قمة الملك سلمان وبوتين: توافق في ملفات المنطقة ونقلة في التعاون

الجمعة 2017/10/06
قمة الملفات العالقة

موسكو - انتهت الزيارة التاريخية للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لروسيا إلى نتائج نوعية مثلما كان متوقعا، حيث عكست القمة التي جمعت العاهل السعودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين توافقا في الرؤية بشأن أغلب القضايا الإقليمية، وخاصة ما تعلق بحل سياسي للملف السوري الذي ظل طيلة السنوات الماضية مثار اختلاف في التقييم بين الدولتين المؤثرتين فيه.

وعكست التفاهمات والاتفاقيات التي تمت على هامش الزيارة رغبة في إحداث نقلة نوعية في التعاون الثنائي، كان أبرزها وعود استثمارات بمليارات الدولارات وموافقة سعودية على شراء نظام صواريخ إس-400 للدفاع الجوي.

وظهر الموقف السعودي أكثر وضوحا في إثارة القضايا الإقليمية والإشارة إلى الدول المثيرة للأزمات مثل إيران، على عكس الأسلوب القديم للدبلوماسية السعودية الذي كان يتسم بالمواربة وتجنب إثارة الخلاف، وهو ما اعتبرته مصادر دبلوماسية عربية في موسكو تأكيدا على أن السعودية تتغير وتتخلى بسرعة عن الدبلوماسية التقليدية التي حدّت من تأثيرها كقوة مركزية في الشرق الأوسط.

سيرجي ستروكان: نشاهد تحالفا فريدا بين البلدين للعمل على حل الأزمات في المنطقة

وذكرت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء أن الملك سلمان أكد لبوتين أثناء اجتماعهما في الكرملين الخميس أن على إيران الكف عن التدخل في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن أمن واستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط ضرورة ملحة كمقدمة لتحقيق الاستقرار والأمن في اليمن.

وأضاف أن ذلك “يستوجب التزام إيران بالكف عن تدخلاتها في شؤون المنطقة وزعزعة الأمن والاستقرار فيها”.

وفتح الملك سلمان مختلف قضايا المنطقة في لقائه مع بوتين، حيث قال إنه من الضروري إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وحث على “ضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وأن تكون مبادرة السلام العربية المرجعية للوصول إلى سلام شامل وعادل يكفل حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس″.

كما قال إن السعودية ترغب في تأسيس مركز دولي لمكافحة الإرهاب تحت رعاية الأمم المتحدة، لافتا إلى أن “المملكة دعت إلى تأسيس مركز دولي لمكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة”.

لكن الملف الذي تركزت حوله المحادثات وظهر فيه توافق واضح هو الملف السوري، حيث بدا بشكل جلي أن الطرفين توصلا إلى رؤية مشتركة لدفع الحل السياسي، وصياغة ملامح مرحلة ما بعد الحرب دون إثارة للمسائل الخلافية، وخاصة ما تعلق بوضع الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الخميس إن بلاده تعمل بتعاون وثيق مع روسيا لتوحيد المعارضة السورية، مضيفا أن البلدين متفقان على الحاجة للحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومؤسسات الدولة.

وأضاف في إفادة صحافية بعد لقاء القمة بين الملك سلمان وبوتين أن روسيا والسعودية تؤمنان بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وبمبدأ وحدة أراضي الدول.

وظهر هذا التوافق بشكل جلي في كلمة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، حين قال إن العاهل السعودي أبدى تقييما إيجابيا لعملية أستانة بشأن تسوية الصراع السوري.

وأضاف أن روسيا تؤيد خطوات السعودية لتوحيد المعارضة السورية حتى تستطيع المشاركة في محادثات السلام.

ووصف سيرجي ستروكان، الخبير الروسي في شؤون الشرق الأوسط، الزيارة بالتاريخية وبأنها ستكون نقطة انطلاق لعملية إعادة ترتيب الأوراق بشكل يقود المنطقة إلى حافة الأمان، مشيرا إلى أنه بالرغم من أن العلاقات الثنائية قضية جوهرية في هذه الزيارة ولكن هناك أولويات لا تقل أهمية بخصوص تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

وقال ستروكان في تصريح لـ”العرب” إننا “نشاهد تحالفا فريدا من نوعه بين البلدين للعمل على حلّ الأزمات في المنطقة في وقت واحد ودون أي تراجع″.

