قمصان وعمائم

في المدرجات، تشابه ظهور المرأة الإيرانية مع ظهور المرأة الروسية. ألوان العلم على الخدود، وضحكات هستيرية ونُثار من القبلات الهوائية، بالترافق مع لقطات الأداء، ولا ندري ماذا كن سيفعلن لو أن فريقهن اكتسح الفرق الأخرى؟
الأحد 2018/07/08
الإيرانيات في مونديال روسيا يحققن فوزا ثمينا على الملالي

حققت النساء الإيرانيات في مونديال روسيا فوزا ثمينا على أشد الملالي تطرفا. ولم يُحسب هذا الفوز بالأهداف، وإنما بإيحاءات ضمنية ذات دلالات بعيدة تلامس السياسة.

 ففي روسيا التقت عمائم الملالي مع مرتديات القمصان بأكمامها القصيرة، على عاطفة واحدة جمعت الطرفين. فكان ما تتمناه السافرة التي لوّنت خدّيها أو تخشاه، هو نفسه الذي يتمناه الملالي أو يخشونه. ولعل هذا هو إحدى كرامات الساحرة المستديرة والمستطيل الأخضر. ومن المفارقات أن اللقاء جاء سُفليا يتعلق بأقدام اللاعبين وأحذيتهم، وبروح الفريق وطموحات الإنسان الإيراني إلى علو الشأن.

الفتاتان “كانيا” و”باريا” مشجعتان متحمستان لكرة القدم في بلديهما الذي تمنع سلطاته المرأة من مشاهدة مباريات الكرة من المدرجات، بذريعة أن سمة هذه المدرجات ذكورية صرفة. وكم تمنَّت البنتان أن تكون المدرجات مختلطة شبيهة بتظاهرات إسقاط الشاه في شتاء العام 1979، لأن الهتاف للفريق الإيراني اليوم يصبّ في اتجاه الهتاف للخميني في الأمس، وإلا لماذا تتعلق أفئدة الملالي بفريق الكرة؟

في مارس الماضي، سمعت البنت “باريا” أن الحكومة خففت القيود على مشاهدة النساء مباريات كرة القدم من المدرجات. فاعتمرت غطاء رأسها وتوكلت على الله لكي تحضر هي و29 امرأة، إلا أن الشرطة ألقت القبض عليهن جميعا وسجنتهن ليلة واحدة وأفرجت عنهن بعد الإمضاء على تعهدات بعدم تكرار المحاولة الخبيثة. لكن “باريا” و”كانا” استعدتا للسفر إلى روسيا لحضور المونديال، واشترت الفتاتان مبكرا بطاقات الدخول لمشاهدة كل المباريات التي يشارك فيها فريقهن. وهناك في كازان، عاصمة جمهورية “تتارستان” المسلمة ضمن روسيا الاتحادية، فوجئت الفتاتان بنساء إيرانيات يربو عددهن على عشرة آلاف، يحضرن مباراة فريقهن مع إسبانيا، ومعظمهن جئن من أوروبا وأستراليا وأميركا، ليصبح عدد الإيرانيات يمثل أعلى نسبة حضور نسائي للمباريات بعد الروسيات.

ربما يتولى المحللون الاجتماعيون معاينة خلجات قلوب اللاعبين، ليعلموا هل كان نجوم كرة القدم يريدون إسعاد الملالي قبل إسعاد المشجعات أم العكس. أما محللو السياسات، فيتعيّن عليهم القيام بمعاينة أخرى، لمعرفة مدى علاقة الحضور النسائي الإيراني على المدرجات، بتنامي المجتمع المدني الناشط في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالمرأة رافد قوي لحركة المجتمع المدني، مثلما كانت رافدا لحركة الشارع في تظاهرات إسقاط الشاه!

في المدرجات، تشابه ظهور المرأة الإيرانية مع ظهور المرأة الروسية. ألوان العلم على الخدود، وضحكات هستيرية ونُثار من القبلات الهوائية، بالترافق مع لقطات الأداء، ولا ندري ماذا كن سيفعلن لو أن فريقهن اكتسح الفرق الأخرى؟

24