"قنبلة" وزير الدفاع تحدث زلزالا داخل أروقة الحكم في العراق

الفضيحة التي أثارها وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي، تتجاوز كونها مجرّد قضية فساد تضاف إلى ملفات كثيرة ومتشعبة، إلى كونها تمثّل وجها من وجوه الصراع بين دوائر النفوذ وأجنحة الحكم في العراق، ما يرشح القضية إلى المزيد من التفاعل رغم الجهود التي انطلقت في سباق مع الزمن لتطويقها وحصر ارتداداتها.
الأربعاء 2016/08/03
وضوح الرؤية ضمان لدقة التصويب

بغداد - تعيش الساحة العراقية على وقع ارتدادات الفضيحة الكبرى التي فجّرها وزير الدفاع خالد العبيدي خلال جلسة استجوابه أمام البرلمان حين اتهم رئيس المجلس سليم الجبوري وعددا من النواب والشخصيات الأخرى بمحاولة ابتزازه والضغط عليه لتحصيل مكاسب مادية من وراء صفقات الوزارة ومشاريعها.

وتوقّع متابعون للشأن العراقي أن تتوسّع الفضيحة وأن تتداخل مع صراع الأجنحة والأطراف الشريكة في الحكم.

وعلى هذه الخلفية أكّدت مصادر نيابية عراقية أنّ جهودا واتصالات مكثّفة نشطت خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية لتطويق الفضيحة التي مثلّت مطعنا جديدا للعملية السياسية الجارية في العراق.

وتخشى شخصيات كبيرة وذات نفوذ سياسي وحزبي أن تطولها الفضيحة. وعلى رأس هؤلاء رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي يرى عراقيون أنّ ورود اسمه في قضايا الفساد داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية أمر حتمي وضروري، وهو الذي شهدت فترتا حكمه بين سنتي 2008 و2014 أكبر عمليات فساد واحتيال في صفقات الأسلحة، وتسرّب خلالها أكثر من خمسين ألفا من الجنود والمنتسبين الوهميين الذين يتقاضون رواتب دون خدمة فعلية والمعروفين بـ”الفضائيين” إلى صفوف الجيش.

وكانت للفساد في المؤسسات الأمنية في عهد نوري المالكي، أسوأ النتائج على الوضع في العراق، حيث انتهى الأمر إلى ما يشبه الانهيار في القوات المسلّحة العراقية ما فتح الباب لبضعة آلاف من مقاتلي تنظيم داعش لاحتلال ما يقارب الأربعين بالمئة من مساحة العراق صيف العام 2014.

وخلال استجوابه أمام البرلمان ضمّن وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي ردوده الكثير من الإشارات إلى عهد حكومة نوري المالكي بالمسؤولية عن إخلالات في صفقات وعقود تسليح وتدريب وإقامة منشآت عسكرية.

ولا يستبعد من جهة أخرى أن تتسبّب الفضيحة في إعادة إثارة قضية سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش، حيث قال النائب بالبرلمان العراقي علي البديري، الثلاثاء، إن وزير الدفاع خالد العبيدي أخبر مجموعة من النواب بأنه يمتلك حقائق بشأن سقوط المدينة ودخول تنظيم داعش إلى المحافظات الغربية.

علي البديري: خالد العبيدي يمتلك حقائق بشأن سقوط الموصل بيد داعش

وشرح ذات النائب لموقع السومرية الإخباري أن “العبيدي أخبرنا خلال لقائنا معه قبل استجوابه في مجلس النواب، عن قضايا متعلقة بالحكومة السابقة”.

وتدور المخاوف داخل أروقة الحكم في العراق، أيضا حول إمكانية مساهمة فضيحة الفساد التي فجّرها وزير الدفاع في المزيد من إثارة الشارع العراقي في ذكرى مرور سنة على انطلاق موجة الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح وبمحاسبة الفاسدين وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وضمان الأمن للمواطنين.

