قناة السويس الجديدة استثمار في مستقبل مصر

الخميس 2014/08/07
قناة السويس تستمد أهميتها من كونها رابطا استراتيجيا بين دول جنوب شرق أسيا وأوروبا والأميركيتين

القاهرة – الإعلان عن بعث مشروع اقتصادي تنموي في مصر، كان يمكن أن يمر مرور الكرام، ولا يحوز على الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي الذي حاز عليه مشروع “قناة السويس الجديدة”. فهذا المشروع المرتبط بمجال استراتيجي حيوي يحمل إلى جانب بعديه الاقتصادي والتنموي، أبعادا أخرى متعدّدة سياسية واجتماعية وإقليمية.

بعد أيام قليلة من إحياء المصريين لذكرى تأميم قناة السويس (26 يوليو 1956)، أعلن الرئيس المصري عبدالفتّاح السيسي عن خطّة مشروع جديد لتنمية محور القناة، ضمن أولى مشروعات قاطرة التنمية التي تعول عليها مصر، للخروج من أزمتها الراهنة، ونقل اقتصادها إلى مصاف الاقتصاديات الكبرى.

يتمثّل المشروع الجديد في حفر قناة جديدة متفرّعة عن قناة السويس، بطول 72 كليو متر لتكون محاذية للمجرى الملاحي الحالي، منها 35 كليومتر حفر جاف، و37 كليو متر توسعة وتعميق لأجزاء من المجرى القديم للقناة.

انطـــلاقـــا من أهميـــــــّته القومــــية والاستراتيجية، رأى مراقبون أن هذا المشروع يوجّه أيضا مجموعة مهمة من الرسائل غالبيتها تنطوي على معان استراتيجية واسعة، تعبّر عن التوجهات الاستقلالية للنظام المصري الجديد والرفض القاطع للخضوع لأي ابتزازات من جانب قوى دولية.

مشروع محور قناة السويس هو مشروع مصري تنموي ضخم تم تدشينه في الخامس من أغسطس عام 2014، وتتحدد الرؤية الكاملة لإقليم قناة السويس كمركز لوجستي وصناعي عالمي في كونه إقليما متكاملا اقتصاديا، وعمرانيا ومتزنا بيئيا، ومكانيا يمثل مركزا عالميا متميزا في الخدمات اللوجستية و الصناعية ويتوافر به إمكانيات جذب أربعة من المجالات والأنشطة والأكثر نموا في العالم، وهي النقل واللوجستيات والطاقة والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

قناة السويس عبر التاريخ
◄ 19 نوفمبر 1869: افتتاح الخديوي اسماعيل لقناة السويس

◄ 26 يوليو 1956: جمال عبد الناصر يعلن تأميم قناة السويس

◄ 5 يونيو 1975: أنور السادات يعلن إعادة فتح القناة للملاحة الدولية

◄ 5 اغسطس 2014: عبدالفتاح السيسي يطلق مشروع قناة السويس الجديدة

مشروع مصري


“حسب الله الكفراوي (وزير الإسكان في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات) صاحب الفكرة وطرحها على السادات نهاية السبعينات. وحفظت في الأدراج في عهد حسني مبارك. والإخوان حاولوا نسبة المشروع لأنفسهم. والرئيس عبدالفتاح السيسي اتخذ قرار التنفيذ”، هكذا لخّص الكاتب رضا حبيشي حكاية مشروع محور قناة السويس (في تقرير لصحيفة اليوم السابع المصرية).

لم يثر موضوع تطوير قناة السويس الاهتمام، في عهد الرئيسين السادات ومبارك، لأنه رغم أهميته الاقتصادية، لم يكن ليشكّل تهديدا للأمن القومي للبلاد. لكن اتخذ هذا المشروع منعرجا خطيرا حين طرح الإخوان، خلال حكمهم، مشروع قانون لتنمية ما أسموه “إقليم قناة السويس″ ذاتها.

وقد أكّد عبدالفتاح السيسي، (وزير الدفاع المصري في ذلك الوقت) أن المشروع به العديد من الثغرات الأمنية التي قد تعرض أمن مصر للخطر. واعترض كذلك على فصل قناة السويس إداريا عن مصر وحلف “رئيسها” لليمين أمام الرئيس وعدم إخضاعه للقوانين المصرية، بالشكل الذي يوحي بأن القناة منفصلة عن القطر بالكامل. من أبرز اعتراضات القوات المسلحة كذلك على قانون الإخوان أنه لم يحدد هوية المستثمرين في هذا الإقليم.

يذكر أن أحد أهم أسباب الرفض الشعبي لمشروع الإخوان لتنمية محور القناة كان ما تردد عن إسناد تخطيط وتنفيذ المشروع بالكامل لقطر، وهو ما آثار مخاوف شعبية ورسمية.
مشروع قناة السويس الجديدة

كانت قطر تحاول السيطرة على الجزء الأكبر من المشروع، لكن بعد سقوط الإخوان، تم تعديل الخرائط الخاصة بالمشروع، بما يحافظ على الأمن القومي المصري، لأن المحاولات الإخوانية المدعومة من قطر وتركيا كانت تنطوي على مخاوف أمنية، منها هاجس عزل إقليم قناة السويس عن مصر.

