قمة فيتنام.. عودة إلى الحوار الأميركي الروسي

عكست تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في أعقاب قمة آبيك بمدينة دانانغ في فيتنام، عودة لمسار التهدئة بين الطرفين، رغم ما شهدته العلاقات الأميركية الروسية من حالة توتر منذ انتخاب الرئيس الأميركي في يناير 2017، وذلك لاتهام موسكو بالتدخل في الانتخابات الأميركية، ما قاد ترامب إلى بلوغ سدة رئاسة البيت الأبيض، غير أن الملفات الشائكة وأبرزها الملف السوري ومستقبل المنطقة بعد داعش فرضت على الطرفين العودة إلى طاولة الحوار.
الاثنين 2017/11/13
الحفاظ على المصالح يتطلب توافقا مع الجانب الروسي

كشف عدم عقد قمة رسمية بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين والاكتفاء ببيان مشترك، عقب قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ آبيك بمدينة دانانغ في فيتنام، استمرار توتر العلاقات بين موسكو وواشنطن منذ مجيء ترامب إلى السلطة في يناير الماضي، رغم أنه أكد أكثر من مرة على أنه يتبادل ونظيره الروسي “مشاعر دافئة”.

والواضح أن فتور العلاقات بين الطرفين مرده مأزق ترامب الداخلي الذي نتجت عنه تحقيقات أميركية جارية بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح المرشح الجمهوري، الرئيس ترامب، والتي كان لها تأثيرها على كيفية تعامل الإدارة الحالية مع موسكو.

ويبدو الرئيس الأميركي متحفظا على التوصل إلى اتفاقات علنية مهمة مع روسيا خشية أن يسبب له ذلك مشاكل إضافية في بلاده، لأن مثل هذه الاتفاقات سوف توفر لمعارضيه فرصة اتهامه بأنه يتصرف وفقا لتعليمات الرئيس بوتين.

وبرز توتر العلاقات بين موسكو وواشنطن منذ أن التقى بوتين وترامب للمرة الأولى خلال قمة لمجموعة العشرين في هامبورغ في يوليو الماضي حين تطرق النقاش إلى ما أثير حول تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية.

كما تصاعد التوتر في العلاقات بين البلدين مؤخرا بسبب الاختلافات العميقة بين موسكو وواشنطن بشأن التعامل مع الملف النووي الإيراني، وملف كوريا الشمالية فضلا عن الخلاف بشأن كيفية إدارة الملفين السوري والأوكراني.

وزادت حدة الخلاف بعدما وافق الكونغرس، في خطوة نادرة مشتركة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في أغسطس الماضي، على قانون جديد ينص على تشديد العقوبات ضد روسيا.

تعقيدات الملف السوري

رغم زيادة التوتر المعلن بين الدولتين، ما أدى إلى عدم عقد قمة روسية أميركية في فيتنام، أصدر الرئيس الروسي ونظيره الأميركي بيانا مشتركا السبت بشأن سوريا، أكدا فيه على أن الدولتين سوف تواصلان العمل سويا لمحاربة داعش حتى تدميره بالكامل.

وشدد الزعيمان أيضا على عدم وجود حل عسكري للأزمة السورية، وأكدا الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها، وحث البيان كل أطراف الصراع السوري على المشاركة بفاعلية في عملية السلام بجنيف، وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

وأشارا إلى أن التسوية السياسية النهائية في سوريا يجب أن توجد في إطار اتفاق جنيف، بما في ذلك الإصلاح الدستوري وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت مراقبة الأمم المتحدة.

وأضاف البيان الروسي الأميركي بشأن سوريا، أن الرئيسين بوتين وترامب دعيا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى زيادة مساهمتها في مساعدة سوريا في الأشهر المقبلة، وضرورة فتح قنوات اتصال لتفادي التصعيد في الشرق الأوسط، واتفقا على استمرار مراقبة وقف إطلاق النار في سوريا، بمركز الرصد في عمان، بمشاركة خبراء من الأردن وروسيا والولايات المتحدة.