وفي حال تفجّرت احتجاجات جديدة في العراق –وهو سيناريو مرجّح حدوثه بدءا من الجمعة- فإنّها ستكون شعبية وعفوية وعصية عن التطويق والتوجيه بعد أن أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر انسحابه من قيادة المظاهرات لمدّة شهر.

وفي محاولة لتطويق الفضيحة، أمر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بمنع سفر رئيس البرلمان سليم الجبوري وكل الأشخاص الذين ورد ذكرهم في محاولة ابتزاز وزير الدفاع.

وورد في بيان رسمي صدر الثلاثاء عن مكتب العبادي أن رئيس مجلس الوزراء “أصدر أمرا بالمنع المؤقت لسفر من وردت أسماؤهم في استجواب مجلس النواب، الاثنين، من أجل التحقق من صحة الادعاءات وذلك لخطورة التهم الواردة”.

وشرح سعد الحديثي، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء العراقي في حديث لوكالة فرانس برس، أن “الأمر يشمل كل من ذكر اسمه أو وجهت له اتهامات في جلسة الاثنين بقضايا فساد”، مشيرا إلى أن “الغاية هي التحقق من صحة هذه الادعاءات”. وردّ مكتب الجبوري على قرار العبادي بأنّ قرارات منع السفر من اختصاص القضاء وحده.

ومن جهته اعتبر تحالف القوى، الذي يعرض نفسه ممثلا سياسيا لسُنّة العراق، والذي ينتمي إليه سليم الجبوري، أنّ كيل الاتهامات حوّل استجواب وزير الدفاع إلى استهداف سياسي لأبرز قياديي التحالف.

وقال التحالف في بيان إن “الاستجواب يعد واحدا من وسائل الرقابة البرلمانية على أداء السلطة التنفيذية وهو حق دستوري يتمتع به أعضاء مجلس النواب طالما توفرت لديهم أدلة كافية تقتضي ذلك”، مبينا أن “ما حدث في جلسة الإثنين خلال استجواب وزير الدفاع، كان محاولة من الأخير لسلب المجلس حقه من خلال التشهير به وتحويل الاستجواب من ممارسة مهنية إلى استهداف سياسي بهدف الالتفاف على الاستجواب والآثار التي يمكن أن تترتب عليه”.

ومن جهته قال نائب بالبرلمان العراقي إنّ رئيس الوزراء حيدر العبادي، رغم حرصه الشديد على إظهار الحياد في القضية التي فجّرها العبيدي، فإنه متعاطف إلى حدّ كبير مع وزير دفاعه، وأنّه عبّر أكثر من مرّة عن امتعاضه من توجيه استجواب له في هذه المرحلة بالذات بالتزامن مع الاستعداد لإطلاق معركة استعادة مدينة الموصل من تنظيم داعش والتي يراها العبادي فاصلة ومصيرية ويحرص على إحاطتها بكل أسباب النجاح، فيما بدت الجهات التي أصرّت على استجواب العبادي في موقع من يحاول إفشال المعركة ببث الشكوك في صفوف المؤسسة العسكرية.

وقال ذات النائب إنّ الموقف الحقيقي للعبادي من الاستجواب انكشف من خلال تصرف النائب المقرّب منه علي العلاق تجاه زميلته في مجلس النواب عالية نصيف خلال جلسة الاستجواب حين خاطبها بحدّة ونهرها وطالبها بالاستماع إليه وحاول إقناعها بتأجيل استجوابها نظرا لوجود شبهة نزاع شخصي بينها وبين وزير الدفاع.

وعالية نصيف التي تولّت ملف استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي من المحسوبين على رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، وهو ما أثار الشكوك في أن استجواب الوزير كان ورقة ضغط من المالكي على العبادي ضمن أوراق ضغط كثيرة استعملها رئيس الوزراء السابق ضدّ الرئيس الحالي بهدف إضعافه تمهيدا لإسقاطه، حيث لم يتردّد المالكي في التعبير عن أنه لا يزال يطمع في قيادة الحكومة، حين قال منذ حوالي شهر إنّه لن يتردّد في تولي المنصب في حال ثبوت فشل حيدر العبادي في القيام بمهامه.

3