قمة "الناتو" ولعبة أردوغان

أردوغان اختار الانغلاق على أوهامه وتمسك بالحلم القومي، وظن أن السلاح الروسي أو الأميركي يمكن أن يعوضه عن السياسة، وظلت خياراته الفاشلة تتناسل، حتى أوصل بلاده إلى حال الذراع التي نذرت نفسها لخدمة من يمده بالسلاح.
الجمعة 2019/12/06
خيارات فاشلة

ما إن كادت قمة “الناتو” في الذكرى السبعين لتأسيسه أن تبدأ؛ حتى وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في موضع الدفاع عن نفسه، بينما تسيطر على ذهنه، فكرة دفاع آخر عن نفسه في الكونغرس، بعد أن صدر في واشنطن التقرير الخاص بعملية عزل ترامب، بسبب علاقته بالقيادة الروسية وسوء استخدامه للسلطة بهذا الخصوص. فربما استشعر الرئيس الأميركي أن الحلقة تضيق عليه من الداخل والخارج عندما انفتحت الثغرة الأولى لكاميرات التلفزة ولواقط الصوت، في قصر باكنغهام الذي جرى فيه اجتماع بروتوكولي للقادة المشاركين، فساعدت على رصد ما يجري في قاعة الاجتماعات المغلقة دونها. فالاجتماعات نفسها تجري في منتجع لندني للعبة الغولف. وفي الثواني التي اقتنصتها الكاميرات، كان أربعة من القادة الأوروبيين يسخرون من رئيس الولايات المتحدة، فيما بدا أنها سخرية موصولة بمواقفهم من سياسات الرجل وخياراته وطبائعه، ومن بينها الإفاضة في الكلام على عواهنه.

لم يكن خافياً على وسائل الإعلام والمراقبين والمحللين، أن قمة “الناتو” ستكون حادة وعصيبة، بحكم تعدّد القضايا الخلافية، ومن أهمها التهديدات الإستراتيجية التي تتحسسها الدول المشاركة، والخلافات حول الإنفاق، وكذلك حول خيارات تركيا ومواقفها، لاسيما خياري التسلح الإستراتيجي من روسيا، وتوغلها في سوريا بخلاف ما يرغب حلفاؤها. فهي إحدى دول هذا التحالف العسكري الذي يضم 29 بلدا.

خلافات الأوروبيين مع إدارة ترامب، تصاعدت إلى ذرى غير مسبوقة في تاريخ الحلف الذي تأسس في العام 1949. فبعد سبعة عقود من التأسيس، أصبحت أميركا، الدولة الأساس في تشكيل الحلف، ترى بلسان رئيسها أن هذا الحلف لم يعد ذا جدوى، وأن دماغه الإستراتيجي شبع موتاً. وفي هذه الأجواء، تصاعد الخلاف الأميركي – الفرنسي، الذي دلّت عليه تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتغريدات دونالد ترامب على تويتر. الأول يقول “إنه عبء نتقاسمه، ولا يمكننا أن ندفع الأموال ونتكلّف أثمان الدفاع عن بلداننا وجنودنا، دون أن نكون واضحين بخصوص أساسيات ما يجب أن يكون عليه الحلف”. أما الثاني فقد ظل يراوح في مربع الاستهانة بالحلف والسخرية منه، حتى صدمته سخرية قادة دول رئيسة في العالم، في الشريط الذي بثته وكالة CBC لحديث شارك فيه الرئيس الفرنسي ماكرون، ورئيسي الوزراء البريطاني والكندي، بوريس جونسون وجوستين ترودو.

لقد بدت اللقطة القصيرة، نوعاً من السخرية المريرة في خضم توترات عميقة، تتهدد القمة بالانهيار. وللمرة الأولى تنعكس في القمة حقيقة عدم التجانس بين دول الحلف وتركيا، على الرغم من تمسك أنقرة بالامتيازات التي تتحصل عليها من العضوية في “الناتو”. غير أن الأوروبيين يشعرون اليوم، بأن عضوين في الحلف يمارسان سياسات ابتزازية، تصدرت فرنسا مواجهتها بصراحة حادة، فنشأ السجال بينها وبين الإدارتين في تركيا والولايات المتحدة. فالفرنسيون هم أقرب الأوروبيين إلى الأكراد، ويحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مقايضة الأوروبيين شيئاً بشيء. هو يمتنع عن استخدام الفيتو ضد مشروع قرار يحمل خطة أمنية أوروبية، لحماية دول البلطيق وبولندا مما يسمّونه الخطر الروسي، مقابل أن يتبنّى سائر أعضاء “الناتو” قراراً يعتبر “وحدات حماية الشعب” الكردية في سوريا، منظمة إرهابية. والأوروبيون لا يرون هذه المنظمة مثلما يراها أردوغان. فهي حليفة لهم في محاربة الإرهاب الداعشي النافر والمؤكد.