حضور استراتيجي لاستئناف الحوار

وجاء البيان المشترك بعد تطورين ميدانيين مهمين في سوريا. الأول، نجاح العمليات العسكرية للجيش السوري وتحالف من جماعات مسلحة عربية وكردية خلال الأشهر القليلة الماضية، في طرد تنظيم الدولة من معاقله الرئيسية في سوريا، ما دفع تحالف قوات سوريا الديمقراطية، المدعوم من الولايات المتحدة، إلى الإعلان في الشهر الماضي عن السيطرة الكاملة على مدينة الرقة، والتي أعلنها التنظيم في السابق عاصمة لما سماه “الخلافة” في عام 2014.

ويتمثل التطور الميداني الثاني في سلسلة ضربات وتحركات عسكرية أمر بها الرئيس ترامب، منذ مجيئه إلى السلطة، مثل غارة التوماهوك على مطار الشعيرات في سوريا، وضرب زورق إيراني قبالة سواحل اليمن، ورمي “أم القنابل” في أفغانستان لأول مرة في تاريخ الجيش الأميركي، وتحريك حاملات طائرات قبالة سواحل كوريا الشمالية.

وكان ذلك مؤشرا على استمرار التصعيد من قبل واشنطن، حيث شهد الميدان السوري ضرب ميليشيات موالية لنظام دمشق بالقرب من التنف، وإسقاط مقاتلة حربية روسية وطائرتين إيرانيتين من دون طيار، في سابقة واضحة غيرت طبيعة التدخل الأميركي في سوريا من مقاتلة داعش حصرا إلى مقاتلته ومواجهة إيران والأسد عسكريا.

والحقيقة أن قواعد الاشتباك التي غيرتها واشنطن، تفاعلت معها إيران، وغيرت هي الأخرى قواعد الاشتباك من جهتها.

في هذا السياق، جاء إطلاق الحرس الثوري صواريخ أرض- أرض للمرة الأولى منذ ثلاثين عاما من قواعده غرب إيران على ما وصفه بأنه مقر قيادة تنظيم داعش في دير الزور شرق سوريا.

وعبّر أمين عام حزب الله حسن نصرالله في لبنان عن استعداده لفتح الجبهات أمام مئات الآلاف من المقاتلين الأجانب في سوريا ولبنان، لمقاتلة إسرائيل.

ومن جهته عبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في نهاية شهر أكتوبر الماضي، عن قلقه إزاء السياسة التي تنوي الولايات المتحدة اعتمادها في سوريا في مرحلة ما بعد تحرير الرقة، واتهم القوات الأميركية بممارسات كانت ترمي إلى عرقلة تقدم قوات النظام السوري في دير الزور.

واتهم لافروف الولايات المتحدة بـ”أمور غريبة لاحظتها موسكو بمناطق سيطرة التحالف الدولي في سوريا بقيادة واشنطن”، وقال إن” مقاتلي داعش تمكنوا من العبور من تلك المناطق نحو دير الزور للتصدي لقوات النظام السوري”.

وما يستدعي قلق موسكو هو أن واشنطن تدفع بسرعة نحو ظهور واقع جديد في سوريا، ممثلا بمناطق خارج سيطرة النظام وخارج تأثير الضامنين؛ التركي والإيراني، ما يهدد بفشل جهود التسوية السياسية، من خلال خلق بؤرة معارضة جديدة متشددة في طرحها السياسي للحوار مع النظام، مما يعني عودة التعقيدات من جديد إلى جهود التسوية.

كما يفسر عدم عقد قمة روسية أميركية بتباعد وجهات النظر بين موسكو وواشنطن، حول مستقبل الوضع السوري في مرحلة ما بعد داعش.

لم تتوصل إدارة ترامب بعد إلى صفقة مع موسكو حول مسألتين، الأولى هي تمديد اتفاق منع الصدام شرق سوريا مع الجيش الروسي وحلفائه في الأجواء والأراضي السورية، وتعزيز اتفاق خفض التصعيد خصوصاً ما يتعلق باتفاق جنوب غربي سوريا.

قلق موسكو من دفع واشنطن إلى واقع جديد في سوريا، ممثلا بمناطق خارج سيطرة النظام السوري وحلفائه

ونص اتفاق منع الصدام، والذي أُنجز في عمان في منتصف العام الجاري، على سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي يدعمها التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، على مناطق شرق نهر الفرات، مقابل سيطرة قوات النظام السوري وحلفائه على غرب النهر باستثناءات قليلة، تضمنت توغل الطرف الأول إلى الضفة الأخرى للوصول إلى مدينة الطبقة، وتوغُّل الطرف الثاني للوصول إلى الميادين والبوكمال.

