قمة مالطا: أوروبا لن ترتاح من أزمة المهاجرين إلا بحل أزمة ليبيا

توقع متابعون أن تكون لانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية عواقب وخيمة على الغرب وكيانه الموحد الاتحاد الأوروبي في حال أخذت مبادراته طريقها نحو التنفيذ، خاصة وأن هذا الاتحاد بات هشا بعد رجة الانشقاق البريطاني وتمدد الشعبويين وتهديدهم للقيم الغربية الحرة ما سيرفع من حجم التحديات على عاتق المسؤولين الأوروبيين، وهو ما يستوجب توحيد الرؤى الأوروبية لمواجهة تحديات المتغيرات الدولية الجديدة أهمها تحدي ترامب والهجرة.
السبت 2017/02/04
وضع مأساوي لكل الأطراف

فاليتا – في عام 378، جرت معركة تاريخية في مدينة أدرنة التركية، شكلت اللبنة الأولى لانهيار الإمبراطورية الرومانية، ودارت بين الرومان والقوط، وهم قبائل جرمانية، زحفوا إلى الأراضي الرومانية، قبل عامين على تلك المعركة، كلاجئين بحثا عن مأوى لهم. في وصفه لدموية تلك المعركة شبهها القديس أمبروسيوس بـ”نهاية البشرية”، فيما يستحضر تفاصيلها القادة الأوروبيون اليوم وهم يجاهدون من أجل إيجاد حل لأزمة المهاجرين واللاجئين التي تهدد بانهيار الاتحاد الأوروبي.

جاءت هذه المقارنة ضمن دراسة نشرها موقع “كوارتز″ اعتبر فيها أن قصة معركة أدريانوبل (أدرنة حاليا)، مماثلة لما يحدث في أوروبا في الوقت الراهن، ويمكن أن تكون أشبه بصفارة إنذار. وذكر المؤرخ أميانوس مرسيلينوس أنه في عام 376 اضطر القوط لمغادرة أراضيهم، إلى ما يعرف الآن بأوروبا الشرقية، وذلك نتيجة معاركهم مع قبائل الهون، وهم مجموعة من الرعاة الرحل.

وأسفرت المعركة عن إراقة للدماء بشكل يثير الرعب. وعلى غرار الكثير من السوريين وغيرهم من الذين نزحوا جراء الحرب، قرر القوط الفرار من أرضيهم. وكانت أفضل الحلول بالنسبة إليهم الاستقرار في المناطق التي تقع إلى يمين نهر الدانوب، حيث كانت تلك الأراضي خصبة، كما أنها وفرت لهم فرصة للدفاع عن أنفسهم من خلال إبقاء الهون على الضفة الأخرى للنهر.

كانت تلك الأراضي تابعة للإمبراطورية الرومانية، تحت حكم الإمبراطور الروماني الشرقي فلافيوس يوليوس فالنس أوغسطس، والذي توجه إليه فريتيجورن، زعيم القوط، مطالبا بأن “يستقبلهم كرعاياه، واعدا إياه بالعيش بهدوء، والمساعدة في توفير مقاتلين لجيشه في حال احتاجتهم الإمبراطورية”.

وبفضل الوقط، حققت روما الكثير من المكاسب، حيث كانت تلك الأراضي تحتاج إلى عمال يعملون في الزراعة، ورحبت الإمبراطورية بزيادة عدد جنودها. وكتب المؤرخ مارسلينوس عن فالنس “من خلال الجمع بين قوة شعبه وهذه القوى الخارجية، تمكن من تكوين جيش لا يقهر”. وتعبيرا عن امتنانه وولائه لفالنس، اعتنق فريتيجورن، زعيم القوط، الديانة المسيحية.

جرت الأمور بشكل هادئ لفترة من الزمن قدم خلالها الرومان خدمة لا تختلف كثيرا عن برنامج البحث والإنقاذ في العصر الحديث. وذكر مرسلينوس أنه “لم يتم التخلي عن أي شخص، ولا حتى عن أولئك المنكوبين والمصابين بأمراض مميتة”.

القادة الأوروبيون يتعهدون بمساعدة ليبيا على مكافحة مهربي المهاجرين وهو ما يعتبرونه عاملا أساسيا من أجل وضع حد للهجرة في البحر المتوسط رغم انتقادات بعض المنظمات غير الحكومية

ونتيجة لهذا البرنامج واصل القوط عبور النهر دون توقف، وشرعوا في الصعود على متن السفن والقوارب وزوارق مصنوعة من جذوع الأشجار. وأثناء عبور النهر غرق عدد كبير منهم بسبب عددهم الهائل الذي يفوق طاقة السفن والزوارق. وتقول بعض التقديرات إن عددهم بلغ 200 ألف شخص. تحول القوط إلى مواطنين رومان. وتقلد أبناء المهاجرين مناصب عليا في صفوف الجيش وفي الإدارة.

