قمة هلسنكي.. تذكير بانعزالية ترامب وسلطوية بوتين

ملفات سوريا والتدخل في الانتخابات الأميركية وأوكرانيا ستكون مطروحة على طاولة المحادثات التي ستجمع الرئيس الأميركي بنظيره الروسي، إلا أن التركيز سيكون على مدى الانسجام بين الرجلين.
الاثنين 2018/07/16
علاقات ترامب بروسيا تحت المجهر

من المقرر أن يلتقي الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي وفلاديمير بوتين في العاصمة الفنلندية هلسنكي الاثنين، في أول قمة تجمع بينهما. ورغم أنه من المتوقع أن يتبادل الرئيسان عبارات الإطراء لما تجمع بينهما من نقاط تشابه؛ كالنزعة السلطوية والميل لاتخاذ قرارات أحادية، لكنهما يبقيان على طرفي نقيض في ملفات عدة بينها سوريا وأوكرانيا وقضية التدخل الروسي المحتمل في الانتخابات الأميركية.

موسكو- تساءل دونالد ترامب حين كان يستعد قبل خمس سنوات للسفر إلى روسيا لحضور حفل انتخاب ملكة جمال الكون عمّا إذا كان سيلتقي بفلاديمير بوتين؟ وأعلن حينها على تويتر “إذا حصل ذلك هل سيصبح صديقي المقرب الجديد؟”.

اليوم يطرح العالم السؤال نفسه مع استعداد المقدم السابق لبرنامج “ذي أبرنتيس” (المتدرب) الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة للقاء الضابط السابق في جهاز الاستخبارات الروسي “كي.جي.بي” في هلسنكي في أول قمة تجمع بينهما.

ستكون ملفات سوريا والتدخل في الانتخابات الأميركية وأوكرانيا مطروحة على طاولة المحادثات، إلا أن التركيز سيكون على مدى الانسجام بين الرجلين.

وقال ترامب لشبكة سي.بي.أس الأميركية “أنا ذاهب للقمة بتوقعات محدودة وليس توقعات كبيرة”. وتوقع أن تسفر القمة عن “عدم حدوث أمر سيء، وربما بعض الأمور الجيدة”.

بوتين المحنك يجتمع مع رجل الأعمال ترامب

موسكو- يجتمع الاثنين، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يتولى السلطة في البلاد منذ ما يقرب من عقدين من الزمان، مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، وهو رجل أعمال اكتسب سمعة كصانع صفقات.

يذكر أن ترامب، الذي لم يسبق له العمل في السياسة قبل أن يصبح رئيسا في العام الماضي، أعرب مرارا، حتى أثناء حملته الانتخابية، عن احترامه الشخصي لبوتين.

ومن جانبه، رد بوتين ذلك الجميل، من خلال كونه من أوائل زعماء العالم الذين هنأوا ترامب على فوزه في الانتخابات، حيث قال له في رسالة إنه يتطلع إلى فرصة من أجل إعادة بناء العلاقات الثنائية.

وقد تراجعت العلاقات الأميركية الروسية في السنوات الأخيرة، حيث دعمت القوتان العالميتان الأطراف المتعارضة في النزاعات بأوكرانيا وسوريا.

وكان بوتين وترامب التقيا في العام الماضي على هامش قمة مجموعة العشرين بهامبورغ. وقمة هلسنكي الاثنين، ستكون أول قمة ثنائية تجمع بينهما. وهذا العام أدى بوتين -وهو سياسي محنك- اليمين الدستورية لفترة رئاسية رابعة.

وأصبح بوتين رئيسا للوزراء لأول مرة في عام 1999، حيث عينه البرلمان آنذاك، بمباركة الرئيس بوريس يلتسين. ثم استقال يلتسين بعد بضعة أشهر، وترك بوتين لتولي دور الرئيس بالإنابة.

وفاز بوتين بالمنصب وقتها بعد إجراء انتخابات شعبية في عام 2000، وفي عام 1998 قام يلتسين بتعيين بوتين لرئاسة جهاز الأمن الفيدرالي، وكالة الاستخبارات الروسية، وهي الوكالة التي خلفت جهاز المخابرات السوفييتي كي.جي.بي. وكان بوتين بدأ مسيرته المهنية في كي.جي.بي بالاتحاد السوفيتي، حيث عمل في الجهاز لقرابة عقد ونصف.

ووصف بوتين انهيار الاتحاد السوفييتي بأنه “أفدح كارثة جيوسياسية في هذا القرن”. وقد نشأ بوتين في لينينغراد، التي أصبحت بعد حل الاتحاد السوفييتي ثاني أكبر مدينة في روسيا، ثم تمت إعادة تسميتها باسمها قبل الثورة، وهو”سان بطرسبرغ”.

