قمة كامب ديفيد.. قادة الخليج يفاوضون من موقع قوة

نادرا ما حصل في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية أن ارتكب رئيس أميركي خطأ جوهريا في قضيّة تتعلق بمنطقة حيوية في العالم، تكون عواقبها وخيمة. لكن يبدو أنّ تركة الرئيس باراك أوباما سوف تخالف تلك القاعدة وستكون الأثقل في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، في ما يتعلق بمواقفه من قضايا منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على الرغم من المحاولات المتهافتة التي يقوم بها لإرضاء حلفائه الخليجيين الذين فقدوا ثقتهم، على ما يبدو، وفق ورقة بحثية للكاتب الأميركي جوزيف كلاين صادرة عن مجلة “فورنت بايج”.
الخميس 2015/05/14
أوباما والأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان في حوار مع جيل القيادة الجديد في السعودية

واشنطن – تثير سياسات باراك أوباما تجاه قضايا الشرق الأوسط الكثير من الجدل لدى الأوساط الدولية والأميركية على حدّ سواء، ويصفها العديد من المحللين بأنها مرتبكة وستكون لها تداعيات وخيمة على مصالح واشنطن مع حلفائها في المستقبل، حيث أنّه عمد إلى تمكين النظام الإيراني من أن يكون أكثر عدوانية إلى جانب نشره للجهاد الإسلامي الشيعي في جميع أنحاء المنطقة، كما أن إيران وجدت طريقها معه لتصبح دولة مسلحة نوويا.

كما أنّ سحب أوباما لجميع القوات الأميركية من العراق في العام 2011، إلى جانب إبداء دعمه للآمال الكاذبة لما سمي بـ”الربيع العربي”، أدّيا إلى ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية”، وتعزيز طموحاته لإقامة دولة “خلافة” عابرة للحدود الوطنية.

اتفاق نووي ملغوم

منذ بدايات فترته الرئاسية سعى باراك أوباما إلى إقامة علاقات وثيقة مع النظام الإيراني. وتجاهل المنشقين في شوارع طهران والمدن الإيرانية الأخرى، الذين تعرضوا للضرب والتعذيب والقتل في يونيو عام 2009، لأنهم تجرأوا على تحدي نظام الملالي الحاكم. واعتقد أوباما أنّ أفضل حل هو إظهار الاحترام للقادة الإيرانيين، وتعللّ بأنه بتلك الطريقة يمكن كسبهم وجرهم نحو التفاوض حول اتفاق نووي وهو ما يسمح لاحقا بتوجيه سلوك نظام طهران نحو لعب دور بناء في منطقة الشرق الأوسط.

ويسعى أوباما بإصرار إلى إجراء مفاوضات حول النووي الإيراني، ممّا يجعله يقدم تنازلات كبيرة على طول الطريق على الرغم من الاعتراضات الشديدة من حلفاء أميركا الخليجيين، ناهيك عن إسرائيل. حيث سبق أن أشار كل من وزيري الخارجية السابقين هنري كيسنجر وجورج بي شولتز، في مقالة افتتاحية بصحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ الثامن من أبريل 2015 الماضي، إلى أنّ “حلفاء أميركا التقليديين سوف يستخلصون أن الولايات المتحدة تتاجر بتعاون نووي مؤقت للإذعان للهيمنة الإيرانية. وسوف ينظرون بشكل متزايد في مسألة إنشاء توازن نووي خاص بهم، وإذا لزم الأمر، سيدعون قوى أخرى للانضمام إليهم”.

ويبدو أن القمة التي انطلقت، أمس الأربعاء، والتي تجمع بين أوباما وقادة دول الخليج العربي في كامب ديفيد، لا تعدّ مناورة من الرئيس الأميركي بقدر ما هي محاولة منه لطمأنة الخليجيين وتأكيد دعمه لهم، لكنها تظل بحاجة إلى التزامات حقيقية أكثر من تطمينات شفوية ملّها الخليجيون. حيث أنّه في حال أنّ أوباما لم يشدّد موقفه في المفاوضات النووية الإيرانية، فإنّ قادة الدول الخليجية لديهم سبب وجيه للبقاء في حالة قلق بالغ إزاء نتائج “مهمّة الخداع” التي يقوم بها أوباما، والتوجه نحو دول كبرى أخرى لضمان الدعم العسكري.

