قندهار.. حلم طالبان لإعادة الإمارة

استماتة من المتمردين في السيطرة على معقلهم الأول.
الاثنين 2021/07/26
شبح طالبان يحوم هنا

قندهار (أفغانستان) - يستميت مقاتلو حركة طالبان المتشددة في السيطرة على قندهار، وهي معقل الحركة الإسلامية السابق قبل إسقاط حكمها مع بدء الغزو الأميركي للبلاد قبل نحو عشرين عاما.

ويقول مسؤولون محليون إن أكثر من 22 ألف أسرة أفغانية فرت هربا من المعارك في قندهار، حيث يشن مقاتلو طالبان هجمات واسعة النطاق لتحقيق مكاسب عسكرية منذ مطلع مايو الماضي.

واستغلت الحركة الإسلامية إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن الانسحاب من أفغانستان لبدء معركة واسعة ضد القوات الحكومية التي بدت ضعيفة وغير قادرة على كبح تقدم المسلحين. وتركز القوات المدعومة من واشنطن على حماية المدن الكبرى من الهجمات المباغتة لحركة طالبان على الرغم من استبعاد خبراء دخول المسلحين إلى كابول التي تخضع لإجراءات أمنيّة مشدّدة.

وتسيطر الحركة على العشرات من الأقاليم والمعابر الحدودية وحاصر مقاتلوها عواصم عدة محافظات، من بينها قندهار التي تعتبرها طالبان بمثابة المدخل لإعادة تأسيس الإمارة الإسلامية التي تمت إقامتها بين عامي 1996 و2001.

ولم يتوان زعيم حركة طالبان هبة الله أخوند زاده قبل أيام قليلة في التأكيد على أن “الإمارة الإسلامية ستستغل كل فرصة تسنح لها لإرساء نظام إسلامي وسلام وأمن”، وأنها ستعمل من أجل تحقيق تسوية سياسية.

ويرى مراقبون أن حركة طالبان المتشددة تريد تحقيق مكاسب أكبر، وخاصة السيطرة على مدينة قندهار التي كانت نقطة الانطلاق (حين تأسيسها عام 1994) نحو السيطرة على مناطق واسعة في أفغانستان سنة 1996.

أكثر من 22 ألف أسرة أفغانية فرت هربا من المعارك المتواصلة في قندهار بين القوات الحكومية وطالبان

ويعتقد هؤلاء أن الحركة المتشددة تعمل بنفس الخطة التي نفذتها قبل نحو 25 عاما بعد تركيز هجماتها الأخيرة على محيط قندهار.

ومنذ مايو استولى المتمردون على مساحات شاسعة من الأراضي الريفية، بالإضافة إلى العديد من المراكز الحدودية الرئيسية، وطوقوا مدنا كبيرة. وتزعم طالبان أنها تسيطر حاليا على نصف أقاليم أفغانستان البالغ عددها 400 إقليم.

وصرّح رئيس إدارة شؤون اللاجئين في قندهار دوست محمد درياب بأن المعارك المستمرة دفعت 22 ألف أسرة إلى النزوح من قندهار خلال الشهر الماضي، وقال “لقد نزح الأهالي جميعا من مناطق مضطربة في المدينة إلى مناطق أكثر أمانا”.

وتتواصل المعارك بين القوات الحكومية ومقاتلي حركة طالبان عند تخوم مدينة قندهار، حيث قال نائب حاكم الولاية لالاي داستاغيري إن “الإهمال الذي تعاني منه بعض القوى الأمنية، وخصوصا الشرطة، فسح المجال أمام اقتراب طالبان إلى هذا الحد”. وتابع “حاليا نحن نحاول تنظيم صفوف قواتنا الأمنية”.

وكانت السلطات المحلية قد أقامت أربعة مخيمات لاستقبال النازحين الذين يقدّر عددهم بنحو 154 ألف شخص.

