قناة الجزيرة الحالية شبح للجزيرة السابقة

انقضى الزمن الذهبي لقناة الجزيرة القطرية، وبدأ عصر الانحدار مع تخفيض قطر للتمويل غير المحدود وغياب الخطط والاستراتيجية، إلى جانب فقدان مصداقية القناة في الشارع العربي إثر التغطية المنحازة للإسلاميين.
الثلاثاء 2016/02/09
الوقوف على أطلال الماضي

لندن - تحسر مدير العلاقات السابق في قناة الجزيرة القطرية أسامة سعيد على أيام “القائد الكاريزمي” وضاح خنفر، داعيا قطر إلى إعادة ضخ الأموال في القناة التي فقدت بريقها بعد أن فقدت ثقة الجمهور العربي في موضوعيتها.

وقال سعيد الذي عمل في القناة القطرية منذ عام 2011 في مقال بعد أيام من تركه القناة دون أن يعلن عن الأسباب، نشرته صحيفة الغارديان البريطانية الإثنين “هناك الكثير من الأمور التي يجب القيام بها لتحكم قناة الجزيرة قبضتها على الوضع الراهن، والتوقف عن الوقوف على أطلال الماضي، والبدء في استقطاب الرأي العام من خلال تقديم أفكار جديدة تشد المشاهد”.

وتشير تعليقات مدير العلاقات السابق إلى أن الجميع يحاول عدم الربط بين وضع الجزيرة الجديد وتغير القيادة في قطر لأن هذا يثير حساسية كبيرة.

يوضح سعيد أنه في بداية أحداث ما يسمّى بالربيع العربي خرج المدير العام لقناة الجزيرة في ذلك الوقت، وضاح خنفر، خلال مؤتمر تيد ليعلن أن “المستقبل الديمقراطي الذي طالما حلمنا به قد حان”.

وبعد مرور خمس سنوات بشكل سريع واجهت خلالها ثورات الربيع العربي أزمات وتقلبات عدة، تراجعت ثروات شبكة الجزيرة وتراجعت معها القناة برمتها. وبالفعل فقد حان المستقبل، ولكن لم يكن يحمل معه ما انتظره خنفر وحلم به.

استحوذت قناة الجزيرة على اهتمام العالم ومتابعة الملايين من المشاهدين المصريين خلال تغطيتها للإطاحة بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وتابع العالم تغطية الأحداث على شاشة القناة القطرية في ما وصف بأنه لحظة “إنجاز باهر” للشبكة في جميع أنحاء العالم. وشاهد المتظاهرون في ميدان التحرير أنفسهم عبر شاشات سينمائية.

الجزيرة توقفت عن تحديد الأهداف الكبرى للقناة وعن وضع جدول أعمال لها منذ رحيل وضاح خنفر

وكانت الجزيرة المنفذ الأول لجميع المتابعين للأحداث الدائرة في المنطقة، حيث كانت تنقل قصص الناس العاديين وتوجه لهم أسئلة محرجة عن حكامهم، في وقت كان السؤال من المحرمات في الإعلام العربي، وهذا الخط جعلها القناة الأكثر مشاهدة في المنطقة رغم ظهور العديد من المنافسين في وقت لاحق.

اتخذت إدارة الشبكة مسارات مختلفة من الثورة. وقال بعض صانعي الأخبار إن وظيفتهم تتمثل في مجرد تغطية الأحداث وليس تأجيجها. لكن ما لبث أن ألقي باللوم على الجزيرة في الكثير من المجازر والفوضى التي أعقبت الثورات في المنطقة.

ولا يعتقد بعض المنتقدين لقناة الجزيرة أن عدم الاستقرار هو نتيجة لا مفر منها بعد أعوام من الطغيان. بل يعتقدون أن الحكام المستبدين سيحكمون إلى الأبد، وأن الأحلام والروح الثورية اللتين سادتا في العام 2011 يمكن إلى حد ما أن تحظيا بالهزيمة إذا ما قبل الجميع بالفساد والاستبداد وسيكون كل شيء على ما يرام.

وكان رد الجزيرة على تراجع الروح الثورية غير كاف، وكان الأمر متوقعا، حيث أصبحت بعض الدول غارقة في مستنقعات مثل سوريا ومصر وغيرهما من البلدان التي كانت تمثل قاعدة للموظفين في قناة الجزيرة.