وتسود قناعة لدى الخليجيين أنّ أيّ اتّفاق نووي لا يُمكن التّحقق منه بشكل كامل ولن يكون قابلا للتنفيذ، بما في ذلك عمليات التفتيش الدولية في أي مكان وفي أي وقت، وحتى إن حدث ذلك فلن يكون أمرا مجديا خاصّة إذا ما تعلق الأمر بالنظام الإيراني. ومع ذلك، فإنّ إدارة الرئيس أوباما راغبة في التوصل إلى اتفاق ضبابي، إلى درجة أنّها مستعدة إلى المناورة حول هذه القضية.

جوزيف كلاين: أوباما يرغب في التوصل إلى اتفاق نووي ضبابي والمناورة حوله

كما يجمع المراقبون على أنّ هذا الاتفاق الذي يصرّ عليه أوباما سيسمح لإيران بأن تكون لها القدرة الكافية والمرافق والمعدات والمواد الانشطارية القابلة للاندلاع، وتصبح بالتالي قوة مسلحة نوويا مع تأخير الوقت فقط. وبمجرد رفع القيود المؤقتة بشأن برنامجها النووي، سوف يتم تحرير إيران من العقوبات الاقتصادية، التي تصرّ على وجوب رفعها عند التوقيع على اتفاق نهائي أو بعد ذلك بوقت قصير جدا، وهو ما سيوفر لها مزيدا من الموارد لتوسيع نفوذها في الدول المجاورة.

سياسات غير مدروسة

في الوقت الذي أضاع فيه أوباما الفرصة كي يكون إلى جانب إحداث تغيير في إيران، التي يشكل نظامها الحالي تهديدا استراتيجيا للولايات المتحدة وللمنطقة عموما، شجّع على إسقاط عدد من الحكومات العربية “الاستبدادية”، رغم أنها لم تكن تشكّل تهديدا استراتيجيا للولايات المتّحدة، لكنّه خاطر بكل شيء من أجل وعد كاذب بـ”ربيع عربي”. وقد انعكست تلك السياسات سلبا، بطبيعة الحال، على العلاقات الأميركية القائمة مع حليفتها المملكة العربية السعودية والدول الخليجية التقليدية الأخرى.

وفي تصريحات أدلى بها الرئيس أوباما في وزارة الخارجية في مايو عام 2011، استبشر بما سمي بـ”الربيع العربي” باعتباره حدثا لإدخال التغيير والتحرير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقارن ذلك التحرك الذي نفذه “مواطنون عاديون” لـ”تقرير المصير” بـ”تحدّي الوطنيين في بوسطن الذين رفضوا دفع الضرائب إلى الملك، أو كرامة روزا باركس وهي تجلس بشجاعة على مقعدها”.وأضاف أنّه “من خلال القوّة المعنوية التي تتمثل في عدم استخدام العنف، حقّقت شعوب المنطقة المزيد من التغيير”.

وقد خصّ أوباما اليمن وليبيا وسوريا بأنّها أمثلة إيجابية لبلدان طالب فيها مواطنون بالحرية، وقد تمكنوا في النهاية من الحديث عن ذلك. وصرّح بأنّه “في صنعاء، سمعنا الطلبة الذين هتفوا، لا بد لليل أن ينجلي، وفي بنغازي، سمعنا المهندس الذي قال إن كلماتنا حرة الآن. إنه شعور لا يمكنك تفسيره، وفي دمشق كذلك سمعنا الشاب الذي قال بعد الصرخات الأولى، والصيحة الأولى، تشعر بالكرامة”.

ولكن بدلا من دعمه لتلك الصرخات المنادية بالحرية، بقي أوباما متلكئا في سياساته غير المدروسة إلى أن عمّت حالة من الفوضى والتفكك في تلك البلدان، تحت سمعه وبصره، وهو ما أدى إلى إعادة رسم خرائط الأراضي داخل حدود تلك الدول وخارجها. ونتاجا لتلك الفوضى أصبحت مساحات واسعة من الأراضي تحت سيطرة تنظيم جهادي أعلن عن إقامته لـ”الخلافة” ومشروعه القاضي بمحو الحدود الوطنية الّتي تمّ إنشاؤها على إثر الحرب العالمية الأولى وفي أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية.

