قمّة دكا.. خطوة استباقية لقفزة ترامب

قمة دكا التي لم تحظ بالكثير من التغطية الإعلامية على أهميتها، تؤكد ضرورة بحث الفلسطينيين عن البدائل الحقيقية لمسار التسوية، وهي بدائل تقوم على ثلاثية الوسيط البديل، والداعمين الاقتصاديين الجدد، والمصالحة الوطنية الشاملة.
الأربعاء 2018/05/09
لا يواكب التطلعات

لم يجانب اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في دكا عاصمة بنغلاديش، التوقعات السياسية والاستراتيجية من حيث استباق إجراءات نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، منتصف الشهر الجاري.

حيث أكد الاجتماع الخامس والأربعون لوزراء خارجية المنتظم الإسلامي الذي اختتمت أعماله الأحد الماضي، على محورية القدس في وجدان القضية الفلسطينية ومركزيتها صلب الفضاء العربي والإسلامي، مشيرا إلى رفضه للقرار الأميركي الذي انسحب على مجموعة من الدول التابعة لواشنطن.

من الواضح أنّ اجتماع دكا هو تكملة للقمة العربية الأخيرة بالمملكة العربية السعودية، وتكريس لمخرجات البيان الختامي لقمة القدس، من حيث تجميع القرارين العربي والإسلامي ضمن بوتقة رفض الخطوات التصعيدية للبيت الأبيض.

استراتيجيا يتنزّل اجتماع دكا ضمن 3 سياقات تخصّ الصراع العربي الفلسطيني، وهي سياق الاستعداد للنقل النهائي للسفارة الأميركية إلى القدس، والكشف عن فصول صفقة القرن، والثالث إحياء الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية.

صحيح أنّ الإجراءات المعتمدة سواء في مستوى القمة العربية أو الإسلامية غير قادرة على لجم واشنطن ودفعها إلى التراجع عن قرارها الأرعن، ولكنها في المقابل تؤكد أن الخطوة لن تحظى بموافقة عربية أو إقرار إسلامي. ولئن كانت القدس هي مفتاح صفقة القرن ومحددات التصور الأميركي – الترامبي حيال التسوية في الشرق الأوسط، فإن الحل المتمثل عربيا وإسلاميا يتلخص في مقولة أن الحلول التسووية تبدأ من القدس وتنتهي إليها.

لا يوجد في فريق دونالد ترامب الحالي من صقور اليمين الصهيوني، من يعتبر أن حل الدولتين هو الحل المعقول والمنطقي والملائم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي كل خطاب من خطابات ترامب تطغى عبارة “أمن إسرائيل ويهوديتها” على عبارة “حل الدولتين” التي بالكاد قالها مرة أو مرتين منذ انتخابه.

كما لا يوجد في البيت الأبيض اليوم من يعتبر أن مسار السلام في الشرق الأوسط يبدأ من القرارات الدولية وعلى رأسها تلك الخاصة بمدينة القدس، لذا فإن كافة البيانات والاجتماعات تكون بمثابة الصرخة في بئر سحيقة ما لم تُردف بإجراءات عملية وتطبيقية.

والحقيقة التي يجب ذكرها في هذا السياق أن جزءا من انفضاض المنتظم العربي والإسلامي عن القضية الفلسطينية نابع من مأسسة الانقسام ومن أوهام دولنة الضفة أو القطاع، ومن حالة التشرذم التي باتت منسحبة على كافة مفاصل العمل الفلسطيني، بدءا من منظمة التحرير الفلسطينية مرورا بالمجلس الوطني الفلسطيني، وليس انتهاء بمشهدية التفكيك الهيكلي والبنيوي بين ما تبقى من أرض المقاطعة في الضفة، وبين ما بقي من السجن الكبير في القطاع.

لا يعني هذا الأمر تبرئة بعض العواصم العربية من لوثة الرهان على الانقسام، والسعي الدؤوب إلى تأبيده ومأسسته، ولكن في المقابل فإن الدعم والتأييد والتضامن أمور مربوطة بوحدة الصفّ وبتوحيد المسلكيات النضالية وبوضوح الاستراتيجية، وهي متعذرة بشكل كبير في المشهدية الفلسطينية وقد زاد الاستعصاء وضوحا وجلاء بعد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الأخير.

أزمتان كبيرتان، ستعرفهما المنطقة خلال الأيام القليلة القادمة، الأولى كامنة في إمكانية انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران، والثانية متمثلة في نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

ولئن سلمنا بأن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي قد يؤخر فرص السلام ويقدم فرضيات الحرب، فإن نقل السفارة سيقوّض تماما آمال التسوية مع ما سيحمله هذا القضاء من بدائل فوضى وتصعيد شامل.

المفارقة أن ورقة القدس سيتم التعامل معها مصلحيا من قبل واشنطن وطهران على حد السواء، فترامب يريد من الإجراء حشد اللوبي اليهودي وراءه في الانتخابات النصفية القادمة حتى يتمكن من تجاوز حالة البطة العرجاء، والتأكيد بأنه الرئيس الأميركي الوحيد القادر على تنفيذ الوعود وكسر الحواجز والخطوط الحمراء لكافة الرؤساء القدامى، في حين أن الماكينة الإعلامية والدعائية الإيرانية لن تتوانى في حرف الأنظار عن قضايا الصواريخ الباليستية وأسئلة البرنامج النووي إلى مواضيع “جيش القدس” و“اليوم العالمي للقدس” و“مواجهة الاستكبار” وهي عناوين دعائية طالما أنها لم، ولن، تتلازم مع مقتضيات القول ومستلزمات المنطوق.

قمة دكا التي لم تحظ بالكثير من التغطية الإعلامية على أهميتها الاستراتيجية، تؤكد ضرورة بحث الفلسطينيين عن البدائل الحقيقية لمسار التسوية، وهي بدائل تقوم على ثلاثية الوسيط البديل، والداعمين الاقتصاديين الجدد، والمصالحة الوطنية الشاملة.

في المحصلة، لن تعطي واشنطن شيئا للفلسطينيين، فهواها إسرائيلي وهوية إدارتها الحالية صهيونية محض، كما لن تعطي طهران شيئا للقضية الفلسطينية إلا أوهام خطابات سياسية أو دعما يُقصد منه تكريس الانقسام ومأسسته. وما بين المسارين يجب على الفلسطينيين البحث عن البدائل الحقيقية والمسارات الناجعة والناجحة لتأمين الحدّ الأدنى من حقوق التاريخ والجغرافيا السليبة.

9