اتهمت الجزيرة بالتغطية المنحازة للإسلاميين التي تستند إلى أسس ضيقة، وأكثر من ذلك أنها كانت مدفوعة بتصفية حسابات قديمة. ولم يتم خلال الملتقى السنوي للشبكة الذي يهدف إلى الجمع بين اللاعبين السياسيين في المنطقة رسم تفاصيل للمستقبل. ومؤخرا، تسبب التخفيض من الدعم المالي في حالة من الذعر داخل الشبكة.

وقررت شبكة الجزيرة الإخبارية التخلي عن 40 بالمئة من موظفيها وغلق عدد من مكاتبها بالمنطقة، في خطوة غير واضحة الأسباب. وبررت أغلب التقارير الإعلامية هذا القرار بالصعوبات المالية التي تعيشها قطر مع انهيار أسعار النفط ودخول قطر في مخطط لترشيد النفقات، ويعني هذا أن القناة التي تعيش العقد الثاني من عمرها ليست قادرة اليوم على توفير نسبة ما من التمويل رغم أنها كانت في مرحلة ما الأكثر مشاهدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لكن بصرف النظر عن انخفاض أسعار النفط، هناك تكهنات بأن السبب الحقيقي وراء تخفيض قطر من دعمها للشبكة يرجع إلى المشاكل التي سببتها قناة الجزيرة لقطر مع جيرانها. ولا يبدو أن قرار الجزيرة بالتخلي عن 40 بالمئة من موظفيها ظل مرتبطا بإعادة النظر في سياستها التحريرية الموجّهة لعدد من الدول العربية.

هناك تكهنات بأن السبب الحقيقي وراء تخفيض قطر من دعمها للشبكة يرجع إلى المشاكل التي سببتها قناة الجزيرة لقطر مع جيرانها

ونتيجة لهذه السياسة التي أثرت على مصداقية القناة وهزت صورتها، يجري اليوم إغلاق قناة الجزيرة أميركا بعد سنتين فقط من انطلاقها باستثمار يقدر بـ2 مليار دولار. ومنيت بفشل ذريع ولم تستطع الدنو من الهدف الحقيقي من إطلاقها الذي يتمثل في منافسة قناتي “سي.أن.أن” و”بي.بي.سي” عبر تقديم صورة عن أحداث منطقة الشرق الأوسط والعالم عموما. وعلى سبيل المثال، حاول المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” توني هول في الآونة الأخيرة تبرير تمويل مؤسسته عن طريق الدعوة إلى تعزيز الديمقراطية، وبالتالي لا بد من استمرار خدمتها العربية والفارسية والروسية وغيرها، ليس ذلك فحسب، ولكنه يسعى أيضا إلى التوسع في كوريا الشمالية.

قد يناقش البعض تأثير هذا الانفتاح، ولكن بالنسبة لقناة الجزيرة كان يفترض أن تكون الذراع الإعلامية المحلية وقوة إعلامية للديمقراطية في الشرق الأوسط، على حسب ما تدعي، وعليها أن تهتم بتوفير المزيد من الحريات والأمل في المستقبل لوضع حد لصعود الجماعات المتطرفة مثل داعش.

لكن منذ رحيل خنفر تم التوقف عن تحديد الأهداف الكبرى للقناة، والتوقف عن وضع جدول أعمال لها ولنشاطاتها، بالإضافة إلى التوقف عن إيجاد كل ما من شأنه أن يضيف إلى القناة ويطور عملها بحسب ما ذكر سعيد.

وإلى جانب الغياب الكلي لأبرز الشخصيات المعروفة بزيارتها الدائمة لمقر الشبكة، هناك سؤال محير ظل يراود الجميع مفاده لماذا كانت آخر زيارة لمقر الشبكة من المدير العام المؤقت مصطفى سواج منذ حوالي ثلاث سنوات وكيف يمكن أن تعمل الشبكة لفترة طويلة في غياب سلطة القيادة؟

وهناك الكثير من الأمور التي يجب القيام بها لتحكم قناة الجزيرة قبضتها على الوضع الراهن وتكف عن الوقوف على أطلال الماضي والبدء في استقطاب الرأي العام من خلال تقديم أفكار جديدة تشد المشاهد.

18