قناة السويس.. الأزمة في مصر ومصدر المعلومة الإعلام الخارجي

الإعلام المصري لم يتعلم من أخطائه السابقة في التعامل بمهنيّة مع الأزمات الكبرى.
الاثنين 2021/03/29
الإعلام الغربي صاحب السبق

أظهر التعامل الإعلامي في مصر مع أزمة إغلاق السفينة لممر قناة السويس أن مسار الإعلام المصري نحو المهنية والمصداقية مسدود أو هو شبه غائب عن الحدث وأصبح بحاجة إلى تصحيح مسار يضاهي ما تقوم به الحكومة لتعويم السفينة ودفعها للتحرك في الطريق الصحيح.

القاهرة - أحيّت أزمة السفينة “إيفرغين” وغلقها لممر قناة السويس العالمي، إشكالية التعاطي الإعلامي في مصر مع القضايا المحلية ذات البعد الدولي، فقبل ثلاث سنوات روّجت الصحف والقنوات أن التفريعة الجديدة للقناة جعلت مصر تمتلك طريقا ملاحيا مزدوجا يمكنه استقبال أكبر عدد من الحاويات في توقيت واحد، ويحول دون حدوث أزمات مستقبلية.

واتهمت أصوات معارضة ومؤيدة للحكومة، على حد سواء الإعلام بالمبالغة في الترويج لإنجاز التفريعة الجديدة وتصدير صورة غير واقعية عنها، حتى خرجت بعض الصحف والبرامج لاتهام أصحاب هذه النبرة بأنهم “خونة ومأجورون” ويحاولون تشويه الحدث التاريخي والتقليل منه لخدمة تيارات مناوئة للسلطة.

وجدت هذه المنابر نفسها في ورطة بالغة مع جنوح سفينة عملاقة بقناة السويس الثلاثاء الماضي فلا هي استطاعت تبرير موقفها السابق بالتضخيم ولا كانت لديها القدرة والجرأة على تغطية الحدث بطريقة مهنية.

وأمام التجاهل النسبي من غالبية الصحف والقنوات المحلية لبدايات الأزمة لجأ الجمهور إلى الإعلام الأجنبي لمعرفة تطورات الموقف، ومعرفة التفاصيل الدقيقة والاقتراب من الحقيقة الغائبة عن المواقع الإخبارية والشاشات المصرية، في ظل التزامها بنشر البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة قناة السويس.

وأحيت الأزمة إشكاليتين بالغتي الأهمية، الأولى وجود خلل لدى الحكومة في إدارة الأزمات الكبرى إعلاميا بدليل أن حادث السفينة وقع صباح الثلاثاء، وكان أول مؤتمر صحافي للفريق أسامة ربيع السبت لشرح ما جرى والرد على استفسارات وتساؤلات الرأي العام العالمي، أي بعد أربعة أيام كاملة.

جلال نصار: أزمة قناة السويس كشفت غياب أبجديات العمل الإعلامي
جلال نصار: أزمة قناة السويس كشفت غياب أبجديات العمل الإعلامي

وقال محمد (ش) وهو مسؤول في القطاع الإخباري بإحدى القنوات الكبرى لـ”العرب”، إن التعليمات كانت واضحة ومشددة بعدم تناول أي قناة لأزمة قناة السويس سوى في حدود البيان الصادر عن الهيئة، وأغلب البرامج في القناة التي يعمل بها تعاملت مع الحادث خلال أول يومين كأنه لم يكن.

وأضاف أن “بعض البرامج تطوعت بإبعاد نفسها عن تغطية الأزمة دون أن يُطلب منها ذلك صراحة، خوفا من المجازفة بتناول حادث يمس قضية دولية”، لافتا إلى أن أغرب شيء حدث هو تواصل مسؤولين بهيئة قناة السويس مع وكالات وصحف أجنبية وليست محلية، ونظيرتها المصرية لم تبادر لذلك من الأساس.

ويرى خبراء الإعلام، أنه في مثل هذه الحالات يفترض تشكيل مركز إعلامي يعمل على مدار الساعة لمد الصحف والقنوات بمعلومات تفصيلية وإطلاع الرأي العام بالمستجدات ومصارحة الجمهور بالحقائق دون تزييف أو تهوين، لأن الصمت والتجاهل يقودان لإرباك المشهد على وقع الشائعات والأخبار المضللة.

وضجت منصات التواصل الاجتماعي بمعلومات وتحليلات حول الأزمة وأبعادها وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، بناء على توقعات أو مطالعة للإعلام الغربي أو حتى تسريبات غير دقيقة، وهو ما أخفقت الحكومة في مواجهته بالبيانات الرسمية.

أما الإشكالية الثانية التي أحياها الحادث، فهي أن وسائل الإعلام المصرية لم تتعلم من أخطائها السابقة في التعامل بمهنية واحترافية مع الأزمات الكبرى، وتناولت واقعة السفينة بشكل سطحي، في محاولة للتهوين من الموقف والإيحاء بأن المشكلة بسيطة وسوف يتم حلها في غضون ساعات.

