قناة 7 وقناة 9

الأربعاء 2015/06/24

يتذكر معي من عاش سبعينات وثمانينات عراق القرن الماضي ما الذي تعنيه قناة 7 وقناة 9.. القناتان التلفزيونيتان اليتيمتان في ذلك الزمن.. وما الذي تعنيه إذاعة بغداد وإذاعة صوت الجماهير (وابنتهما الصغرى التي ولدت بعدئذ وأعني إذاعة الـ”أف أم”).. وأيضا ما الذي كانت تعنيه لنا إذاعة مونتي كارلو والـ”بي بي سي” وصوت أميركا..

لست بصدد إذكاء النوستالجيا التي صار يعتاش عليها العراقيون في الداخل والخارج بشكل عجيب وكأنهم يؤثثون بها بيت حاضرهم الخاوي.. أو صحراء أيامهم التي لن يرطب جفافها سوى البكاء على أطلال الزمن الجميل الذي تلمع عيون كل من يتذكره وكأنه يتذكر فرحة تثلج الصدر وتفتح أبواب التحسر على ما كان ولم يعد كائنا (بالرغم من أن عبارة الزمن الجميل وحدها قابلة للجدل جدا).. ولست بصدد الحديث عن السلام والحرب أو الاستقرار والاضطراب.. وأيضا وبلا شك فإنني لست بصدد الخوض في ثنائية الحياة والموت..

بل إن جل ما يعنيني الآن هو ثنائية قناة 7 و9.. أي، وبكلمات أخرى، شحة خياراتنا في تلك الأيام.. فلم يكن ينطبق علينا المثل القائل “إذا بدّك تحيره.. خيره!” بحذافيره.. لأننا لم نكن نملك ما يكفي من خيارات تجعلنا نقع في الحيرة..

ولم ينسحب الأمر على قنوات التلفزيون أو الإذاعة فقط.. بل ربما على كل شيء في حياتنا الماضية: عدد الصحف اليومية المحدودة.. عدد المجلات والدوريات.. مصادر المعلومات والثقافة والكتب.. خيارات المستقبل ومجالات الدراسة.. محدودية وسائل الاتصال والتواصل.. إلخ.

وما يعنيني الآن من كل ذلك هو سؤال يلحّ عليّ كلما وجدت أبناءنا اليوم يكبرون وقد اتسعت أمامهم الخيارات في كل شيء بفضل التكنولوجيا وسواها.. حتى غدت وكأنها تبدأ ولا تنتهي عند حد.. فهل سيصبحون أقوى منا لهذا السبب وأقدر منا على اتخاذ القرار مثلا؟.. وهل كنا نحن على قلة بل ندرة ما كان لدينا من خيارات أكثر سعادة منهم؟.. فكنا نركز أقصى ما نمتلك من طاقة أو متعة أو إبداع على محدودية المجالات المتاحة أمامنا؟.. وهل يعاني أبناؤنا اليوم من التشتت والضياع بسبب وفرة المتاح أم أن ذلك يمنحهم حرية أكبر وإبداعا أوسع؟

نحن كبرنا على مناهج مدرسية موحّدة وبرامج تلفزيونية موحدة.. ومناهل معرفة موحدة.. وأغان وأخبار وحكايا ونكات نعرفها ونحفظها جميعا عن ظهر قلب.. وأكاد أجزم أننا كنا نأكل الأكل نفسه ونرتدي الملابس ذاتها.. فصرنا متشابهين بشكل ملفت!.. ذكريات طفولتنا واحدة.. حنيننا للماضي واحد.. نردّد معا أغانينا ومزاحنا وحكايانا حتى إذا التقينا بشخص نتعرف عليه للتو.. تكون أحلى عبارات الترحيب بعد قليل: يا آه أحس أننا لعبنا معا ونحن صغار!.. فهل سيكبر أطفالنا اليوم وهم مختلفون عنـّا وعن بعضهم البعض؟..

أحدس أن لهذا الأمر سلبياته وإيجابياته معا.. فقد علّمونا بأن الحرية مسؤولية.. ولذا أحس أنهم سيكبرون وهم يمتلكون مسؤولية قراراتهم واختياراتهم شرط أن يقدروا قيمة ما يمتلكون.. لا مثلما كبرنا نحن وقد استلبت منا حرية القرار..

والأهم من هذا وذاك.. أننا اليوم أيضا نملك أن نختار لأنفسنا وندعهم يختارون ما لم يكن لنا طاقة حتى على أن نحلم به.. حتى لو كان ذلك لحظة أمل..

21