ودخل بوتين المعترك السياسي في مطلع تسعينات القرن الماضي، كمساعد لعمدة سان بطرسبرغ، أناتولي سوبشاك، الذي كان أيضا معلما مرموقا لرئيس الوزراء الروسي الحالي، ديمتري ميدفيديف، حليف بوتين منذ فترة طويلة.

وفي منتصف تسعينات القرن الماضي، تم استدعاء بوتين للعمل بالإدارة الرئاسية في عهد يلتسين، وهو التعيين الذي وضعه في النهاية خلفا لرئاسة البلاد. وقد اكتسب بوتين سمعة كضامن للاستقرار في روسيا، وذلك بالمقارنة مع الفترة المضطربة في تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ومن الصعب أن يكون توقع ترامب صائبا ومزاج الرجلين وأسلوبهما متناقضان كثيرا. ففي حين يتحدث ترامب بعفوية وغالبا ما يناقض بتصريحاته المنفعلة مستشاريه ، فلا عفوية على الإطلاق في الظهور العلني لبوتين الذي نادرا ما تظهر انفعالاته.

ويطّلع بوتين بشكل دائم على التقارير الاستخبارية والملخصات الصحافية، في المقابل تفيد تقارير بأن مستشاري ترامب يعانون الأمرين من حضّه على قراءة الملخصات حتى تلك الأكثر إيجازا. وبينما يجاهر الرئيس الأميركي بمواقفه وآرائه على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يحمل نظيره الروسي حتى هاتفا ذكيا ويعتمد على وسائل الإعلام لنقل آرائه. رغم ذلك، ليس بالضرورة أن يحول التناقض دون أن يجد الرجلان ما يجمعهما. تقول المحللة السياسية في معهد بروكينغز في واشنطن إلينا بولياكوفا “أثبت بوتين أنه يتمتع بذكاء استثنائي في ما يتعلق بفهم الشخصيات والأشخاص”.

وتابعت لوكالة فرانس برس “في النهاية هذا ما تدرب عليه كضابط في الاستخبارات، وأعتقد أنه يجيد بشكل خاص كشف نقاط الضعف في أي شخص يجلس معه”. وتضيف بولياكوفا “سيمتدح ترامب وسيحاول إيجاد روابط معه على طريقة الند للند. سيتجاوب ترامب مع هذا الأمر. وإذا حصل ذلك سيكون لدى بوتين بعض أوجه التشابه للبناء عليها”.

وتجمع الرجلين النزعة السلطوية. فبعد القمة الأخيرة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في سنغافورة أعلن ترامب أنه يود أن يصغي الأميركيون إليه عندما يتحدث مثلما يفعل الكوريون الشماليون حين يتحدث كيم، وقال “إنه يتحدث وشعبه يستمع إليه بانتباه. أريد من شعبي أن يفعل الشيء نفسه”.

ويفضل الزعيمان المفاجآت واتخاذ القرارات الأحادية على الغرق في تفاصيل التعامل مع المؤسسات والشؤون الإدارية. وتنتظر طاولة القمة عديد الملفات الشائكة أهمها نزاعات المنطقة.

نقاط خلاف

يريد ترامب أن يتخلص تدريجيا من عبء التدخل في سوريا وأن يسحب قواته من هناك، ويعد بوتين هو اللاعب والمؤثر الرئيسي في التطورات الجارية في سوريا التي مزقتها الحرب إلى حد كبير، وفي حالة عرضه المساعدة على ترامب، فقد يسارع الرئيس الأميركي بالإمساك بهذه الفرصة.

ومع ذلك يحذر نبي عبداللاييف الخبير السياسي والأمني الروسي من أن روسيا ليست في وضع يسمح لها بإخراج إيران من سوريا، وهو مطلب رئيسي من جانب إسرائيل التي يحتفظ ترامب بعلاقات وثيقة معها.

ويقول عبداللاييف إن “أوراق الضغط الروسية على إيران ليست قوية بما فيه الكفاية بحيث تصبح أعلى مرتبة من الأهمية الاستراتيجية لسوريا بالنسبة لإيران”. ومهما كان نوع المساعدة التي قد يعرضها بوتين في ما يتعلق بسوريا، فيمكن موازنتها بإيماءة أميركية تتعلق بأوكرانيا، بعدما لم يستبعد ترامب إمكانية اعتراف واشنطن بضم روسيا لإقليم القرم في عام 2014 انتزاعا من أوكرانيا.

