قناة الجزيرة القطرية تفقد ذراعها في الولايات المتحدة

وافقت قناة الجزيرة القطرية التوقعات بإغلاق قناتها الناطقة بالإنكليزية والتي توجهت إلى الجمهور الأميركي الذي لم يتابعها أصلا، وهي تحمل تاريخ القناة المعروف لكل المشاهدين، والتي كانت منبرا للعديد من المتطرفين الذين ناصبوا العداء للغرب.
الجمعة 2016/01/15
التصويب في الاتجاه الخاطئ

نيويورك- أجابت أزمة قناة الجزيرة أميركا مؤخرا عن تساؤل محوري: ماذا سيحدث لو أنفق أحدهم ملايين الدولارات بهدف تشكيل رأي عام أميركي حول قضايا الشرق الأوسط يخدم مصالحه لكن دون خطة واضحة وفعالة؟

وجاءت النتيجة متوقعة يوم الأربعاء الماضي، فقد أعلنت إدارة القناة إغلاقها في نهاية أبريل القادم، بعد مواجهتها صعوبة في اختراق السوق الأميركية واجتذاب نسبة مشاهدة عالية بسبب تاريخها في منطقة الشرق الأوسط، إذ لم ينس الأميركيون أن قناة الجزيرة العربية كانت الوعاء المفضل لنشر أشرطة تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن.

وقال تقرير نشرته مؤسسة ميديا نيوز ليتر الأميركية إن نسبة مشاهدة القناة في لحظة الذروة المسائية وصلت فقط إلى 15 ألف مشاهد، تتراوح أعمار 5 آلاف من بينهم بين 25 و54 عاما، فيما وصلت نسبة مشاهدة قناة فوكس نيوز إلى الملايين.

ويمثل ذلك نصف عدد المشاهدين الذين تمكنت قناة “كارنت تي في” من الوصول إليه، قبل دفع مجموعة قنوات الجزيرة مبلغ 500 مليون دولار لشرائها في عام 2013 من نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور وشريكه جويل هياتو بهدف منافسة القنوات الإخبارية الأميركية.

وبمجرد انطلاقها، استعانت قناة الجزيرة أميركا بسوليداد براين المذيع السابق في قناة سي أن أن، وجوي تشين المراسل السابق في محطة سي بي إس في البيت الأبيض.

وسط عمالقة البث لم تستطع قناة الجزيرة طوال مدة ستة شهور من انطلاقها التخلص من شخصيتها الهامشية في السوق

وقال خبراء في الإعلام الأميركي إنه رغم كل محاولاتها لتسويق نفسها باعتبارها “سي أن أن العرب” كان من الصعب تصنيف القناة على أنها خدمة إخبارية تنتمي إلى المدرسة التقليدية القديمة، وبدلا من ذلك اعتمدت الجزيرة أميركا على نهج “القصف الصحفي” الذي أسست عليه السياسة التحريرية للقناة الناطقة باللغة العربية قبل نحو عشرين عاما.

وكثفت الجزيرة أميركا من بث أفلام وثائقية وبرامج عميقة تتصل مباشرة بالجماعات الإسلامية المتطرفة، كما اعتبر الكثير من الأميركيين أن سياستها التحريرية معادية للميول العامة في المجتمع الأميركي.

وأعلنت شبكة الجزيرة أنها ستغلق قناتها بعد أقل من ثلاث سنوات على إطلاقها. وقالت إن قناتها الأميركية ستتوقف عن البث في 30 أبريل المقبل بسبب “تحديات اقتصادية في سوق الإعلام الأميركي”.

ووجدت الجزيرة نفسها في مواجهة صعبة مع قنوات إخبارية أخرى تهيمن منذ عقود على سوق البث التلفزيوني، على رأسها شبكات سي أن أن وفوكس نيوز وإم إس إن بي سي. ووسط عمالقة البث لم تستطع قناة الجزيرة طوال مدة ستة شهور من انطلاقها التخلص من شخصيتها الهامشية في السوق. وقال إيلان بيرمان المحلل المتخصص في شؤون الإعلام “ما كان لدى الجزيرة وليس لدى القنوات الأخرى هو الجيوب العميقة في قطر”.