لكن تغيّرت الأمور في النهاية، حيث أن المسؤولين العسكريين الذين كانوا مسؤولين عن تموين القوط -وهي عبارة عن نسخة قديمة من الدعم المقدم للمهاجرين الذين يصلون إلى اليونان أو إيطاليا- فاسدون، وتربحوا مما كان من المفترض أن يخصص للاجئين. واضطر القوط الجائعون لشراء لحوم الكلاب من الرومان.

وعمت أزمة الثقة بين القوط الذين وقع استغلالهم والرومان. وانتقل القوط من الرغبة في أن يصبحوا من الرومان إلى الرغبة في تدمير روما، وهو ما حدث مع معركة أدريانوبل. وكتب مرسلينوس “وبعد أقل من عامين، مع الغضب في عيونهم، استهدف القوط رجالنا”، ودمروا الإمبراطورية.

لا يفكر المهاجرون الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا اليوم في التمرد العسكري، كما أن أوروبا ليست الإمبراطورية الرومانية. ولكن التاريخ يفيد بأن الهجرة كانت وستبقى جزءا من عالمنا. هناك طريقتان للتعامل مع اللاجئين: الأولى هي تعزيز الحوار معهم، وإدماجهم. والثانية هي عدم الترحيب بهم وعدم الاكتراث لحالهم. وقد أدت الطريقة الثانية إلى حصول كوارث في السابق، وبطريقة أو بأخرى، من المؤكد أنها قد تتسبب في حدوث ذلك مجددا.

أوروبا في مواجهة الهجرة

عند النظر إلى المشهد العالمي اليوم يزداد القلق الأوروبي، حيث تنتشر قيم متشددة تكرس الإقصائية ونبذ الآخر وألقت بظلالها على حركات الهجرة واستجابة الدول المختلفة لها. وتقول شبكة إيرين للأنباء الإنسانية إن الأحزاب الشعبوية نجحت في تحويل المهاجرين واللاجئين إلى كبش فداء وإقناع الناخبين بضرورة ردعهم بأي ثمن.

وتجلى هذا القلق واضحا في اجتماع القادة الأوروبيين، الجمعة في مالطا، حيث حاولوا جاهدين إظهار وحدتهم في مواجهة تحدي الهجرة وتحديد مسار للاتحاد الذي يهزه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ووصول الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب.

منظمات غير حكومية تنتقد مشاريع قمة مالطا
فاليتا - حذرت منظمات دولية وغير حكومية من الاجراءات التي دعا إليها القادة الأوروبيون المشاركون في قمة الجمعة في مالطا القاضية بوقف وصول آلاف المهاجرين من ليبيا حيث رأت أنها تنطوي على مخاطر تطال الأطفال.

وذكر المدير المساعد لمنظمة اليونيسف جاستن فورسايث أن “القرارات التي يتم اتخاذها في قمة الجمعة تشكل مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى الآلاف من الأطفال الذي يحاولون العبور أو لا يزالون عالقين في ليبيا”.

واعتبرت غالبية هذه المنظمات أن ما يتم الإعداد له في مالطا مخالف لحقوق الإنسان ويمكن أن يؤدي إلى كارثة انسانية جديدة.

ويشارك قادة دول الاتحاد الأوروبي في قمة مالطا لتبني استراتيجيا جديدة لتفكيك النموذج التجاري أو الشبكة المالية والتجارية التي يعتمدها المهربون في ليبيا والذين أرسلوا مئات الآلاف من المهاجرين إلى ايطاليا في السنوات الثلاث الأخيرة.

ويأمل القادة الأوروبيون في تعزيز دور خفر السواحل الليبي في رصد الزوارق التي تنقل هؤلاء المهاجرين قبل أن تدخل المياه الدولية، ومساعدة الدول المجاورة لليبيا على إغلاق نقاط الوصول الى هذا البلد وحث المهاجرين على العودة إلى بلدانهم لدوافع اقتصادية.

وتثير هذه الاجراءات قلق المنظمات غير الحكومية التي تخشى سوء المعاملة إزاء المهاجرين العالقين في ليبيا. وعلقت ايستر آسين المسؤولة في منظمة “سيف ذي تشيلدرن” في بروكسل “الاكتفاء برد أطفال يائسين الى بلد يصفه الجميع بأنه جحيم ليس حلا”.

وتحدث العديد من المهاجرين عن ظروف صعبة جدا في ليبيا حيث روى شاب في الـ26 من غينيا بيساو عند وصوله إلى ايطاليا صباح الخميس “لقد أمضيت ثلاثة أشهر في ليبيا. هناك يضعون السود في السجن وبالكاد كان لدينا ما نأكله او نشربه”.