ولأن المشروع يعدّ من أضخم المشاريع القومية فقد تم إسناد مشروعات حفر القناة الموازية لقناة السويس لتحالف “المقاولون العرب والهيئة الهندسية للقوات المسلحة وشركة أوراسكوم للإنشاء”. وأرجع عبدالفتاح السيسي إسناد المهام لشركات مصرية لتقليل النفقات وضمان أولويات الأمن القومي، ولأن هناك حساسية من مشاركة شركات أجنبية قد تفاجأ مصر بعد ذلك أنها مؤسسات مشبوهة تعمل تحت غطاء آخر.

طلعت موسى، الخبير الأمني ومستشار أكاديمية ناصر العسكرية قال لـ “العرب”: “إن مشاركة القوات المسلحة، تنبع من الأهمية الاستراتيجية للمشروع الذي يقع في الجزء الشمالي الشرقي لمصر، وبالتالي سوف تكون له انعكاسات على الأمن القومي، لذلك كان من الضروري الإشراف على مشروعات قناة السويس، شرقا وغربا. ومن ثم سوف تخضع المشروعات لمراقبة أعلى جهة في الدولة تستطيع أن تقرر مدى الصلاحية والتأثير على البعد الاستراتيجي للقوات المسلحة في هذا الاتجاه المحوري، حتى لا تكون المشروعات عائقا أمام تدفق القوات وقت الحاجة”.

في ذات الصدد، أوضح عماد مهنا، أحد المشاركين في وضع المخطط العام لمحور تنمية قناة السويس، أن المخطط الاستراتيجي الجديد للمشروع تلافى الخطأ الذي كان سيقع فيه الرئيس السابق محمد مرسي، حيث كانت مشروعات التنمية آنذاك ملاصقة للمجرى الملاحي للقناة شرقا وغربا، والآن تم ترك مساحة لا تقل عن 15 كم في الاتجاهين، بناء على احتياجات الأمن القومي، التي طلبتها القوات المسلحة، كما تضمن المخطط إقامة ستة أنفاق تحت قناة السويس، وفقا للأماكن التي تحددها القوات المسلحة.

ميراث قومي

الكتب والمراجع التاريخية تشير إلى أن قناة السويس كممر البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر يربط مصر بقارات العالم القديم تعود إلى الملك سيتي الأول عام 1310 قبل الميلاد.

وقد تطوّرت الفكرة بتطور الزمن إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي لقناة السويس التي بنيت في عهد الخديوي إسماعيل. وانطلق العمل في حفر القناة في 25 أبريل 1859. وفي 19 نوفمبر 1869، افتتح الخديوي قناة السويس.

وكانت أهمية هذا المجرى الملاحي أحد أسباب وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني. وبعد ثمانية عقود من قيام الخديوي إسماعيل ببيع حصص مصر في شركة قناة السويس إلى الانكليز، تمكن المصريون من استعادة مشروعهم، الذي بني بسواعد عشرات الآلاف من الفلاّحين، وذلك بعد أن أعلن جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956. وكانت هذه الخطوة سببا للعدوان الثلاثي الذي قامت به بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر.

في أجواء تعيد للأذهان ذكرى تأميم القناة، أعلن الرئيس المصري عبدالفتّاح السيسي عن إطلاق مشروع القناة الموازية والذي ستبنيه شركات مصرية. وقد لفت نظر المراقبين في كلمة السيسي التي ألقاها أثناء افتتاح المشروع عمق الإصرار على عدم الاستدانة لإنشاء محور القناة، ودعوته المصريين لشراء أسهم فيه باعتباره استثمار في مستقبل مصر.

قناة السويس الجديدة
القاهرة – كلف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الفريق محمود حجازي رئيس أركان الجيش المصري، واللواء عماد الألفي، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بتنفيذ المشروع خلال عام واحد فقط بدلا من 3 سنوات كما كان مخططا له، وزيادة عدد الشركات المدنية المنفذة إلى 25 شركة.

وتستهدف مصر من إنشاء ” قناة السويس الجديدة”، زيادة الدخل القومي، بمضاعفة إيرادات القناة بنحو 259 بالمئة، ما يوفر ما يقرب من مليون فرصة عمل في إنشاء مدن صناعية على ضفاف القناة منها منطقة إنشاء سفن وحاويات وتصنيع سيارات وتكنولوجيا متقدمة وصناعات خشبية ومنسوجات وأثاث وصناعات زجاجية، وتحقيق عائد سريع وتوفير الأمن الغذائي من خلال إقامة مشاريع الاستزراع السمكي.

وسيخفض المجرى الموازي زمن انتظار السفن بالمجرى الملاحي من 11 ساعة إلى 3 ساعات على أقصى تقدير، وزيادة عدد السفن العابرة يوميا من 49 سفينة في المتوسط عام 2014، إلى 97 سفينة يوميا عام 2023.

