"قمر هادي".. عودة لدراما الألغاز والتشويق المتصاعد

الفنان هاني سلامة يجدد حضوره بقصة غريبة تطرح ألغازا يومية، والمسلسل منح فرصة للاعتماد على الكثير من الشباب في أدوار ثانوية.
الاثنين 2019/05/27
شاب ثري يكتشف جوانب خفية في حياته

في بعض الأعمال الدرامية يختطفك المشهد بحثا عن إجابات لأسئلة عصية، لتصطدم كل يوم بأسئلة إضافية تجعل التفسير برمته ضرورة يبحث عنها المشاهد، ليبدو الأمر أشبه بماء مالح يصب في جوف متعطش لشربة ماء فيزيده عطشا. ومن بين مسلسلات رمضان هذا العام نجد مسلسل “قمر هادي” مندرجا في هذه النوعية من الأعمال الدرامية.

يأتي المسلسل المصري “قمر هادي” المعروض على عدد من القنوات العربية، بطولة هاني سلامة، داليا مصطفى، يسرا اللوزي، وهادي الجيار، نموذجا لاختطاف ذهن المشاهد اعتمادا على التشويق المبالغ فيه، الذي يطغى أحيانا على سلاسة الأحداث.

المسلسل من إخراج رؤوف عبدالعزيز، وتأليف إسلام حافظ، ويدور في إطار تشويقي، ويتعرض هادي أبوالمكارم رجل الأعمال الشاب، ويقوم بدوره الفنان هاني سلامة، ومعه أسرته لحادث سيارة يفقد فيه ابنته الوحيدة فيروز، ويخرج مثقلا بالهموم، مجافيا لزوجته مريم التي تقوم بدورها الفنانة داليا مصطفى، ثم يلجأ بعد ذلك إلى الخمر لنسيان ذكرياته الجميلة مع ابنته التي كانت تمثل له بهجة الحياة، على الرغم من ثرائه وحياته المترفة في ظل إدارته لشركة تجارة سيارات مع شقيقه عصام ويقوم بدوره الفنان محسن محيي الدين.

الزوجة والصديقة

تتسبب حالة السكر المتكررة في إصابة هادي في حادث سيارة آخر، لكنه يكون وحيدا هذه المرة، ليفيق في المستشفى ويجد ابنته فيروز إلى جواره، ويندهش كيف ماتت وعادت مرة أخرى إلى الحياة، ثم يصطدم بمفاجأة أخرى، وهي أن يجد زوجته مريم سيدة أخرى غير التي عرفها طوال عمره، تقوم بدورها يسرا اللوزي، بينما يرى زوجته الأولى (داليا مصطفى) باسم آخر هو سلمى وبوضع آخر هو أنها صديقة لزوجته. يحاول هادي إيجاد تفسير لما حدث، فيصر شقيقه عصام على تأكيد الوضع القائم والقول بأنه مريض ويحكي له أنه استمر في غيبوبة بعد الحادث لمدة ستين يوما، وسوف يستعيد ذكرياته تدريجيا.

البطل يعرف أن الحصول على إجابات للألغاز المحيطة به لن يتم إلا بتصحيحه لأخطاء الماضي ويبدأ في ذلك

عندما يلجأ هادي إلى أصدقائه يكررون قول شقيقه واتفقوا جميعا على ضرورة لجوئه إلى الطبيب لمحو الهلاوس من رأسه.

يصر هادي على أن زوجته مريم ليست هي مريم الحقيقية، ويحاول دفع سلمى، صديقة زوجته إلى الاعتراف بأنها مريم زوجته، وأن السيدة التي تدعي أنها مريم كاذبة، لكنها تردد نفس ما يردده كل مَن حوله.

