قمع الاحتجاجات يهدّد باستنزاف شعبية العبادي

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يتخوف من مساع لتحميله مسؤولية الأزمة وإفشال حلمه بولاية جديدة.
الأربعاء 2018/07/18
احتجاجات تربك الطبقة السياسية

بغداد - حذرت أوساط سياسية عراقية من أن لجوء رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى قمع الاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ أيام والعمل على التعتيم عليها، سيبدد ما تبقى من شعبيته التي صنعها الانتصار على تنظيم داعش.

وأكدت مصادر عسكرية رفيعة في بغداد لـ”العرب” أن “العبادي أصدر أوامر بإرسال قطعات عسكرية إلى مختلف مدن وسط وجنوب العراق، التي يتظاهر سكانها ضد شيوع الفساد وسوء الإدارة والنقص الحاد في الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والمستلزمات الصحية”.

واستخدمت الشرطة العراقية الهراوات والخراطيم لتفريق نحو 250 محتجا تجمعوا عند المدخل الرئيسي لحقل الزبير النفطي الضخم في مدينة البصرة.

وقال المتحدث العسكري العميد يحيى رسول في مؤتمر صحافي إن قوات الأمن لن تسمح لأحد بالعبث بالأمن والنظام بالاعتداء على المنشآت العامة والخاصة والحكومية وكذلك الاقتصادية.

وكان رسول نفى استخدام الرصاص الحي ضد المحتجين وسط تساؤلات عن الجهة التي تقف وراء مقتل عشرة متظاهرين منذ انطلاق الاحتجاجات.

الهراوة ليست أداة وحيدة للقمع
الهراوة ليست أداة وحيدة للقمع

ويقول صحافيون وسكان محليون إن معظم المؤسسات الحكومية وشركات النفط في مدن الوسط والجنوب، باتت محاطة بأرتال عسكرية جرارة، تتضمن الكثير من الأسلحة الثقيلة، ما يكشف عن نية حكومية لمواجهة الاحتجاجات بالقوة.

وبالرغم من أن مطالبات المحتجين لا تزال محصورة في الجانب الخدمي، فإن هناك خشية لدى أطراف سياسية ودينية عديدة من أن تخرج تلك المطالبات من ذلك النطاق لتنتقل إلى الجانب السياسي. وهنا يبرز جليا الدور الذي تلعبه الميليشيات الموالية لإيران في الحث على الرد الحاسم والسريع على الاحتجاجات بطريقة تؤدي إلى إنهائها بسرعة قبل أن تخرج أهدافها عن نطاق السيطرة.

وتشهد 9 محافظات عراقية في الوسط والجنوب، فضلا عن أجزاء من بغداد، مظاهرات متفرقة، تحرص أجهزة الأمن على التعامل معها سريعا ومنع اتساع نطاقها باستخدام القنابل المسيلة للدموع والمياه الحارة والرصاص الحي في بعض الأحيان.

وقالت مصادر في وزارة الصحة العراقية إن حصيلة ضحايا الاحتجاجات حتى الآن تشمل مقتل 10 أشخاص على الأقل وإصابة نحو 250 آخرين بجروح متفرقة، فضلا عمّا أوردته وزارة الداخلية عن إصابة نحو 100 شرطي ورجل أمن.

وأوقفت أجهزة الأمن المئات من المتظاهرين، وما زالت حتى الآن تصدر مذكرات القبض بحق آخرين. وبينما أجبر المتظاهرون بعض المحافظات على إطلاق سراح زملائهم المعتقلين على غرار ما حدث في محافظة ذي قار، ترفض محافظات أخرى كالنجف، إطلاق سراح أي معتقل على خلفية التظاهر إلى حين عرضه على القضاء.

ويقول نشطاء إن أجهزة الأمن العراقية تحصل على ما تشاء من الأوامر القضائية لاعتقال المتظاهرين من دون تدقيق، وهو على ما يبدو سلاح لترهيب المحتجين.

ويخشى النشطاء من أن تؤدي عمليات تفريق التجمعات التي تنفذها أجهزة مكافحة الشغب التابعة للحكومة وعمليات الاعتقال الجماعي للمتظاهرين، إلى وأد حركة الاحتجاج.

ولم تكتف الحكومة بمحاصرة المظاهرات على الأرض، بل قطعت الإنترنت وحجبت معظم مواقع التواصل الاجتماعي لمنع المحتجين من تنسيق جهود الاحتجاجات والحد من متابعة السكان والاطلاع على تطورات حركة الاحتجاج.

وهبطت هذه الإجراءات بشعبية العبادي إلى مستويات غير مسبوقة. ووجه مدونون اعتادوا مساندة الحكومة العراقية، نقدا لاذعا لرئيس الوزراء خلال الأيام القليلة الماضية، من على منصات التواصل الاجتماعي كلما حانت الفرصة.

ويجمع مراقبون على أن العبادي أضر كثيرا بالصورة التي رسمها العراقيون للقائد الذي قاد الحرب على تنظيم داعش وأنجز نصرا كبيرا.

وتقول مصادر سياسية إن العبادي الذي حاول الاستنجاد بالأطراف السياسية العراقية المختلفة، التي تخشى على مصيرها من هذه التطورات، لحثها على نبذ خلافاتها والتوحد في وجه المظاهرات، يخسر المزيد من حظوظه في ولاية ثانية.