وفي حالة حدوث ذلك الاعتراف فإنه سيسمح بتغيير حدود أوروبا عن طريق القوة، وينظر إلى أي إسفين يدق في أوروبا، بما في ذلك التحول التركي الأخير باتجاه موسكو، على أنه مكسب لروسيا. ولا يسيطر ترامب على كل الأمور وليس بوسعه تقديم تنازلات بلا نهاية، وعلى سبيل المثال جاءت العقوبات ضد روسيا بسبب أوكرانيا من الكونغرس، كما أنه على الرغم من أن ترامب يتحدث عن تخفيف الدعم لأوروبا، فإن الولايات المتحدة تقوم في حقيقة الأمر بتوسيع تواجدها العسكري هناك.

ويرى بليزي ميشتال من مركز سياسات الحزبين أن “بوتين قد يسعى لإثناء الرئيس ترامب عن توسيع التعاون الدفاعي مع بولندا أو دول البلطيق”، حيث أن روسيا لا تزال تشعر بالقلق إزاء المصالح الأميركية في هذه المنطقة.

ويوجه دانيال فرايد النصيحة لترامب قبل أن يجلس أمام بوتين في اجتماع ثنائي لن يحضره سوى المترجمين. ويقول فرايد “لا تقدم شيئا من دون مقابل، ولا تتوصل إلى صفقات حمقاء تفتقر إلى الحكمة، وليس هناك أي خطأ في العمل مع الروس ولكن لا تدفع نفقات إضافية لتحصل على هذه الميزة، وتذكر من هم أصدقاؤك”.

قلق الحلفاء

 ينظر حلفاء واشنطن بقلق إلى قمة هلسنكي حيث تأتي القمة بعد أن قام ترامب بكل ما في وسعه لإثارة التوتر ومشاعر الخوف لدى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا، عن طريق فرض رسوم جمركية على صادراتهم وتهديد مظلة الناتو الأمنية.

ويقول إريك براتبرج مدير البرنامج الأوروبي بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي الأميركية إن “حقيقة أن هذا اللقاء يعد أول قمة بارزة بين ترامب وبوتين لها أهميتها، في ضوء أن ترامب أعرب مرارا عن رغبته في تحسين العلاقات مع روسيا”.

وقد حذر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الأحد، الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مغبة عقد أي صفقات منفردة مع روسيا على حساب الحلفاء الغربيين للولايات المتحدة. وتجاهل ترامب المخاوف الغربية إزاء محاولته التقارب مع موسكو، وذلك في كلمة ألقاها أمام تجمع جماهيري بولاية مونتانا الأميركية مؤخرا، وهو تجمع تم تنظيمه قبل أيام من جولته الأوروبية التي سيتوجه خلالها أولا إلى بروكسل لحضور قمة الناتو، ثم يتوجه بعد ذلك إلى هلسنكي. وخلال تجمع مونتانا قال ترامب أمام مؤيديه الذين كانوا يضجون بالهتاف له إن “إقامة علاقات طيبة مع روسيا ومع الصين ومع دول أخرى لهو أمر جيد”.

بينما قال بليزي ميشتال من مركز سياسات الحزبين (منظمة بحثية أميركية غير ربحية تجمع أفضل أفكار الحزبين الديمقراطي والجمهوري)، إن نتائج قمة الناتو في العاصمة البلجيكية هي التي يمكن أن تحدد إيقاع القمة المرتقبة بين ترامب وبوتين، وأضاف “إنه من المرجح أن يرغب بوتين في اللعب على الخلافات التي قد تحدث في قمة الناتو ويوسع نطاقها”.

ويجادل منتقدو ترامب في حقيقة أنه اختار التساهل مع روسيا بينما تعامل بشدة مع كل من كندا وفرنسا وغيرهما من الحلفاء، ويضع ترامب هؤلاء الحلفاء التقليديين في إطار الدول التي تكلف الولايات المتحدة الأموال سواء في ما يتعلق بالتجارة أو بتوفير الحماية لها.

ويوضح دانيال فرايد وهو سفير سابق للولايات المتحدة لدى الناتو هذا التحول الأميركي، باعتباره إعادة ظهور اتجاه قومي مؤيد للانعزال الأميركي تم كبحه لفترة طويلة.

ويقول فرايد الذي يعمل حاليا لدى مجلس أتلانتك للخبراء “إن المسألة عبارة عن إحياء للتراث الأميركي لأول مرة منذ 80 عاما، واستغل ترامب هذا الاتجاه”. فيما يعتقد نبي عبداللاييف من أن قمة هلسنكي قد لا تتمخض عن شيء يذكر في ما يتعلق بالتوصل إلى نتائج سياسية ملموسة. ويختم بقوله ”إن الزعيمين سيحصلان على نصيبهما من مكاسب العلاقات العامة البراقة والموجهة إلى الجمهور المحلي لكل منهما”.

7