يتجه هادي إلى التسليم ظاهريا لمن حوله بأن كل ما يقولونه صحيح، ومقتنع بأن زوجته يسرا اللوزي وليست داليا مصطفى، ويبدأ في محاولات استشكاف الحقيقة، ليصطدم كل يوم بمفاجآت عديدة تدور حول كل أفراد عائلته ومعارفه، ثم نكتشف رويدا أنه كان تاجرا سريا للمخدرات وصديقه الأقرب رامز (مراد مكرم) مات بجرعة مخدرات زائدة أعطاها له في إحدى الليالي.

يعرف البطل أن الحصول على إجابات شافية للألغاز المحيطة به لن يتم إلا بتصحيحه لأخطاء الماضي، ويبدأ عمليا في ذلك مستعينا بمساعد له يدعى رجاء ويقوم بدوره الفنان رشدي الشامي، وكان يعمل معه في المخدرات لكنه تاب مؤخرا.

تربط فكرة المسلسل المشاهد به بشكل يومي، بحثا عن خيوط تقود إلى الحقيقة التي لن تكون سهلة، كأن يكتشف البطل مثلا أنه يعاني من هلاوس، أو يستيقظ من النوم في آخر الحلقات. وهذا ما حرص على تكريسه العمل كل يوم ليدفع كل مشاهد إلى تخمين حلول يعتقد أنها منطقية.

جرعات من التشويق دون مساس بمنطقية الأحداث
جرعات من التشويق دون مساس بمنطقية الأحداث

جاء أداء الفنان هاني سلامة قويا ومؤثرا، وقريب الصلة بالدور الذي لعبه في فيلم “خيانة مشروعة”، كرجل ثري يحاول تصحيح حياته في الوقت الخطأ. ويبدو ذلك الدور مناسبا لنظراته القوية الموحية بغضب مستعر، ووسامته اللائقة مع كونه رجلا محبوبا من النساء، مستهترا، شديد النرجسية.

أما الفنان محسن محيي الدين، ويقوم بدور عصام شقيق هادي، فظهر بلحيته البيضاء متناسبا مع رجل أعمال متوسط العمر، له خبرات ونظرات في الحياة، ويتمتع بقسوة قلب وهيبة واضحة، وقوة تأثير في الآخرين، حتى أن عمه  كمال أبوالمكارم (هادي الجيار) يحاول دوما استرضاءه.

الغريب أن الفنان محسن محيي الدين، الذي اعتزل الفن لنحو عشرين عاما وعاد إلى الدراما في 2012، لديه موهبة تمكنه دوما من التنقل من دور إلى آخر، دون أن يحمل ذلك تشويشا على المشاهد الذي يراه شخصية مضحكة باقتناع في مسلسل كوميدي، ثم يقتنع به أيضا وهو يؤدي دور شخصية جادة في عمل درامي.

أدوار غير معلومة

الاعتماد على فكرة “الفلاش باك”
الاعتماد على فكرة “الفلاش باك”

كانت داليا مصطفى أكثر قدرة على التعبير عن امرأة مجبورة على أمر تكرهه، إذ توحي نظراتها أنها تؤمن يقينا بكونها الزوجة الحقيقية لهادي، لكنها ملتزمة بأداء دورها غير المعلوم  لتصبح صديقة للزوجة.

ويشعر المشاهد أن أداء يسرا اللوزي، كزوجة مزيفة لهادي، باهت في ظل قلة الحوارات المنسوبة لها، وطول فترات صمتها في الكثير من المشاهد، والاكتفاء بنظرات لا تشي بأي إحساس حب حقيقي تجاه زوجها المفترض أو حتى إحساس كراهية وتآمر.

كان الأداء الأروع من نصيب الطفلة ريم عبدالقادر التي قامت بدور فيروز، ابنة هادي أبوالمكارم، ونجحت في أن تبدو تلقائية وقادرة على تصدير الإحساس بالخوف والحزن في الكثير من المشاهد. وعرفها الجمهور من قبل في مسلسلات مثل “سُك على إخواتك”، و”هربانة منها”، و”الطوفان”.