باحثة أميركية: السعوديون"يصفعون" أوباما
واشنطن – شكّلت مقاطعة أغلب قادة الدول الخليجية، وعلى رأسهم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، المؤثّرة لقمة الرئيس أوباما، في كامب ديفيد، صفعة جديدة للرئيس الأميركي وتنصلا متعمدا من سياسته غير المسبوقة تجاه إيران في الشرق الأوسط، وفق الباحثة في معهد “أميركان انروبرياز”، دانيال بليتكا.

وعلى الرغم من أنّ فكرة تجاهل أيّ زعيم عربي لأيّ رئيس أميركي تعدّ أمرا مهينا، إلاّ أنّ لها ما يبررها في هذه الحالة، حيث أنها تبدو بمثابة إنذار للأميركيين من أجل دفعهم إلى التنبّه أكثر لسياساتهم تجاه المنطقة، وهي تعبر كذلك عن وجهة نظر عربية تجاه انسحاب الولايات المتحدة عمدا من المنطقة.

وترى دول الخليج، التي تشارك الآن في ما تعتبره معركة ضارية ستحدد مستقبل المنطقة، أنّ واشنطن تقدم الدعم لإيران التي تهدد الأمن الإقليمي للمنطقة عموما.

وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس باراك أوباما يأمل في طمأنة قادة الخليج بخصوص نواياه تجاه أزمات المنطقة وقضاياها وعلى رأسها المفاوضات النووية مع إيران في إطار قمة كامب ديفيد، وفق بليتكا، ها هو يجد نفسه بدلا من ذلك، وقد مني بكارثة دبلوماسية وسياسية أخرى هو المتسبب الأول فيها.

وقد نجح تنظيم “الدولة الإسلامية” في الجمع بين تقنيات الإعلام الاجتماعي للقرن الحادي والعشرين لاستقطاب مجندين ونشر الدعاية في جميع أنحاء العالم. وانطلاقا من قواعده في سوريا والعراق، تمكن تنظيم “الدولة الإسلامية” من التمدد ليصل إلى ليبيا حيث وجد له موطئ قدم نحو الهجرة الجهادية إلى أوروبا. كما أضحى له وجود في الولايات المتّحدة عن طريق أتباعه المحليين.

كما استغلّت إيران بدورها حالة التفكك التي تشهدها الدول التي تشهد نزاعات لتوسّع هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، وقد نجحت نسبيا في ذلك. وحتى قبل تاريخ الثلاثين من يونيو المقبل المقرّر لتوقيع الاتفاق النووي الإيراني، كتب نرمان إيه بيلي، الخبير في الأمن القومي والاستخبارات، في عمود نشر بالعدد الخامس لشهر مايو الجاري من مجلة “ذي غلوبس” أنّ “خريطة الشرق الأوسط تمت إعادة رسمها على نطاق واسع. وهذا بدوره من المرجح أن يتسبب في سلوك عدواني من جانب إيران المحاصرة”، مضيفا “أنّ حالة الارتباك التي تنتاب إيران تدفعها إلى محاولة الالتفاف على الهلال السني في اليمن، والدول العربية المضطربة بالقرب من الهلال الشيعي”. وعلى الرغم من عمق هذه الأزمات، لا تملك إدارة أوباما استراتيجية متماسكة واضحة للتعامل مع كل هذه التحديات المترابطة للسلام والأمن في المنطقة.

خلاصة القول، لقد أدّت جملة تلك الأخطاء الأميركية والخيارات السياسية الضعيفة والمبنية على فرضيات خاطئة بالأساس، إلى تعميق الأزمات التي يعيشها الشرق الأوسط، كما رفعت سقف التحديات أمام بلدان المنطقة وعلى رأسهم الخليجيون الذين لا يخفون توجسهم من خطوات واشنطن المريبة تجاه التقرب من إيران على حساب أمن المنطقة. وهو ما يضع أوباما اليوم أمام امتحان صعب مع انعقاد قمّة كامب ديفيد، أساسه تقديم تطمينات فعلية وخطوات عملية ملموسة لطمأنة حلفائه بدل المضي في مغامراته غير المدروسة التي لم تعد تروق للحلفاء وحتى للأميركيين أنفسهم.

7