قناة بنما تحتفل بمئة عام على تدشينها

الأحد 2014/08/17
قناة بنما طريق تجارية شكلت أداة للهيمنة الأميركية

واشنطن- احتفلت بنما الجمعة بذكرى مرور مئة عام على فتح القناة التي تعد من المشاريع الكبرى في القرن العشرين وغيرت جذريا التجارة العالمية بربطها المحيط الاطلسي بالمحيط الهادئ لكن يفترض أن يتم تحديثها لمواجهة المنافسة.

قناة بنما التي صممت أصلا لتكون طريقا تجارية عالمية لتجنب الالتفاف حول كيب هورن واحتفلت الجمعة بذكرى مرور مئة عام على افتتاحها، بدت أنها استراتيجية عسكريا للولايات المتحدة وشكلت أداة أساسية لتوسعها في أميركا اللاتينية.

في 15 أغسطس 1914 وبعد أشغال استمرت أكثر من ثلاثين عاما وموت 27 ألف عامل بسبب إصابتهم بالملاريا أو الحمّى الصفراء، دشن الأميركيون هذا المشروع الهندسي الهائل، وقد نجحوا في تحقيق ما فشل فيه الفرنسيون بين 1881 و1904.

رعى المشروع في بدايته المهندس الفرنسي فرديناند دوليسيبس الذي كان وراء شق قناة السويس، لكن في نهاية الأمر قاده الأميركيون الذين حصلوا على امتياز طويل الأمد. وبقي العلم الأميركي يرفرف فوق القناة من 1914 حتى عودتها إلى بنما في 1999.

وقال مايكل كونيف، الفيلسوف والمؤرخ في جامعة سان خوسيه في كاليفورنيا، إن: “الولايات المتحدة استخدمت كل نفوذها الدبلوماسي والعسكري لإجبار بنما على التحالف معها".

من جهته، أكد جون ليندسي بولاند، مؤلف كتاب “أباطرة الأدغال”، أن الولايات المتحدة استغلّت الدعم الذي كانت تقدمه لبنما في إطار سعيها لانتزاع استقلالها عن كولومبيا، لتوقع في 1903 اتفاقا ينص على حصولها على امتياز دائم مقابل رسم سنوي بسيط، مرفق بموافقة لبناء قواعد عسكرية من أجل الدفاع عن القناة و”أساسا لاستخدام القناة كمحمية".

5 بالمئة من التجارة البحرية العالمية تمر عبر قناة بنما

تزامن شق القناة مع الانتقال من البخار إلى الديزل لذلك لعبت دورا كبيرا في تطوير التجارة العالمية مع بدء صعود الصادرات الصناعية.

وقال مدير القناة خورغي كيخانو إن هذا الممر المائي سمح للولايات المتحدة “بفتح طرق للتجارة. وبعد ذلك شجعت أوروبا وآسيا وخصوصا في خمسينات وستينات القرن الماضي، عندما أصبحت اليابان قوة صناعية”. وأضاف “في السنوات الأخيرة رأينا زبائن وشركات يأتون من أميركا الجنوبية، ثم في 2001 من الصين".

وقال المحامي والمحلل البنمي إبراهيم أسود إن: “القناة سمحت بزيادة التجارة العالمية”. وأردف قائلا إن: “اقتصادات دول مثل تشيلي والبيرو والإكوادور مرتبطة بالقناة إلى درجة أنها ستنهار إذا أغلقت لأن الجزء الأكبر من تجارتها يمر عبر هذه الطريق”، مؤكدا أن “أهميتها حيوية".

أما مؤلف كتاب “قناة بنما في السياسة الأميركية”، فقال إن أثرياء وول ستريت كانوا يستعدون بحماس لهذا المشروع الذي سيجعل نيويورك (شرق) على بعد تسعة آلاف كيلومتر عن سان فرانسيسكو (غرب)، بدلا من 22 ألف كلم عن طريق كيب هورن.

تراهن قناة بنما على مشروع التكبير

أما الرئيس تيودور روزفلت، الذي انتخب في 1901، فقد كانت له رؤية عسكرية خاصة هي تحول الولايات المتحدة إلى قوة بحرية عالمية. وأكد أن “ذلك جعل هذا الأمر ممكنا” عبر تسهيل تحركات أسطوله البحري من محيط إلى آخر.

واستخدمت القواعد المتقدمة أيضا في بنما في إرسال قوات إلى نيكاراغوا وغواتيمالا وجمهورية الدومينيكان ثم في 1967 إلى بوليفيا لمطاردة أرنستو تشي غيفارا.

وأوضح ليندسي بولاند أنه باستخدام القناة للتجارة والأدغال المجاورة للتدريبات العسكرية ولإجراء تجارب علمية على أمراض استوائية أو اختبارات لأسلحة كيميائية “شكلت بنما عقدة مركزية لتوسع الإمبراطورية الأميركية".

على هذه الأرض التي تبلغ مساحتها 1500 كلم مربع بنت الولايات المتحدة 14 قاعدة عسكرية تضم أهم وحداتها خارج الأراضي الأميركية.