وبدلا من أن تستثمر وسائل الإعلام في الحادث لتغيير الصورة السلبية عنها، وتتحول من تابع إلى مصدر موثوق به للمعلومات بالنسبة إلى الإعلام الدولي، انكفأت على نفسها، واتجهت الكثير من المنابر المحلية لمتابعة المستجدات والحصول على المعلومات من وسائل إعلام خارجية.

وأكد جلال نصار رئيس تحرير صحيفة “الأهرام ويكلي” سابقا، أن أزمة قناة السويس كشفت بوضوح عن غياب أبجديات العمل الإعلامي تجاه المؤسسات الإعلامية والحكومية، وأنه بسهولة قد تتحول من بريء إلى متهم بسبب الرعونة في إظهار الحقائق للرأي العام ووضع الجمهور في قلب الحدث بحيادية.

وأشار لـ”العرب”، إلى أنه “من غير المنطقي وقوع الحادث على أرض مصرية وفي ممر دولي، ويكون الإعلام الغربي صاحب السبق في نشر المعلومة، وترتب على ذلك، أنه حجز مكانه عند المتلقي وأنا أولهم، وعندما استفاق الإعلام المصري وصل متأخرا، فخسر مكانته في أن تكون روايته عن الأزمة هي السائدة، مقابل سيطرة المنابر الخارجية”.

Thumbnail

لم تتوقف وكالات الأنباء عن نقل ما يجري في قناة السويس من مصادر مسؤولة داخل الهيئة على مدار الساعة، وتستعين بخبراء ومحللين للحديث عن التداعيات والبدائل والحلول، في حين كان الإعلام المصري غارقا في قضايا جانبية وموضوعات ترفيهية، ولا يتناول الحادث سوى في برامج “التوك شو” المسائية.

صحيح أن فضائية “إكسترا نيوز” وهي القناة الإخبارية المحلية الوحيدة التي تعمل على مدار اليوم في تغطية الأحداث الجارية، ركزت على الأزمة، لكنها لم تخرج عن الخط التحريري الذي ترسمه البيانات الرسمية، مع نقل معلومات من وكالات أجنبية شريطة أن تكون متناغمة مع وجهة نظر الحكومة.

وترتب على الإدارة الإعلامية غير المحترفة لأزمة القناة أن الصورة السياسية للدولة تأثرت بشكل سلبي، حيث ظهرت الحكومة كأنها عاجزة ولا يمكنها تجاوز الموقف بسهولة، مع أن جنوح سفينة عملاقة أمر وارد باعتراف خبراء، واستغراق فترة لتعويمها ربما يكون طبيعيا، لكن ما هو غير منطقي ومثير للريبة أن يكون الحادث في مصر ومصدر المعلومة الإعلام الخارجي.

وبرهن دفاع بعض المذيعين عن أنفسهم بشأن طريقة تغطية الإعلام للأزمة أن القائمين على إدارة المنظومة برمتها لديهم شعور بارتفاع منسوب الغضب الجماهيري، وأن الإعلام الأجنبي صار المنبر المفضل لمن يريد الوقوف على حقيقة الموقف.

وبرر الإعلامي محمد الباز مقدم برنامج “آخر النهار” على فضائية النهار ورئيس تحرير صحيفة الدستور صمت الإعلام المصري بأن وضعه مختلف، قائلا، إن هناك اتهامات للإعلام المصري بأنه موجّه في أزمة السفينة، لكن الحقيقة تكمن في أن أي معلومة يتناولها الإعلام الخارجي لا تحسب عليه، فقد تكون صحيحة أو تحتمل الخطأ، أما الإعلام المحلي فأي كلمة يذكرها ستحسب عليه، لذلك يتوخى الحذر ويدقق المعلومات في تناوله لهذه القضية.

وعكس نشر صحف كبرى خبرا “شبه يومي” عن استئناف حركة السفن بقناة السويس خلال ساعات، كنوع من مجاملة الهيئة، رغم استمرار تعطلها وعرض حكومات بعض الدول تقديم خدماتها في المساعدة، أن الإعلام وصل إلى مرحلة خطيرة من الاستخفاف بنشر معلومات مضللة حول أزمة لها أبعاد دولية، واصطفافه خلف الحكومة يتجاوز حدود العقلانية.

ولفت نصار إلى أن بعض المسؤولين داخل المنظومة الإعلامية لم يدركوا بعد الفارق الشاسع بين تغطية أزمة محلية يمكن إخفاء بعض تفاصيلها، وأخرى لها أبعاد دولية، فهناك أقمار صناعية ترصد كل شيء بالتفصيل، ووكالات أنباء عالمية تراقب الموقف بدقة، وهذا الدرس يجب استيعابه جيدا.

18