وقالت جوديث سندرلاند المسؤولة في منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن “ما يريد الاتحاد الأوروبي تسميته بخط دفاع سيكون في الواقع تكريسا لممارسات أكثر وحشية في البر والبحر”. وأكدت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني عند وصولها صباح الجمعة الى مالطا أن الاتحاد الأوروبي يمكن ان يعتمد خطة تستند على الشراكة بهدف إنقاذ الأرواح واحترام حقوق الانسان.

وسيسعى الأوروبيون إلى قطع طريق المهاجرين عبر البحر المتوسط من ليبيا وذلك بعد إغلاق طريق العبور عبر بحر ايجه بعد توقيع اتفاق حول الهجرة مع تركيا.

وجاءت القمة في الوقت الذي يجد فيه الاتحاد الأوروبي نفسه تحت ضغط من داخل التكتل وخارجه، بما في ذلك العلاقات شديدة التعقيد مع الولايات المتحدة الحليفة منذ فترة طويلة. وطالبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في تصريح للصحافيين على هامش القمة، بتحديد دور أوروبا في العالم بشكل واضح، ردا على ترامب، مؤكدة أن “أوروبا تتحكم في مصيرها”.

وقال مستشار النمسا، كريستيان كيرن منتقدا إن حظر سفر اللاجئين الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورفض استقبالهم، يثيران قلقا، مشيرا إلى أن سياسة الولايات المتحدة الخارجية تسهم في المسؤولية عن تدفق المهاجرين. وأضاف “مما لا شك فيه أن أميركا تتحمل مسؤولية مشتركة عن تدفق المهاجرين، عن طريق الأسلوب الذي يتم به التدخل العسكري” دون أن يحدد أي دولة يتم فيها اتخاذ هذا الإجراء. وألمح جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، إلى أن إدارة ترامب، ببساطة، لم تفهم الاتحاد الأوروبي. وأضاف ” أعتقد أن هناك مجالا للتأويل، لأنه في بعض الأحيان يصلني انطباع بأن الإدارة الجديدة لا تعرف الاتحاد الأوروبي بالتفصيل، إلا أن التفاصيل في أوروبا تصنع فارقا”.

دعم ليبيا

أبرم الاتحاد الأوروبي في مارس 2016 اتفاقا مع تركيا لتطويق مصدر تدفق اللاجئين قبل وصولهم إلى البلدان المقصودة. وعلى الرغم من عيوبه، كان الهدف من الاتفاق هو إعطاء الاتحاد الأوروبي مهلة قصيرة يضع خلالها سياسات أكثر استدامة، ولكن الدول الأعضاء فشلت في التوصل إلى توافق في الآراء.

وسيضطر الأوروبيون لدعم الصفقة مع تركيا حتى لو يعني ذلك غض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل النظام في أنقرة.

ويتوقع المتابعون أن تعقد صفقات مماثلة مع دول أخرى في محاولة لإغلاق الطريق الأوسط في البحر المتوسط. وتشير تقديرات إلى أن حوالي 180 ألف شخص انطلقوا في طريقهم بغرض الوصول إلى أوروبا من شمال أفريقيا في 2016، ولم ينج من بينهم 4500 شخص في تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر.

تشمل الخطة تعزيز السلطات الليبية، وقوات خفر السواحل الليبي بخاصة، توقيف قوارب المهاجرين في مياهها الإقليمية وتقديم الدعم من أجل إنشاء مخيمات آمنة للاجئين في البلاد. وسيدعم القادة الأوروبيون، الذين يستعدون لإحياء ذكرى مرور ستين عاما على معاهدة روما المؤسسة للاتحاد، أيضا العودة الطوعية للاجئين الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية، والعمل مع الدول المجاورة لليبيا بهدف تحسين مراقبة المياه الإقليمية. وقالت ميركل “الوضع خطير في ليبيا بالنسبة إلى المهاجرين”.

وتعهد القادة الأوروبيون خلال اجتماعهم في مالطا بمساعدة ليبيا على مكافحة مهربي المهاجرين وهو ما يعتبرونه عاملا أساسيا من أجل وضع حد للهجرة في البحر المتوسط رغم انتقادات بعض المنظمات غير الحكومية.

وعدد “بيان مالطا” عشر أولويات من أجل تفكيك الشبكة التجارية والمالية للمهربين وتعزيز الأمن على حدود ليبيا وضمان ظروف لائقة للمهاجرين العالقين في المنطقة.

وكان رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، أعلن عشية هذه القمة غير الرسمية للاتحاد “حان وقت إغلاق الطريق الذي يمتد من ليبيا إلى إيطاليا”. لكن الكثيرين لا يزالون متشككين إزاء المهمة الكبيرة في بلد يشهد فوضى سياسية وأمنية، لا يمكن تجاوزها في أي حل لأزمة الهجرة التي تؤرق الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من ثلاث سنوات.

7