قم تتمرد: الحداثة تتغلغل في قلب العاصمة الدينية لإيران

ملامح التغيرات المجتمعية تنعكس على الشارع الإيراني، والهوية الدينية لا تزال في العمق على حالها.
الخميس 2019/02/07
جيل جديد يدخل بقوة عالم الفضاء الإلكتروني

نجحت الحداثة في اختراق الطابع المحافظ والمتدين لمدينة قم التي تعتبر مهد الثورة الإيرانية ومن أكثر الأماكن المقدسة لدى الشيعة فحوزتها العلمية تعد ثاني أهم مرجعية دينية بعد حوزة النجف في العراق، كما أن هذه المدينة تستضيف المؤتمرات الدينية الشيعية. وبرزت مظاهر الحداثة في قم من خلال ارتداء النساء للملابس العصرية بألوان زاهية وعرض ملابس السهرة البراقة في واجهات المحلات، بالإضافة إلى التحول اللافت في البنية التحتية بأنماط كانت مرفوضة في السابق.

قم (إيران) - وجدت مظاهر الحداثة التي تبرز في إيران طريقها أيضا إلى مدينة قم رغم الحضور الطاغي للثورة الإسلامية فيها حيث تعد العاصمة الدينية للبلاد ومهد الثورة الإسلامية، مما يجعل من ملامح التغيير والحداثة التي بدأت تتغلغل في المدينة تحديا بالنسبة للمحافظين.

في العام 1963 ألقى الإمام روح الله الخميني، الذي كان نجما صاعدا في تلك الفترة، خطابا ناريا هاجم فيه الشاه محمد رضا بهلوي بسبب برنامجه الإصلاحي المدعوم من الولايات المتحدة في حدث مثّل إحدى بوادر الثورة الإسلامية.

وبعد عام من ذلك، ألقى الخميني خطابا جديدا عارض فيه منح المستشارين العسكريين الأميركيين الحصانة الدبلوماسية، معتبرا أن ذلك يضع “الشعب الإيراني في مستوى أدنى من مستوى كلب أميركي”.

ونُفي الخميني في ذلك الوقت من إيران، لكن الثورة التي أسس لها أعادته مظفرا إلى البلاد في فبراير العام 1979 وأطاحت بحكم الشاه وأسست للجمهورية الإسلامية.

في قم، لا يزال منزل الخميني والحديقة التي ألقى منها ذلك الخطاب على حالهما من دون أي تغيير.

ويقول محمد يزدي، وهو تلميذ سابق للخميني يتولى حاليا الاهتمام بالمنزل، “لا شك في أنه كان صاحب شخصية قوية، لكن الأهم من ذلك أن خطابه كان واحدا للجميع”.

ويضيف “كان دائم التهذيب. إذا وجّه له أحدهم سؤالا وهو في طريقه إلى المسجد، يتوقف ويجيب عن السؤال”.

انتشار الاتصالات عبر الإنترنت مؤخرا بات أكبر تغيير اجتماعي تشهده المدينة، ويشكل نوعا من التحدي لرجال الدين

وتقع مدينة قم على بعد نحو 160 كيلومترا جنوب العاصمة طهران، وهي أحد أكثر الأماكن المقدسة لدى الشيعة، وتعتبر الحوزة العلمية فيها ثاني أهم مرجعية دينية بعد النجف. وتعقد في المدينة العشرات من المؤتمرات الدينية الشيعية، ويعتبر الكثير من أئمتها مرجعيات دينية.

وشهدت المدينة تغييرا كبيرا مع ظهور جسور ومبان شاهقة كانت في الماضي مظاهر مرفوضة من المؤسسة الدينية باعتبار أنها تشكّل انتهاكا لخصوصية المنازل المجاورة.

وتعرض المحال الجديدة في واجهاتها عارضات بملابس سهرة براقة كانت تستقطب تحذيرا من الشرطة قبل بضع سنوات. لكن حاليا يمكن رؤية نساء من المدينة بملابس أكثر عصرية ذات ألوان زاهية، ولو أن لباس “التشادور” لا يزال هو الطاغي.

ويقول العلامة مهدي أبوطالبي، الدكتور في العلوم السياسية في مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والأبحاث في قم، إن هذه التغييرات المجتمعية لا بد منها. ويوضح لوكالة فرانس برس “هناك موجة قادمة، ومن الصعوبة بمكان أن نوقفها”.

ويضيف أبوطالبي “إنه أمر طبيعي… بوجود الفضائيات وسهولة الوصول للإنترنت، بدأت الحداثة الغربية بدخول البلاد أكثر فأكثر، لذا تبدو قم اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل بضع سنوات”.

ويتابع العلامة “لكن هذا لا يعني أن الإسلام قد فقد جاذبيته. وبالفعل، فإن مآذن مرقد فاطمة المعصومة، القلب النابض للمدينة، تصدح في كل أنحاء المدينة”.

ويقول أبوطالبي “الكثير من التغييرات التي ترونها تقتصر على القشور. الهوية الدينية للمجتمع لا تزال في العمق على حالها”.