وكان لهذه المقايضة تداعياتها، إذ علا صوت السجال بين باريس وأنقرة، وتبادل قادة البلدين الاتهامات، عندما انتقد الرئيس الفرنسي ماكرون العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا، ورد عليه وزير الخارجية التركي بأن تصريحاته تشير إلى دعم فرنسا للإرهاب. ثم انتقد ماكرون وفنّد خيار أردوغان، شراء تركيا منظومة صواريخ روسية من طراز أس- 400، قائلاً إن دولاً أوروبية عرضت عليه شراء منظومات دفاع جوي، بديلاً عن منظومات باتريوت الأميركية التي رفضت واشنطن بيعها له. واستقر أردوغان في موضوع التسلّح الإستراتيجي على خيار مخالف لما يريده أعضاء “الناتو”، علماً بأن منظومات الدفاع الجوي عالية التطور، لا تعكس أي واقع عسكري يتهدد تركيا من أي طرف في إقليمها وجوارها. فقد بدا أردوغان كمن يسابق نفسه لبناء إمبراطورية مدججة بالسلاح الذي يخصم من مقدرات الشعب التركي، دون أن تلوح في الأفق، أي صراعات ستكون تركيا طرفاً فيها.

ولعل من بين مفارقات قمة “الناتو” أن الروس حاضرون بقوة في شواغل معظم الأوروبيين، وأن فرنسا التي دخلت في سجال مع نظام أردوغان، ظلت شريكته في الدعوة إلى إخراج روسيا من دائرة خصوم الناتو. بل إن الروس نجحوا في سحب أردوغان بالتدريج من موضع العداء الشديد للنظام السوري، ومن المتوقّع أن يتمكنوا من تطوير هذه الوجهة، والاستفادة من انتهازية أردوغان، وصولاً إلى تحالف أردوغان مع بشار الأسد. ولن يكون مثل هذا التحول، على ما فيه من الإدهاش، أكبر من صرف أردوغان النظر، عن طائرة أف-35 الأميركية التي يتمناها وامتنعت عليه، والزهو بالسوخوي الروسية المتطورة والمتاحة. فهو يستعيض عن تاجر سلاح بتاجر سلاح آخر، بأكلاف باهظة، دون أن يعرف التاجران، أيّ حرب يريدها وفي أي وجهة!

واللافت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يتابع مجريات اللعبة برضا وسعادة، دون أن يخسر شيئاً. فالخلافات الحادة بين أعضاء “الناتو” غيوم سيكون خراجها له، بينما ترامب يتخبّط كالعادة. الأول يستمر في محاولته إحباط الحلف أو تفكيكه، بينما الثاني يستخدم أردوغان للضغط على الأوروبيين الذين يتمسكون به. يريدهم أن يقرروا أن المنظمة الكردية إرهابية، دون أن يرى أي بلد في العالم أنها إرهابية، ما خلا النظامين التركي والسوري، بل إن نظام دمشق يرى ما يراه نظام أنقرة، لأسباب ظرفية يمكن لموسكو أن تحتويها في حال انتهاء منافعها في نظر بوتين. فالأخير مستفيد طالما أن أردوغان يتبنّى موقفاً في الحلف، لا مصلحة له ولا لبلاده فيه.

فليس شيئاً يؤذي تركيا من خطة أوروبية لحماية البلقان من خطر روسي محتمل، أو لحمايته من إمكانية تعرّضه للخطر. وهذا الذي يجعل الفرنسيين يرون في عضوية تركيا لغماً روسياً داخل الحلف. وفي السنوات أو الشهور الأخيرة، دخل أردوغان في عملية تصفية للسياسة التركية التي صاغها في أواخر التسعينات وزير خارجيته أحمد داوود أوغلو، وقوامها تصفير المشكلات مع الجوار، وإنهاء مشكلة الصراع مع الأكراد من خلال دفع حزب العدالة والتنمية في اتجاه حل سلمي لها.

وبالفعل جرت مفاوضات بين الطرفين واتخذت خطوات حُسن نوايا، لكن أردوغان اختار الانغلاق على أوهامه، وتمسك بالحلم القومي، وظن أن السلاح الروسي أو الأميركي يمكن أن يعوّضه عن السياسة، وظلت خياراته الفاشلة تتناسل، حتى أوصل نفسه وبلاده إلى حال الذراع التي نذرت نفسها لخدمة من يمده بالسلاح.

8