وقبيل الحرب الباردة أنشئ في 1946 معهد الأميركيتين مركز التأهيل في الحرب العقائدية على الشيوعية، الذي تخرج منه أسوأ المستبدين في المنطقة.

وفي أوج النزاع الأيديولوجي في أميركا اللاتينية تحولت القناة إلى رمز للإمبريالية الأميركية مما أدى إلى توقيع اتفاقية في 1977 بين الجنرال البنمي عمر توريخوس والرئيس الأميركي جيمي كارتر يقضي بالتنازل عن القناة في 31 ديسمبر 1999.

وقبل عشر سنوات على ذلك أثبتت الولايات المتحدة سيطرتها على المنطقة بإطاحتها بالجنرال مانويل نورييغا الذي كان عميلا سابقا لوكالة الاستخبارات المركزية (سي أي إيه) وبدا أنه يسعى إلى التخلص من الوصاية الأميركية. وبعد مئة عام ما زال اتفاق يسمح للولايات المتحدة اليوم بالتدخل عسكريا إذا كان حياد القناة مهددا.

في كل سنة تمر بين ضفتي القناة 14 ألف سفينة لتعبر خلال حوالي عشر ساعات القناة ثم تتوجه إلى 1700 مرفأ في العالم في 160 بلدا.

انتقلت إدارة القناة التي يمر منها 5 بالمئة من التجارة البحرية العالمية، من الولايات المتحدة إلى بنما البلد الصغير في أميركا الوسطى في 13 ديسمبر 1999. وأصبحت بنما مسؤولة عن المرحلة المقبلة وهي توسيع القناة.

وبدأ مشروع عملاق في 2007 تبلغ ميزانيته أكثر من أربعة مليارات يورو لتزويد القناة بمجموعة ثالثة من السدود التي تسمح بمرور سفن تنقل بين 12 و15 ألف حاوية، مقابل خمسة آلاف حاليا. وسيرتفع بذلك حجم الترانزيت بمقدار الضعف ليصل إلى 600 مليون طن سنويا.

وقد تم إنجاز ثلاثة أرباع المشروع الذي تأخر مع ذلك لسنة. فقد كان يفترض أن يدشن في الذكرى المئوية لكن ذلك لن يتم قبل 2016 خصوصا بسبب خلاف بين الكونسورسيوم المكلف بالأشغال بقيادة المجموعة الأسبانية ساسير، والذي كان يطالب بزيادة في التمويل.

ومنذ الآن تجري دراسة إضافة مجموعة رابعة من السدود لزيادة قدرة القناة. وقال كيخانو: “لن نتوقف أبدا عن التفكير في كيفية تجديد قناتنا وتحديثها، لأنه ما إن نكف عن ذلك حتى يتقدمون علينا”. وهو يلمّح بذلك إلى المنافسة وخصوصا في السويس التي أدت قدرتها الأكبر على “تقويض عائدات قناة بنما ببطء” وتنوي التوسع خلال عام.

وقال خورخي كيخانو: “لا يشك أحد في أن قناة السويس يمكن أن تنافسنا. لكني أعتقد أن هذا ما يحصل، ولقد لمسنا ذلك في الأشهر الثمانية عشرة الماضية”.

وأكد أن قناة السويس: “ضربت بهدوء عائدات قناة بنما بفضل فاعليتها الكبيرة”. ويمكن أن تتفاقم الأمور، فالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أطلق مشروع “قناة سويس جديدة” لتسريع الملاحة في الأولى على أن ينجز هذا المشروع في غضون سنة. ويضاف هذا المشروع إلى مشروع نيكاراغوا حيث تنوي شركة صينية شق قناة بين المحيط الهادئ والكاريبي، خلال خمس سنوات.

وحذر كيخانو من أن: “قناتين في أميركا الوسطى أمر لن يكون قابلا للحياة على الصعيد الاقتصادي".

وحتى تتمكن من الصمود، تراهن قناة بنما على مشروع التكبير، لكن هذه الورشة العملاقة التي ستؤدي إلى زيادة قدرتها ثلاث مرات تقريبا، قد تأخرت.

وكان مقررا منذ البداية أن تنجز هذه الورشة حتى يتزامن انطلاقها مع الاحتفال بالذكرى المئوية للقناة، لكنها لن تبدأ إلا في 2016، بسبب الخلاف مع تحالف الشركات المسؤول عن الأعمال والذي يطالب بتمديد المهلة.

وستزود الورشة التي تفوق تكاليفها الخمسة مليار دولار القناة بسدود جديدة تتيح مرور السفن التي تنقل حتى 12 ألف حاوية في مقابل 5 آلاف حاوية في الوقت الراهن، لمضاعفة المرور إلى 600 مليون طن في السنة.

وفي نهاية المطاف، ستؤمن هذه القناة الموسعة لدولة بنما 3.1 مليار دولار سنويا، أي ما يفوق ثلاث مرات عائداتها الحالية.

4