يمكن القول إن المؤلف الشاب إسلام حافظ، صاحب الواحد والثلاثين عاما، نجح في صياغة عمل شديد التركيب والتعقيد، اعتمادا على اهتماماته السابقة ودراساته لعلم النفس وعلوم الطاقة، لأنه في الوقت نفسه عمل ممثلا في عدة أفلام سابقة، أشهرها فيلم “كف القمر”، من إخراج خالد يوسف، وبطولة خالد صالح، إنتاج عام 2011.

يعد مسلسل “قمر هادي” العمل الثالث الذي يقوم بتأليفه بعد مسلسلي “حكايات بنات”، و“علامة استفهام” والذي يعرض أيضا على بعض الشاشات في رمضان الحالي.

يعتقد الكثير من النقاد أن الثيمة المعتمدة في مسلسل “قمر هادي” قريبة من تلك المعتمدة في “علامة استفهام”، ففي الأخير يقدم المؤلف قصة شاب ثري يكتشف جوانب خفية في حياته ويبدأ في تغييرها، ويشاهد الجمهور العمل وهو محمل بالكثير من الألغاز التي تحتاج وقتا لمعرفة خيوطها.

يعرف المخرج رؤوف عبدالعزيز، وعمل مع هاني سلامة من قبل في مسلسلي “فوق السحاب” و“طاقة نور”، كيفية استغلال قدرات البطل وتوظيفها لتتناسب مع إحساسه بشخصية هادي أبوالمكارم. ومع أن الكثير من المشاهدين لا يحبذون الاعتماد على فكرة “الفلاش باك” كوسيلة لاستعادة أحداث مضت لتوضيح جوانب ما، إلا أنها جاءت متسقة مع محاولات بطل العمل لتذكر ما جرى له من قبل.

 بدا المخرج مميزا في ضخ جرعات من التشويق بشكل تدريجي دون مساس بمنطقية الأحداث، لكن الحفاظ على ذلك حتى نهاية الحلقات يمثل تحديا صعبا، لأن المشاهد لن يقبل بخداعه، ولن يرضى بأي تصور لحل الألغاز غير منطقي.

ويؤاخذ البعض من المشاهدين على العمل منطقيته في بعض المشاهد، وأبرزها مشهد انقلاب السيارة بهادي وأسرته في الحادث الأول، إذ ظهرت السيارة دون موتور، وكأنها سيارة كهربائية. فضلا عن صعوبة أن يتعرض شاب معروف بين أقرانه بأنه محترف سباق سيارات، مثل هادي، لحادثتين متتاليتين الفارق بينهما ليس طويلا. كما أن مشهد قيام الابنة فيروز بقتل كلبها خنقا باستخدام وسادة كان ساذجا.

كانت الاستعانة بالفنان محمد ناصف لعمل الموسيقى التصويرية للمسلسل موفقة، لأنه متخصص في الأعمال المثيرة ذات الطابع البوليسي، ولديه قدرة على رسم الغموض والتشويق عبر مقاطع معينة، ومعروف لدى الشباب بأنه مؤلف موسيقي كبير للروايات الجديدة.

منح المسلسل فرصة للاعتماد على الكثير من الشباب في أدوار ثانوية، مثل كريم سرور، رحاب عرفة، مؤمن نور، وعمرو العمروسي، وهي خطوة موفقة لدعم وتشجيع المواهب الجديدة.

حرص العمل على مخاطبة المشاهدين الشباب، لأنهم مغرمون بالألغاز، ومولعون بالمفاجآت، وينتظرون دوما كل ما هو غير معتاد وغريب، لذا انجذبوا للعمل وتابعوه. ويبقى الرهان مطروحا عبر التساؤل المنطقي: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا اللون من الدراما المعقدة؟ وهل يمكن اعتباره بداية لتطوير الدراما المصرية؟

15