ولم تكن الجزيرة تنافس في سوق الإعلام الأميركي وفقا لقواعدها، إذ لم تهتم كثيرا باجتذاب الإعلانات لدعم ميزانيتها، واعتمدت على وجوه شهيرة في الإعلام الأميركي وصحفيين يتقاضون رواتب باهظة.

ورغم ذلك، لم تتمكن المحطة التي تضم 850 موظفا و12 مكتبا في الولايات المتحدة من الاستمرار. ويقول بيرمان “الجزيرة واجهت مشكلات منذ وقت اطلاقها، وستغلق لأنها لم تتمكن من تمييز نفسها عن القنوات الأخرى، وأن تقدم شيئا جديدا لا يقدمه منافسوها.”

وواجهت الجزيرة أميركا، التي اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على قصص من الشرق الأوسط، مشكلات سياسية أيضا. ويقول مراقبون إن الجزيرة أطلقت خدمتها في الولايات المتحدة في وقت تشهد فيه السياسة الأميركية في المنطقة انسحابا غير مسبوق تتبناه إدارة الرئيس باراك أوباما.

فيما رأى بعض العاملين في القناة أن هبوط أسعار النفط كان أحد الأسباب التي أدت إلى اتخاذ قرار الإغلاق، رغم نفي متحدث باسم الشركة ذلك. وقطر هي واحدة من أكبر الدول المصدرة في العالم للغاز الطبيعي. ومنذ منتصف 2013 حاولت القناة تغطية ما يقرب من 60 بالمئة من الولايات الأميركية، لكنها لم تحقق الانطلاقة الحقيقية التي كانت تسعى إليها.

الجزيرة واجهت مشكلات منذ وقت اطلاقها، وستغلق لأنها لم تتمكن من تمييز نفسها عن القنوات الأخرى

وقال ديفيد أوبيرتي المحلل في كولومبيا جورناليزم ريفيو “كانت فلسفة الجزيرة هي أن تقديم برامج رصينة كاف لنجاح المحطة، لكن القليل من برامجها كان مميزا، بالإضافة إلى كل ذلك الشكل التقليدي في تقديم المحتوى، والحرص على استهداف جمهور من كبار السن، وعدم تقبل قطاعات عريضة من الأميركيين لشعار القناة الذي بدا وكأنه مكتوب بخط إسلامي.” وأضاف “كل شيء كان مشابها لما يقدمه الآخرون، حتى التغطية الإخبارية كانت تشبه برنامج بي بي إس ‘نيوز أور’ ولكن بطريقة مملة.”

وستقوم الشركة بتوسيع خدماتها الرقمية العالمية الحالية في الولايات المتحدة مع تحول المستهلكين عن الإعلام التقليدي إلى خدمات الأجهزة المحمولة بحثا عن الأخبار.

وقال الرئيس التنفيذي آل آنستي للعاملين في القناة الإخبارية والتي انطلقت بالتركيز بوجه خاص على الجمهور الأميركي، إن “العمليات ستتوقف لأن نموذج أعمال الشبكة غير قابل للاستدامة”.

وكتب آنستي في رسالة بالبريد الإلكتروني للموظفين “أعلم أن إغلاق الجزيرة أميركا سيثير خيبة أمل واسعة النطاق في نفوس جميع من عملوا بلا كلل من أجل مستقبلنا على المدى الطويل”.

وأثار نهج القناة منذ بداياتها جدلا واسعا، ووصفت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” دولة قطر بأنها بلغت سن الرشد وتقوم حاليا باستعراض “عضلاتها المالية” للإسهام في تغيير الأنظمة في البلدان العربية وتمويل الأحزاب الإسلامية للوصول إلى الحكم. وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن قطر تسعى لتعزيز نفوذها السياسي عبر قناة الجزيرة.

18