وتتخوف واشنطن من عدم احترام الاتفاق في ضوء تصريحات إيرانية ومن مسؤولين في دمشق حول مساع للتقدم إلى مدينة الرقة التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية، فضلا عن أن الجانب الروسي بدأ يتحدث عن وجود غير شرعي للقوات الأميركية في سوريا، إضافة إلى رغبة في توسيع هامش التنسيق بين الجيشين.

أما المسألة الثانية فتتعلق باتفاق خفض التصعيد خصوصاً ما يتعلق باتفاق جنوب غربي سوريا، والذي أُنجز برعاية ثلاثية “أميركية – روسية – أردنية” وتضمن ابتعاد “القوات غير السورية”، في إشارة إلى حركة النجباء التي تدعمها إيران وحزب الله، عن حدود الأردن وخط فك الاشتباك في الجولان المحتل.

وتعتقد واشنطن أن روسيا لم تعمل جديا، حتى الآن، للضغط على إيران لتنفيذ بنود هذا الاتفاق، خاصة وأنه لم يظهر أي تغير ملموس على الأرض بعد زيارة الرئيس بوتين الأخيرة لطهران في بداية شهر نوفمبر الجاري.

وهذا ما يشير إلى أن طهران إما غير راغبة وإما غير قادرة على إبعاد الميليشيات التابعة لها عن حدود الأردن والجولان. وكانت إسرائيل نقلت إلى موسكو أكثر من مرة رسائل تحذير من أنهم سيتصرفون إذا لم ينفّذ الروس بنود الاتفاق.

استئناف الحوار

تتركز أهمية البيان المشترك بين موسكو وواشنطن في قمة آبيك بفيتنام على أنه إشارة إلى استئناف الحوار بين الولايات المتحدة وروسيا بعد فترة طويلة من تدهور العلاقات وتوترها الشديد إلى درجة الوصول إلى نقطة الخطر.

ويعتبر اللقاء ذا طبيعة استراتيجية من الطراز الأول، ويعود بنا إلى توجهات ترامب التي أعلنها تجاه روسيا خلال حملته الانتخابية، والتي تذهب إلى أن صفقة يمكن عقدها بين واشنطن وموسكو تحقق مصالح الطرفين، وتجعل العالم مختلفا عما كان عليه.

وتوحي مخرجات البيان المشترك باتفاق على تهدئة الأوضاع في سوريا، ما عدا تلك المتعلقة بالقتال ضد داعش.

والصورة النهائية فيما يتعلق بسوريا تبدو أنها تتلخص في تسليم ترامب بالمطالب الروسية وأبرزها الاعتراف بشرعية حكم بشار الأسد، في المقابل على الجانب الروسي عدم تعريض أمن إسرائيل للخطر، من خلال الحصول على تطمينات بعدم وجود القوات الروسية في موقع التماس مع الحدود الإسرائيلية، وعدم وجود القوات الإيرانية، وقوات حزب الله المتحالفة معها، على الحدود نفسها.

ما نشر عقب اللقاء الأخير القصير بين ترامب وبوتين في فيتنام لا يعطي الكثير من المعلومات، لكن هناك ما يمكن تأكيده، وهو أن استراتيجية ترامب القائمة على محاولة “الوفاق” مع روسيا تبدو مستمرة، ولا يعوقها إلا معارضة الكونغرس لعلاقات ودودة مع روسيا.

وما يهم الشأن العربي في كل الأحوال هو مدى تأثير الوفاق الروسي الأميركي الجديد، في ظل زعامة ترامب وبوتين، على المنطقة العربية، حيث تتشابك القضايا في العراق وسوريا ولبنان وإيران، وتؤثر على منطقة الخليج والأردن وإسرائيل ومصر.

كل ذلك لا يجعل من وقف إطلاق النار والتهدئة في سوريا نهاية للأزمة الكبرى التي ألمت بالمنطقة وشغلتها خلال السنوات الست الماضية؛ بل على العكس ربما تكون بداية لأزمات أخرى أكثر حدة. المهم أن يكون الجانب العربي للأحداث مستعدا.

خبير في الشؤون الآسيوية

6