قمة ترامب وكيم جونغ أون: هل تكرر واشنطن مع بيونغ يانغ صفقة أوباما مع الإيرانيين

المفاوضات المباشرة مع كوريا الشمالية تعد أكبر رهان في السياسة الخارجية الأميركية في المرحلة  الراهنة.
الأحد 2018/03/11
هل تتحقق الانفراجة النسبية بين البلدين

في إعلان مفاجئ، وافق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دعوة زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، لإجراء لقاء بينهما وجها لوجه بحلول نهاية مايو المقبل، بعد حرب كلامية طويلة بين الرئيسين وتهديدات متبادلة بحرب نووية مدمرة.

ويذكّر الحديث عن القمة، بصفقة الاتفاق النووي التي عقدها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ومجموعة خمسة زائد واحد، مع إيران، وسط تساؤلات إن كان ترامب يفكر في السير على خطى سلفه وأن يدخل التاريخ من خلال توقيع صفقة مع كيم جونغ أون.

ستكون القمة، إذا عقدت بالفعل، الأولى من نوعها التاريخية بعد سبعة عقود من العداء بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية اللتين ما تزالان في حالة حرب منذ انتهاء الحرب الكورية، التي دارت بين عامي 1950 و1953، وانتهت بهدنة وليست معاهدة سلام بين الدولتين.

ورغم التاريخ المتوتر، لم تصل العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ، إلى مرحلة أقلقت كل العالم، مثلما حصل في الأشهر الماضية، على خلفية الحرب الكلامية بين ترامب وكيم جونغ أون.

وهدد ترامب كوريا الشمالية بـ”النيران والغضب اللذين لم يشهد العالم مثيلا لهما في التاريخ”، إذا استمرت التهديدات ضد الولايات المتحدة وحلفاؤها. ورد كيم جونغ ساخرا بالإشارة إلى ترامب على أنه “رجل صاروخ صغير”، ووصفه بـ”الخرف كبير السن”.

ويمكن تفسير “الانفراجة” النسبية في العلاقات بين واشنطن وبيونغ يانغ، بدور الوساطة المحوري المهم الذي قامت به كوريا الجنوبية لعقد القمة، فقد جاء الإعلان عنها بعدما أطلع رئيس مكتب الأمن القومي في كوريا الجنوبية تشونغ يوي- يونغ ترامب على نتائج لقائه التاريخي مع الرئيس الكوري الشمالي. وتم خلاله الاتفاق على عقد قمة بين الرئيس الكوري الجنوبي مون غاي ونظيره الكوري الشمالي في نهاية شهر أبريل القادم، وهي القمة الأولى من نوعها منذ عام 2007.

وتعهّد زعيم كوريا الشمالية “بنزع (ليس تجميد) السلاح النووي” وتعليق التجارب الصاروخية، طوال فترة المفاوضات، وهو ما ينطوي على رغبة في تطوير العلاقات بين الكوريتين واستمرار نهج ذوبان الثلوج بين سول وبيونغ يانغ.

وكانت دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الأخيرة في كوريا الجنوبية، شهدت مشاركة الكوريتين تحت علم واحد، وحضورا لافتا من شقيقة الزعيم الكوري الشمالي في حفل الافتتاح، وهي الشخصية الأولى من العائلة الحاكمة في بيونغ يانغ التي زارت الشطر الجنوبي، منذ انتهاء الحرب الكورية عام 1953.

واعتبر مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، في تغريدة نشرها على حسابه في تويتر، أن رغبة كوريا الشمالية في اللقاء لمناقشة مسألة نزع السلاح النووي مع تجميد كل الاختبارات الباليستية والنووية، “خير دليل على فعالية الاستراتيجية الهادفة إلى عزل نظام كيم، التي اتبعها الرئيس ترامب”.

Thumbnail

واللافت أن واشنطن تتعامل مع المسألة على أن كوريا الشمالية هي التي تقدم تنازلات، وأنها ستجلس حول طاولة المفاوضات دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى تقديم تنازلات من أي نوع، وسياستها ستبقى ممارسة القدر الأكبر من الضغط حتى تتخذ بيونغ يانغ خطوات معينة ودائمة وموثوقة للتخلص من برنامجها النووي.