وقال مراقب سياسي عراقي “إن العبادي يجد نفسه واقفا بين خيارين. الأول يكمن في محاولة استرضاء المحتجين عبر وعود صار واضحا أنه لن يقوى على تنفيذها، والثاني يتلخص في الاستجابة لمخطط التعامل بعنف مع المظاهرات من أجل ألا تنقلب الميليشيات عليه وتأخذ زمام المبادرة في التعامل مع الشارع″.

وأشار المراقب في تصريح لـ”العرب” إلى أن العبادي الذي صار يعاني من عزلة سياسية فاقمتها الاحتجاجات غير المتوقعة، يخشى أن يبدو الرجل الأضعف في المشهد السياسي العراقي إذا ما نزلت الميليشيات إلى الشوارع ضاربة عرض الحائط بما كان شائعا من أنها تتلقى الأوامر منه، وهو ما يمكن أن يقوده إلى إعطاء أوامره لقوات الجيش والأمن بالصدام مع المحتجين لإثبات شيء من القوة في مواجهة خصومه الذين يحاولون تبرئة أنفسهم مما انتهت إليه الأمور من أوضاع سيئة وتحميله وحده المسؤولية.

وعقد رئيس الوزراء العراقي، ليل الاثنين، اجتماعا مع قادة وممثلي الكتل السياسية لمناقشة الأوضاع العامة في البلاد.

وبحسب بيان رسمي، فقد “أجمع قادة الكتل السياسية على حق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي وتفهمهم لمطالب المواطنين المشروعة والعمل على تلبيتها ورفضهم وإدانتهم للتجاوزات التي حصلت على الممتلكات العامة والخاصة ومؤسسات الدولة والاعتداءات على القوات الأمنية التي حررت الأرض من الإرهاب ولا تزال تلاحق جيوب العصابات الإرهابية”.

وأكد المجتمعون “على دعم القوات الأمنية في سعيها لحفظ الأمن والنظام في البلد وضرورة أخذ الموافقات على أي مظاهرة يحدد فيها الزمان والمكان والجهة والتعهد بسلميتها”.

وشدد المجتمعون على “ضرورة الإسراع بتشكيل لجنة لمتابعة الإجراءات الحكومية بالإصلاحات السريعة لتأمين حلول عاجلة للمشكلات الخدمية والإدارية وبما يتصل بضرب الفساد لضمان أداء أفضل لمؤسسات الدولة لتلبية حاجات المواطنين الملحة”.

وقال مراقبون إن الاجتماع العاجل والبيان العام الذي صدر عنه، لم يتضمنا جديدا ولكنهما برهنا على تمسك الطبقة السياسية العراقية بامتيازاتها الناجمة عن هيمنتها على مقدرات الدولة.

وتقول مصادر سياسية في بغداد إن العبادي حاول إقناع المجتمعين بضرورة الإسراع في إجراء مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، لكنه لم يحصل على وعود واضحة منهم. وتضيف المصادر، أن “الأطراف السياسية العراقية لن تتضرر لو تركت العبادي يواجه مصيره السياسي أمام الغضب الجماهيري، وهي ربما تكون فرصة للتخلص منه”.

وأشارت المصادر إلى أن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، الذي تخلف عن حضور هذا اللقاء، بعث برسالة إلى الأطراف السياسية تشير إلى أنه يتبنى مطالب المحتجين، وهو ما فسره مراقبون بمحاولة استغلال لحظة ضعف العبادي وركوب موجة المظاهرات التي تهدّد جميع مكونات المشهد بما في ذلك المرجعية التي تتهم بمسايرة الحكومات المتعاقبة والتستر على أخطائها.

ويرى المراقب العراقي أنه ما لم تخرج المرجعية الدينية عن صمتها المريب فإن الاحتجاجات قد تطالها، ما يفتح الباب لمعرفة الأسباب الحقيقة التي حالت بين الشعب وبين التعبير عن رفضه لسياسة الحكومات الطائفية التي قامت بعد الاحتلال، مشددا على أن تلك الأسباب ستكشف عن الدور الذي لعبته المرجعية عبر السنوات الماضية في تضليل الشعب تحت غطاء الخوف على المذهب.

وتلقت طموحات العبادي، في إيجاد مخرج قريب لأزمة الكهرباء في العراق، لطمة جديدة عندما أوقفت إيران تزويد الجار العراقي بالطاقة بشكل مفاجئ، متذرعة بشحّة داخلية تواجهها.

وذهب وزير الكهرباء العراقي إلى إيران لإقناع مسؤوليها بالعدول عن هذا القرار، الذي تزامن مع زيادة كبيرة في درجات الحرارة، لتبلغ نصف درجة الغليان في بعض المناطق، من دون جدوى.

ولتلافي هذه الأزمة أمر العبادي بتشكيل وفد وزاري يترأسه وزير التخطيط سلمان الجميلي، ويضم في عضويته وزيري الكهرباء والنفط، للتباحث مع المملكة العربية السعودية، في إمكانية توقيع مذكرة عاجلة في ملف الطاقة.

إقرأ أيضاً:

1