تاريخ العلاقات الثنائية
أزمة حرب اليمن التي انتهت عام 1970 وأفضت إلى تولي النظام الجمهوري الحكم

الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 ودعم السعودية للمجاهدين الأفغان

غزو العراق للكويت عام 1990 وإنشاء قواعد عسكرية أميركية في منطقة الخليج

الحرب الأهلية في سوريا عام 2011

نقاط الاتفاق

◄ رؤى مشتركة للسلام بين العرب وإسرائيل

الوحدة الترابية للعراق وسوريا

تقويض مشروع الإسلام السياسي

خفض إنتاج النفط لدعم الأسعار

نقاط الاختلاف

◄ مصير الرئيس السوري بشار الأسد

دور إيران وميليشياتها في المنطقة

مصير حرب اليمن ونتائجها

وأضاف “رغم اختلاف وجهات النظر حول بعض النقاط في الأزمة السورية، إلا أن هناك قناعة مشتركة على ضرورة إيجاد حل سياسي يستوعب كل اللاعبين السوريين في مرحلة انتقالية، انطلاقا من تفاهمات مشتركة بين روسيا والسعودية وترك نقاط الخلاف ليتم التعامل معها تدريجيا، وذلك تأسيسا على قناعة أن انطلاق مسيرة الحل تعني في نهاية المطاف تذليل كل نقاط الاختلاف”.

وعبر ستروكان عن اعتقاده بأن موسكو تخلق توازنا يمكن من خلاله أن تستوعب وتمتصّ التمدّد الإيراني في المنطقة من جهة، والانفتاح على السعودية من جهة ثانية.

وقال مراقبون إنه، ورغم أن روسيا تتجنب إثارة الدور الإيراني في الملف السوري بشكل علني، إلا أن التصريحات القوية للعاهل السعودي ضد هذا الدور تنم عن وجود تفهم روسي واضح لمخاوف الرياض.

وتعترف مصادر دبلوماسية روسية بأن التحالف مع طهران لا يزال أساسيا بالنسبة إلى موسكو، وخصوصا في المسألة السورية، بيد أن التقدم السعودي تجاه روسيا، إذا ما ارتقى إلى مستويات أمنية وسياسية واقتصادية مرتفعة، سيزود الطرف الروسي بمفاعيل جديدة لمواجهة الأجندة الإيرانية في المنطقة.

وقالت المصادر إن ابتعاد موسكو عن الخيارات الإيرانية في اليمن يمثل تفهما روسيا لمخاوف السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، ومقدمة لتطوير السياسة الروسية وفقا لما تسمح به نوعية العلاقة الجديدة التي ستبنى بين روسيا والسعودية.

وكتبت وكالة بلومبرغ الأميركية أن الهدف الأساسي من زيارة العاهل السعودي هو “كبح” نفوذ إيران، التي تعد حليفا وثيقا لروسيا وعدوا لدودا لمعظم دول الخليج.

وحتى الأمس القريب ذهب كل هؤلاء القادة “لحل مشاكلهم حصرا في واشنطن”، ولكن النفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط ضعف الآن إلى حد كبير، فيما حققت روسيا الكثير من التقدم، على حد تعبير بلومبرغ.

ولفت متابعون للزيارة إلى أن ثمة ما يجعل روسيا تنظر بجدية كبيرة لمطالب العاهل السعودي، وذلك على قاعدة المصالح المتبادلة التي يتم اعتمادها كقاعدة تعامل بين الدول، مشيرين إلى أن روسيا تحتاج إلى دور استثماري سعودي واسع لإخراج اقتصادها من حالة الركود التي سيطرت عليه نتيجة تراجع أسعار النفط، وأن هذا سر الحفاوة البالغة من بوتين بالملك سلمان.

وأعرب الرئيس الروسي عن أمله في إعطاء “دفع جديد” للعلاقات مع السعودية عند استقباله الملك سلمان. وقال “إنها الزيارة الأولى لعاهل سعودي، وهي في حد ذاتها حدث يحمل رمزية كبيرة”.

وأضاف بوتين “أنا مقتنع بأن هذه الزيارة ستعطي دفعا جيدا لتطوير العلاقات” بين موسكو والرياض.

كما أعلن أنه سيلبي دعوة العاهل السعودي لزيارة المملكة.

ووقعت السعودية الخميس اتفاقا أوليا مع روسيا لشراء أنظمة صواريخ روسية مضادة للطيران من طراز إس-400، إضافة إلى تصنيعها في المملكة.

وبموجب الاتفاق تشتري الرياض صواريخ من نوع إس-400، وأنظمة مضادة للدروع من نوع “كورنت-إي إم”، وقاذفات صاروخية من نوع “توس-1 إي” وقاذفات قنابل يدوية “إي جي إس-30″، ورشاشات كلاشنيكوف من نوع “إي كي-103″، بحسب ما جاء في بيان صادر عن الشركة السعودية للصناعات العسكرية.

ويتيح الاتفاق للطرفين التعاون لإقامة مشروع لتصنيع نظام الدفاع المضاد للطيران إس-400 وصيانة قطعه في المملكة، مشيرا إلى “نقل تكنولوجيا” بالنسبة إلى معدات عسكرية أخرى.

ويركز بروتوكول الاتفاق على “تصنيع أنظمة تسليح متقدمة في السعودية”، كما “يتضمن أيضا نقل تكنولوجيا” بالنسبة إلى “كورنت-إي إم” و”توس-1 إي” و”إي جي إس-30″، وإقامة “برامج تدريب” للسعوديين.

للمزيد:

العلاقات الاقتصادية السعودية الروسية تنتقل إلى عهد جديد

1