ويقول زميله في المركز إبراهيم حسيني إن الثورة نجحت في وضع إيران على الخارطة العالمية.

ويضيف “الأثر الأهم هو أن المسلمين والإيرانيين وجدوا هوية لهم في العالم”، ويتابع “الآن حتى رئيس الولايات المتحدة يشعر أنه مجبر على تهنئة الإيرانيين بعيد الفطر أو النوروز (رأس السنة الإيرانية)”.

وبات انتشار الاتصالات عبر الإنترنت مؤخرا أكبر تغيير اجتماعي تشهده المدينة، ويشكل نوعا من التحدي لرجال الدين. وتمكّن الخميني من استغلال شبكة لا مثيل لها من المساجد والمراكز الدينية في إيران لنشر رسالته ولتعبئة الحشود.

لكن السلطات الإيرانية تخوض اليوم معركة خاسرة ضد شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك مردّه جزئيا إلى الانقسام الداخلي بين مؤيدي فرض رقابة مشددة على هذه المواقع على الطريقة الصينية، ومعارضي ذلك.

وجاءت النتيجة على شكل تسوية. فعلى الرغم من حظر مواقع مثل تويتر ويوتيوب وتلغرام رسميا، يبقى الوصول إليها سهلا عبر برنامج معلوماتي يتيح الالتفاف على الحظر، وهو ما يفعله معظم السياسيين.

ويعتبر العلامة أبوطالبي وغيره من مؤيدي الثورة الإسلامية المتحمسين أن الانخراط في هذه الوسائل الإعلامية الجديدة أفضل من محاولة حظرها.

ويقول أبوطالبي إن “جيلا جديدا (من المؤمنين بالثورة) قد دخل بقوة عالم الفضاء الإلكتروني. ذهبوا إلى جامعات يستخدمونها كنقطة تواصل مع الشعب. لقد نظّموا مهرجاناتهم الخاصة لتكريم أفلام تسلّط الضوء على الفكر الثوري والديني”.

منزل الخميني في قم، حيث ألقى أول خطاب ضد الشاه، يتحول شيئا فشيئا إلى طلل زواره يتناقصون كلما ابتعد الإيرانيون عن ماضي الثورة واقتربوا من الحاضر وحداثته الرقمية
منزل الخميني في قم، حيث ألقى أول خطاب ضد الشاه، يتحول شيئا فشيئا إلى طلل زواره يتناقصون كلما ابتعد الإيرانيون عن ماضي الثورة واقتربوا من الحاضر وحداثته الرقمية

وتبدو ملامح التغيرات المجتمعية التي تعيشها البلاد واضحة في الشارع الإيراني، خاصة من خلال سلوكيات الشباب الذين يتحدون سلطة الشرطة الدينية من خلال عدم الالتزام باللباس الديني المفروض على النساء مثلا والاكتفاء بارتداء الحجاب بطريقة تبرز جزءا من شعورهن أو تركها تنزلق على الأكتاف في البعض من الأحيان.

ويرى المتابعون أن مظاهر التغيير التي يبديها الشباب الإيراني تتشابه إلى حد ما مع البعض من الممارسات التي برزت من طرف المحتجين ضد نظام الشاه قبل أربعين عاما، لكنّ الإيرانيين الذين انتفضوا ضد قمع الشاه حينها حلموا بأن تكون الأوضاع أفضل ولم يكونوا يتوقعون قمعا من نوع آخر من قبل الإسلاميين، مما دفع الأمور لتسير نحو الأسوأ وهو ما كان محركا أساسيا لخروج التظاهرات الرافضة لسياسات النظام الإيراني الحالي.

 وتؤكد فائزة هاشمي رفسنجاني الناشطة الإصلاحية وابنة الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني “لقد تغير العالم والوضع. لقد وصل الناس إلى نقطة ليس لديهم ما يخسرونه فيها. عادة ما تخاف من الأشياء للمرة الأولى فقط. عندما تحدث هذه الأشياء لا تشعر بالخوف منها مرة أخرى، وتحصل على شجاعة أكثر، وتزيد من مطالبتك بحرية أكبر”.

وخلال احتجاجات 2017 أبدى المتظاهرون رفضا واحتقارا لمؤسسة رجال الدين الشيعة من خلال هتافهم “الناس فقراء، بينما يعيش الملالي كالآلهة”، فيما تمت مهاجمة المدارس الدينية التي تموّلها الدولة وأشعلت فيها النيران إلى جانب تخريب البعض من مكاتب أئمة الجمعة.

 واستحضرت الشعارات الاحتجاجية مرحلة الحرية والانفتاح في عهد الشاه، وفي مدينة قم هتف المتظاهرون “يا شاه إيران، عد إلى إيران”، وفي مدن أخرى مثل أصفهان ومشهد تعالت شعارات وهتافات مشابهة من بينها “حيث لا يوجد شاه، لا يوجد نظام”.

13