ويرجع عقد القمة أيضا إلى رغبة الرئيس الكوري كيم في الحصول على الاعتراف ببلاده كشريك للدولة العظمى الأولى في العالم، وقد تفتح القمة الباب لإمكانية تخفيف العزلة الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية على بيونغ يانغ، بل وحصولها على ضمانات أمنية ومساعدات اقتصادية، ليس فقط من واشنطن، وإنما كذلك من حلفائها في المنطقة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية.

ورغم أن قمة ترامب – كيم تبدو خطوة مهمة لتخفيف القلق العالمي من كابوس الحرب النووية في شبه الجزيرة الكورية، إلا أن احتمالات النجاح محدودة للغاية في ضوء الهوة الواسعة في مواقف الدولتين وفي سياسات الرئيسين ترامب وكيم جونغ أون.

وفي أول تعليق له على لقاء القمة المرتقب مع زعيم كوريا الشمالية، أكد ترامب أن العقوبات لن ترفع عن بيونغ يانغ حتى التوصل إلى اتفاق نهائي بين الطرفين بشأن التخلي عن برامجها النووية والصاروخية. وكان ترامب سخر من وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في أكتوبر الماضي، ولن يقوم “بتضييع وقته” في محاولة التفاوض والحوار مع كوريا الشمالية.

ويشعر عدد من مساعدي ترامب بوجوب الحذر الشديد من المبادرات الدبلوماسية لكوريا الشمالية، بسبب تاريخها في نقض الالتزامات الدولية وفشل الجهود التي بذلتها الإدارات السابقة في إقناعها بنزع أسلحتها النووية.

وتسعى بيونغ يانغ إلى كسب الوقت لاستكمال مساعيها الرامية إلى امتلاك قدرات نووية وصاروخية تمكنها من شن هجوم نووي على الأراضي الأميركية، وتفويت الفرصة على عدم تمكينها من ذلك.

وتتفق مع هذه الرؤية دوائر أمنية وسياسية واسعة في طوكيو، أقرب حلفاء واشنطن في منطقة شرق آسيا، وأشارت افتتاحية جريدة “يوميوري” اليابانية في 8 مارس إلى ضرورة الحذر من “دبلوماسية توزيع الابتسامات“، التي تمارسها كوريا الشمالية مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وطالبت الدولتان بالحفاظ على أقصى ضغط ممكن على بيونغ يانغ لنزع سلاحها النووي. وفي ضوء هذه المعطيات، ليس من المتوقع أن يصل العالم إلى حل للأزمة النووية الكورية، إلا بعد قطع رحلة طويلة وشاقة، فالرئيس ترامب يواجه على الأرجح موقفا مشابها للمواقف التي واجهتها إدارات الرؤساء الأميركيين السابقين بيل كلينتون وجورج بوش (الأب) وباراك أوباما.

ومتوقع أن تجد إدارة ترامب نفسها مضطرة لتقديم بعض التنازلات والتي لم تكن مقبولة في الماضي، منها الاستجابة لمطالب كوريا الشمالية المتكررة بأن تسحب الولايات المتحدة قواتها من شبه الجزيرة الكورية.

لذلك وصف الكثير من المسؤولين في الدوائر العسكرية والأمنية الأميركية المفاوضات المباشرة مع كوريا الشمالية بأنها أكبر رهان في السياسة الخارجية الأميركية منذ قدوم ترامب إلى السلطة، ولديها قناعة بأن اتباع المنهج المتشدد في التعامل مع بيونغ يانغ هو الأمثل في التعامل مع التهديد النووي الكوري الشمالي.

ربما تفتح القمة المرتقبة مع زعيم كوريا الشمالية الباب أمام مفاوضات طويلة ومعقدة بشأن أسلحتها النووية مقابل حصولها على ضمانات أمنية ومساعدات اقتصادية، على غرار ما جرى في المفاوضات السداسية التي جرت في الفترة من 2003 إلى 2009. وإذا فشلت، فذلك سيؤدي إلى تدهور كبير في الوضع الأمني والاستراتيجي في شبه الجزيرة الكورية، ما يضع العالم على حافة الهاوية.

6