قمة مجموعة السبع.. تحديد صلاحية واشنطن للاستمرار في قيادة العالم

حلفاء الولايات المتحدة غاضبون من أخذ ترامب مصالحهم رهينة لسياسته، والحرب التجارية غير قادرة على تقسيم الغرب بعد.
السبت 2018/06/09
اجتماع هذا العام اختبار لعقيدة ترامب

أوتاوا – توقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغة جسد عصبية ولهجة غير مريحة من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا، التي أطلق عليها دبلوماسيون قمة “دولة كبيرة +6”.

هذا المصطلح هو ما يلخص على ما يبدو رؤية ترامب لحلفائه، إذ عكست لهجة الرئيس الأميركي، منذ صعوده للبيت الأبيض في يناير 2017، انتقاصا من دول أوروبية يقول إنها لم تدفع ثمن حمايتها من قبل الولايات المتحدة، وأنها تنتهج سياسة تجارية تشكل “تهديدا للأمن القومي الأميركي”.

أدت هذه اللغة غير المسبوقة من قبل رئيس أميركي إلى شعور الحلفاء بالغبن والغضب، كما قادت جدلا حول مستقبل “المعسكر الغربي” ومدى تماسكه، طالما ظل ترامب رئيسا في واشنطن.

وقلب ترامب السياسة الخارجية للولايات المتحدة رأسا على عقب، عبر هذه المقاربة التي تقف ضد ثوابت السياسة الأميركية تجاه الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك.

وشعر مسؤولون في هذه الدول، خصوصا في أوروبا، بالألم والإهانة من تصريحات ترامب. وقدمت الدول الأوروبية وكندا خصوصا تضحيات كبرى ضمن سياسة الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر 2001، كما لعبت دورا كبيرا خلال حقبة الحرب الباردة، وحتى بُعَيْد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وقالت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند مطلع هذا الأسبوع “أقول لكل أصدقاء كندا في الولايات المتحدة، وهم كثر، فعلا؟ هل تعتقدون حقا أن كندا وباقي حلفائكم في الناتو باتوا يمثلون خطرا على أمنكم القومي؟”. وأضافت “هذا وقت حزين جدا بالنسبة لنا. نحن نشعر بالألم والإهانة”.

وليست التجارة وحدها ما يرسم ملامح العلاقة الصعبة الجديدة بين الولايات المتحدة وحلفائها، فالأوروبيون لا يزالون غاضبين من تجاهل ترامب لالتماسهم عدم الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي مع إيران، وانسحابه قبل ذلك من اتفاق باريس للمناخ، كما يمقت الغربيون تحول مصالحهم الاستراتيجية إلى رهينة لمعتقدات ترامب، وتشكلها وفقا لقناعاته وأجندته.

من المحتمل أن تتسبب النظرة السطحية في رسم السياسة الخارجية في المزيد من التراجع للعلاقات الأميركية الأوروبية

وللخلاف جانب فلسفي أيضا، يتمثل في إعجاب ترامب التلقائي بالزعماء الأقوياء، وبغضه لآلية الدبلوماسية التشاركية والعمل الجماعي، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع أسس الديمقراطيات الليبرالية الغربية. وعلى رأس هؤلاء الزعماء الأقوياء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ودعا ترامب، الجمعة، نظراءه في مجموعة السبع الكبرى إلى التفكير في إعادة روسيا إلى المجموعة. وقال ترامب قبل أن يتوجه إلى كندا للمشاركة في قمة المجموعة “طردوا روسيا وعليهم إعادتها، لأنه يجب أن تكون روسيا معنا على طاولة المفاوضات”. وكانت روسيا استبعدت من مجموعة الثماني بعد ضمها شبه جزيرة القرم، وأصبحت المجموعة تضم مجددا سبع دول فقط.

ويملك ترامب ميلا موازيا لزعيمي كوريا الشمالية كيم جونغ أون والرئيس الصيني شي جينغ بينغ. وأثنى ترامب على الزعيمين، خلال السجال حول القمة التي من المقرر أن تعقد بين ترامب وكيم في 12 يونيو في سنغافورة.

وهذا ما يريده ترامب: المفاوضات الثنائية بين دولتين. فالرئيس الأميركي لا يرغب في الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع تكتل دولي، كالاتحاد الأوروبي، والدخول في نقاش أمني أو تجاري يفقد الولايات المتحدة تفوقها الحاسم إذا دخلت المفاوضات مع كل دولة على حدة.

وكانت هذه الرؤية إحدى الدعائم الأساسية لمقاربته الاستراتيجية للاستفراد بفرنسا، عبر علاقة شخصية تجمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خارج الإجماع الأوروبي حول قضايا حساسة للغاية. كما لم يوافق ترامب على أن تكون القمة مع كوريا الشمالية متعددة الأطراف، وأصر على تضييق الحيز المسموح به بحيث يكون مقتصرا على زعيمي الولايات المتحدة وكوريا الشمالية فقط.