تكلفة إنشاء القناة الموازية لتكون محاذية للمجرى الملاحي الحالي، بطول 72 كيلو متر ستصل إلى 4 مليار دولار، بالإضافة إلى تكلفة تقدر بنحو 4.2 مليار دولار لإقامة 6 انفاق أرضية لنقل السيارات والسكة الحديدية لسيناء يتزامن إنشائهما مع إنشاء القناة الجديدة، لتصل التكلفة الإجمالية للمشروعين إلى 8.2 مليار دولار.

وخطّط لتنفيذ المشروع هيئة قناة السويس، بالتعاون مع القوات المسلحة بمختلف أسلحتها وإداراتها. وسيتولى حفر القناة الجديدة الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة، التي تستعين بـ 17 شركة وطنية مدنية تعمل تحت إشرافها.

عبدالستار عشرة الخبير الاقتصادي ومستشار اتحاد الصناعات قال لـ “العرب” إن السيسي لا يريد أن يكرر أخطاء الأسرة العلوية أثناء حفر قناة السويس في القرن الثامن عشر، عندما استدانت من الغرب لحفر القناة ووقعت مصر كلها أسيرة لهذا الدين، والآن هو حريص على أن يكون المشروع وطنيا خالصا في التنفيذ، على أن يغطى الاستثمار تكاليفه، بتمويل مصري. وقال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إن بلاده ستطرح أسهما لتمويل مشروع إنشاء قناة السويس الجديدة على البنوك المصرية، والمصريين فقط، وستوضع ضوابط لمنع تملك الأجانب وغير المصريين لهذه الأسهم.

نقلة نوعية


بالنسبة إلى المنافع الاقتصادية، قال عماد مهنا، أستاذ التخطيط والإدارة بالجامعة الكندية، لـ “العرب” إن المشروع سينقل الاقتصاد المصري نقلة نوعية، فبعد أن كانت قناة السويس تساهم فقط بـ 5.5 مليار دولار في الدخل القومي، فإن المخطط المقترح لتحويل المشروع لمركز لوجيستي عالمي سيدرّ عليها أكثر من مئة مليار دولار سنويا حسب ما هو متوقع مستقبلا، كما أنه يختصر ساعات تقاطر السفن من 11 ساعة إلى ثلاث فقط. وأوضح مهنا أن المشروع يتضمن إقامة 92 مشروعا عملاقا، فضلا عن مراكز تخزين وخدمات لوجستية وصناعات سفن ومراكز تجارة عالمية. وقال: “نحن أمام مشروع ينهض بالمنطقة بشكل كامل ويراعي متطلبات الأمن والاقتصاد القومي، ليس في محافظات القناة فقط لكن في شمال وجنوب سيناء”.

ولفت مهنا النظر إلى أن مشروع قناة السويس سوف يحيي حلم وادي التكنولوجيا في الإسماعيلية وإقامة جامعة تكنولوجية حديثة في محيطه، ما سيكون له بالغ الأثر على مستقبل مصر في مجال الصناعات التكنولوجية والدقيقة، مؤكدا أن الدراسات أوضحت أن وادي التكنولوجيا سيكون من أكثر المناطق جذبا للاستثمارات.

اجتماعيا وتنمويا، أكد طارق عبد اللطيف، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، لـ “العرب” أن محور قناة السويس سوف يساهم في تغيير خريطة مصر السكانية، حيث من المقرر وفقا لمخطط المشروع، بناء مجتمعات عمرانية جديدة في سيناء، وعلى جانبي القناة في محافظات السويس والإسماعلية وبورسعيد، ما يساهم في تخفيف الكثافات السكانية في المحافظات المجاورة وتحقيق الأمن القومي لسيناء التي كانت تعاني لفترة طويلة من الفراغ السكاني، بشكل جعلها مطمعا للآخرين.

وأشار عبداللطيف إلى أن مشروعات النقل والتخزين والصناعات الثقيلة وتجارة الحاويات، التي ستقام في محور قناة السويس سوف تجذب مليون عامل في المرحلة الأولى، وراعى المشروع ضرورة استيعاب هذه الأعداد الضخمة وتوطينها.

اليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على الانتهاء من حفرها، مازالت قناة السويس تمثل أحد محاور رسم الاستراتيجية العامة في منطقة الشرق الأوسط. فالمجرى الملاحي، الذي يصل طوله إلى 120 ميلا ويربط بين قارتي أوروبا وأسيا، هو أحد الأصول الاستراتيجية العالمية.

وكما أكّد المؤرخ البريطاني هالفورد هوسكنز لم يؤثر عمل إنساني على علاقات الأمم بصورة أكثر عمقا مثل شق قناة السويس، فمن الصعوبة بمكان أن نتصور إنجازا بشريا آخر استطاع أن يغير الطبيعة أكثر مما فعلت هذه القناة، حيث استطاعت العملية الجغرافية البسيطة التي ولدت بها القناة أن تختزل قارة بأكملها هي القارة الأفريقية وأن تعيد وضع مصر والشرق العربي في قلب الدنيا.

6