"قمرة دم" حيرة وجودية تغذيها الثنائيات

المسرحية من إخراج التونسي معز مرابط وهي عبارة عن حيرة وجودية بين المقاومة والهروب من الواقع.
الجمعة 2020/08/07
رغم الظلام الأمل قائم

الحمامات (تونس) - على الركح تولد امرأة بطريقة غريبة، حيث تتدلّى على الركح شرنقة تتساقط منها مجموعة من العرائس، ثم تخرج من الشرنقة امرأة، فتبدأ خطواتها نحو عالم الحياة، تبدو عملية الولادة عسيرة، مشهد يعلن عن قيام ثورة وولادة وطن جديد بأحداث جديدة.

كان ذلك المشهد الافتتاحي لمسرحية “قمرة دم”، وهي عمل من إخراج المسرحي التونسي معز مرابط وتأليف بسمة العشي وإنتاج مسرح الحمراء، والتي عرضت أخيرا ضمن فعاليات تظاهرة سهريات صيف 2020 بالحمامات في ثامن سهراتها الثلاثاء 04 أغسطس الجاري بمسرح الهواء الطلق.

وأدى الثنائي بسمة العشي ومريم الصياح أدوار هذه المسرحية التي تحكي أحداثها قصة امرأتين هما علياء وزينب تبحثان عن سرّ اغتيال ملهمتيْهما في إحدى الساحات العامة، وهي شاعرة اسمها هادية، فتقتفيان آثار بعضيْهما البعض، بين الرغبة والقنوط، البقاء والهروب، محاصرتين بهوس ولادة جديدة.

العمل لم يخل من السخرية السوداء ويرتكز على ثنائيات منها "الألم والأمل" و"النور والظلمة" و"الحياة والموت"

مسرحية “قمرة دم” حيرة وجودية بين المقاومة والهروب من الواقع. يتألف عنوانها من مصطلحيْن متناقضيْن: يفيد المصطلح الأول “القمر” معاني الجمال والحب والنور والحياة وانقشاع الظلمات، أما المصطلح الثاني “الدم” فيرمز إلى الجريمة والعنف والموت، وللعنوان أيضا دلالة علمية تحيل على معنى الخسوف الكلّي للقمر، بحيث يُصبح أحمر بلون الدم.

وفي أحداث المسرحية، عبّر العنوان عن مجموعة من التناقضات للواقع المعيش للإنسان: فمعاني الجمال والحب والفرح في الظاهر، أخفت وراءها أوجاعا وآلاما في الباطن، وما اختيار “قمرة دم” عنوانا لهذا العمل إلا لكونه يمثّل صورة مجهرية تقريبيّة عن الثورة التونسية وعن دماء الشهداء التي سالت في سبيل التحرّر من الدكتاتورية، وكذلك عن شهداء ما بعد 14 يناير 2011 من القوات الحاملة للسلاح الذين فدوا الوطن بدمائهم دفاعا عن قيم الحرية والديمقراطية، وإرساء ثقافة التنوع ضدّ ثقافة الموت التي تتبناها التيارات الدينية التكفيرية.

وارتكز العمل الذي لم يخل من السخرية السوداء، على ثنائيات “الألم والأمل” و“النور والظلمة” و“الحياة والموت”، وهذه الثنائيات المتضادّة تجلّت في أساليب عديدة منها

النص والسينوغرافيا ولعب الممثلتين على الركح وملابس الشخصيتيْن، وكذلك في الإضاءة والسخرية السوداء وغيرها.

وتنتهي المسرحية بالحلم كأحد العناصر للتخلّص من مأساة الواقع، حتى وإن كان الحلم باختيار الإنسان لطريقة موته، كما فعلت إحدى الشخصيتين، لكن الأمل في غد مشرق يظل قائما رغم الخيبات.

14