Thumbnail

ويقول المواطن الأفغاني حافظ محمد أكبر المقيم في قندهار إن حركة طالبان استولت على منزله بعد فراره، ويضيف “لقد أجبرونا (مقاتلو طالبان) على المغادرة… أنا أقيم حاليا مع عائلتي المؤلفة من 20 فردا في مجمّع لا مراحيض فيه”.

ويتخوّف السكان من اشتداد المعارك في الأيام المقبلة حيث قال خان محمد الذي انتقل مع عائلته للإقامة في مخيم للاجئين “إذا أرادوا حقا القتال فعليهم أن يذهبوا إلى الصحراء والقتال هناك، لا أن يدمروا المدينة”. وتابع “إن انتصروا لا يمكنهم أن يحكموا مدينة أشباح”.

وقندهار البالغ عدد سكانها 650 ألف نسمة هي ثاني أكبر مدينة في أفغانستان بعد كابول. وكانت الولاية الجنوبية معقلا لطالبان عندما حكمت الحركة البلاد بين عامي 1996 و2001. وبعدما أطاحت بها الولايات المتحدة من الحكم سنة 2001 ردا على هجمات 11 سبتمبر عام 2001 قادت طالبان تمردا دمويا لا يزال مستمرا إلى الآن.

وهذا الأسبوع قال رئيس الأركان الأميركي الجنرال مارك ميلي إن حركة طالبان اكتسبت “زخما استراتيجيا” أثناء هجماتها في أنحاء أفغانستان. لكن منظمة هيومن رايتس ووتش اتّهمت الحركة بتهجير السكان ونهب ممتلكاتهم وإحراق البيوت، بما في ذلك منطقة سبين بولداك المحاذية للحدود مع باكستان والتي سيطرت عليها طالبان هذا الشهر.

هل تتبع حركة طالبان المتشددة نفس الخطة التي نفذتها قبل نحو 25 عاما في السيطرة على مدينة قندهار

وقالت باتريشا غروسمان مديرة قسم آسيا في المنظمة إن “قادة طالبان ينفون مسؤوليتهم عن أي انتهاكات، لكن الأدلة المتزايدة على الطرد والتوقيفات العشوائية والقتل في مناطق خاضعة لسيطرتهم تثير مخاوف السكان”.

ولم تعلن طالبان صراحة ما إذا كانت تعتزم مهاجمة المدن التي تحاصرها، علما بأن قادة الحركة تعهّدوا صراحة بعدم شن معارك في المناطق الحضرية على الرغم من شن مقاتليهم هجمات عنيفة في ضواحي عواصم المحافظات. إلا أن رقعة المواقع التي تسيطر عليها طالبان في أفغانستان اتّسعت بشكل غير مسبوق.

وفي 16 يوليو الجاري قال بيل روغيو المحلل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إن “أكثر ما يفاجئ في هجوم طالبان هو تركيزه على الشمال والجنوب، حيث توسعت رقعة المعارك إلى أعتاب صناع القرار في أفغانستان”، مشيرا حينها إلى أن حرمان “أمراء الحرب من القواعد المؤيدة لهم في شمال البلاد وغربها سيساهم في إسقاط الحكومة الأفغانية”.

ويتّسع نطاق تمدد طالبان بشكل مطرد؛ فحين تكون على وشك السيطرة على عاصمة محافظة في شمال غرب البلاد تصبح في اليوم التالي عند مداخل قندهار في الجنوب، مع إحكام السيطرة على منافذ حدودية استراتيجية وموانئ جافة، وهي نقاط داخلية لتخزين البضائع.

ويبدو أن الاستراتيجية التي تعتمدها ترمي إلى تحقيق أهداف عدة، منها إنهاك سلاح الجو والوحدات الخاصة في القوات الحكومية وحرمان كابول من إيرادات هي في أمسّ الحاجة إليها. كذلك أبعدت طالبان الحكومة المركزية من معاقل مناهضة تقليديا للحركة كانت كابول تعوّل على دعمها للسلطات.

7