ويقول محللون إن اجتماع الدول السبع هذا العام هو اختبار لعقيدة ترامب، القائمة على ما إذا كانت الولايات المتحدة “فائزة” أم أنه تتم “سرقتها” من قبل أصدقائها، طوال السنوات الماضية، كما ستحدد أيضا ديناميكية قيادة واشنطن للعالم.

لكن كبير المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض لاري كودلو خفف من حدة الخلافات؛ وقال كودلو “نحن نتحدث عن كل شيء. ربما يكون هناك بعض الخلافات، لكن يمكن تشبيه هذه الخلافات بالشجار العائلي”.وسيتحدد مدى خطورة هذا “الشجار العائلي” بقدرة ترامب على التمسك بمطالبه، خصوصا فيما يتعلق بتعريفات التجارة على الصلب والألومنيوم.

ولا تكمن المشكلة فقط في الخلافات مع كندا، التي تقف في منتصف الطريق في مفاوضات شاقة لتحسين بنود اتفاقية “نافتا” للتجارة الحرة في أميركا الشمالية، بناء على رغبة ترامب، بل تمتد إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.

وتراجع دفء العلاقة بين ترامب وماكرون، بعدما تبادل الرئيسان الأحضان والقبلات الأخوية، خلال الزيارة التي قام بها ماكرون إلى واشنطن قبل أقل من شهرين.

الرئيس الأميركي يوجه انتقاداته إلى كندا والاتحاد الأوروبي ضمن تصعيد يهدد بإحداث تصدعات في مجموعة السبع التي تسعى دائما إلى بناء توافق

في المقابل، كانت اللهجة خلال اتصال ترامب برئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي حادة للغاية. ومن المتوقع أن تتسبب زيارته المقررة الشهر المقبل، بعدما تم تأجيلها عدة مرات في السابق، إلى بريطانيا في تظاهرات واسعة احتجاجا عليها.

كما حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي لطالما دخلت في مشاحنات حادة مع ترامب حول مقاربته الحمائية التي باتت تقوض القيم الغربية، من أن قمة مجموعة السبع هذا العام ستكون “قمة مواجهة”.وتساءل فيل مود، محلل الأمن القومي في شبكة سي.أن.أن الأميركية “أين التوازن في القوى بين أناس يهددون الولايات المتحدة، وآخرين بقوا طويلا حلفاء تقليديين لها؟.. لا أعرف”. وسبب غياب هذا التوازن التاريخي في علاقات الولايات المتحدة الخارجية هو حرص ترامب على الوفاء بوعوده تجاه القاعدة الشعبية الأميركية المناصرة له.

وهذا أول رئيس في الولايات المتحدة يعتبر سياسة بلاده الخارجية جزءا أساسيا من سياسته الداخلية.

ويعول ترامب كثيرا على أن لهجته المعادية لحلفاء الولايات المتحدة ستتسبب في إقناع الناخبين المناصرين له في الداخل بأنه “يدافع عن مصالحهم”، ومن ثم ينعكس ذلك على نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي من المقرر أن تقام في نوفمبر المقبل.

لكن هذه النظرة السطحية في رسم السياسة الخارجية من المحتمل أن تتسبب في المزيد من التراجع في العلاقات الأميركية الأوروبية، التي وصلت إلى درجة أسوأ كثيرا مما كانت عليه خلال غزو العراق عام 2003.

وحينها لم يكن الزعماء الأوروبيون، رغم معارضتهم للعمل العسكري ضد بغداد، يشكون في أن الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش لا يؤمن بأدوات القوة الغربية، كالاتحاد الأوروبي والناتو، أو يحاول تقويضها، على عكس ترامب.

وبات سياسيون أوروبيون كبار يعتقدون أن ترامب تحول إلى تهديد مباشر لتماسك الغرب وقوته، في ظل سياسة تصب في مصلحة روسيا والصين، وأصبحوا ينتظرون بفارغ الصبر رحيله عن الرئاسة كي تعود الأمور إلى نصابها الصحيح مرة أخرى.

ورغم الحرب التجارية القائمة، لا يزال الغرب بعيدا جدا عن التفكك، إذ مازال الجانبان يحتاجان إلى بعضهما البعض لضمان الاستقرار والأمن.

فعلى سبيل المثال، يحاول ماكرون إعادة فرنسا مرة أخرى كقوة كبرى على الساحة الدولية، لكنه لا يستطيع فعل ذلك من دون التحالف الكامل مع الولايات المتحدة، بما في ذلك ما يتعلق بعمليات مكافحة الإرهاب.

وتحتاج بريطانيا بدورها إلى ترامب، في وقت تغادر فيه الاتحاد الأوروبي، إذ يرغب السياسيون البريطانيون في توقيع اتفاق تجارة حرة مع الولايات المتحدة. كما يتعلق مستقبل التنمية في كندا والمكسيك بالتطور في المفاوضات الجارية لتعديل اتفاقية “نافتا”.

7