دعم كل دول الجوار للتعاون في مجال ضمان أمن الحدود”. بينما وصفت وزيرة الخارجية الكينية أمينة محمد ما يجري في أفريقيا بـ”الحرب الشاملة”.

واعتبرت الإرهاب عدوا أعمى، ولا يميز بين الأشخاص وإنما يضرب الجميع"، داعية الى “تعزيز القدرات التي تسمح بتبادل المعلومات الاستخباراتية والتدخل المشترك عندما يتعرض بلد لهجوم”.

لكن قوة التدخل السريع الأفريقية تنتظر منذ سنوات تشكيلها ويتوقع أن ترى النور في 2015 لكن تطبيقها غير منظم خصوصا لأسباب مالية. فهي تقوم على مساهمات طوعية من الدول التي لها إمكانات مالية متفاوتة.

ومن على منبر مجلس السلام والأمن في الاتحاد الأفريقي قال الرئيس الاوغندي يويري موسيفيني إن “بعض الجيوش لا تقوم على الكفاءة بل على اعتبارات مذهبية” وإنه “يجب تحرير الجيوش الوطنية من النزعة القبلية” تحت طائلة الفشل في ارساء السلام.

6