قنوات الشعوذة والسحر تتنافس على تغييب وعي المشاهد

أضحت برامج السحر والشعوذة، تحت مسمّى “المعالجين الروحانيين”، ظاهرة تجد صداها في بعض القنوات الفضائية، مستغلة الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردي في أغلب الدول العربية، وغياب الوعي والثقافة لدى شريحة واسعة من الناس.
الخميس 2016/03/10
البحث عن الإثارة

القاهرة – طفت بكثافة على سطح الإعلام العربي مؤخرا برامج الشعوذة والسحر، وتسابقت بعض الفضائيات على استضافة “المعالجين الروحانيين”، حتى تحولت برامج الجن والعفاريت إلى “وليمة مسائية” على شاشات عدد من القنوات الفضائية، ما جعل البعض يندهش لكيفية مطالبة هذه الفضائيات بتجديد الخطاب الديني نهارا والترويج لهذا النوع من الدجل والشعوذة ليلا؟

وتساءل متخصصون عن أسباب السماح لهؤلاء بالظهور علنا ومخاطبة الملايين عبر الفضائيات، بالرغم من أنهم يتعرضون لمطاردات قانونية في غالبية الدول العربية، ويعمل معظمهم في الخفاء.

واحتلت القنوات الفضائية التي تروج للشعوذة والسحر المرتبة الأولى، حيث يصل عددها إلى 248 قناة من بين 1249 قناة (حوالي 19 بالمئة تقريبا)، بينما القنوات الثقافية لا يتجاوز عددها تسع قنوات بينها 5 عامة و4 خاصة، طبقا للتقرير السنوي لاتحاد إذاعات الدول العربية حول البث الفضائي.

وتم توجيه اتهامات لها بالسعي إلى تغييب العقل العربي وفصله عن الواقع، بعد أن ثبتت قدرتها في أن تصبح عابرة لكل المستويات، أغنياء وفقراء، مثقفين وجهلاء.

وأوضح متابعون لأداء تلك القنوات لـ”العرب” أن تلك البرامج هي إفرازات اجتماعية لواقع عربي يزداد قتامة، تعامل معه مالكو الفضائيات بذكاء، بعد دراسة سوق الشخصية العربية واكتشاف إيمانها بقوى ما وراء الطبيعة. وتعمّدت بعض الفضائيات العربية تثبيت مساحات يومية من البرامج، تحت مسمّى “معالجين روحانيين” طمعا في تحقيق أعلى نسبة مشاهدة، بعد تقديم ضيوف يدعون القدرة على علاج المرضى بطرق روحانية.

رواج فضائيات الدجل والشعوذة، سببه ضرب هذه القنوات على وتر حساس لضعفاء وجهلاء وحتى مثقفين، انتابتهم حالة يأس وتعلقوا بأي أمل حتى وإن كان وهميا

وترى سامية الساعاتي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة، أن رواج فضائيات الدجل والشعوذة، سببه ضرب هذه القنوات على وتر حساس لضعفاء وجهلاء وحتى مثقفين، انتابتهم حالة يأس بسبب مرض أصابهم أو مصيبة حلت بهم وتعلقوا بأي أمل حتى وإن كان وهميا.

الساعاتي كشفت لـ”العرب” أن هذه النوعية من البرامج لها نوعان من الجمهور، أحدهما مؤمن بها ويبحث عنها رغبة في معرفة المزيد من خباياها، ويتعمّد تغييب عقله لتصديق كل ما يصدر عنها. أما الثاني فهو غير مؤمن بها، لكنه يشاهدها فضولا وتسلية وربما يشارك من باب أن يقنع نفسه بقوته، وأنه لن يقع فريسة للدجل.

ومن أشهر البرامج التي عرضت هذه النوعية من الموضوعات “أسرار من تحت الكوبري” للإعلامي اللبناني طوني خليفة عام 2014، على قناة “القاهرة والناس”، وقدم فيه العديد من الحلقات الخاصة بقضايا الجن والعفاريت. وبرنامج “صبايا الخير” على شاشة “قناة النهار”، الذي قدمته المذيعة ريهام سعيد، وخصصت أغلب حلقات برنامجها، لمناقشة قصص “الممسوسين من الجن”، حتى تم وقف البرنامج مؤخرا.

وقدمت الممثلة رانيا محمود ياسين على قناة “العاصمة” ضمن برنامج “صباح العاصمة” في يناير 2016، حلقة تحضير أرواح، استضافت فيها الفلكي أحمد شاهين واستدعى خلال الحلقة روح الرئيس الراحل أنور السادات بطريقة مسيئة، ليحذّر بعدها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من التعرض للاغتيال.

وشن رجال الدين هجوما عنيفا على هذه البرامج. وفي تصريحات خاصة لـ”العرب” قال الشيخ إبراهيم رضا أحد دعاة وزارة الأوقاف، إن تلك الفضائيات والبرامج تخالف النهج الديني الصحيح في التعامل مع الجن، وتميل إلى الشعوذة وادعاء المعرفة بالغيب والمستقبل والتحكم فيه نحو الأفضل وهو غير حقيقي.

وأرجع مراقبون انتشار هذه الظاهرة إلى الواقع السياسي المحبط والمتردي الذي يعيشه العالم العربي، حيث فقدت البرامج السياسية والاقتصادية والثقافية جاذبيتها ومصداقيتها، الأمر الذي جعل كثيرين ينفرون منها لتستهويهم مثل هذه البرامج.

نبيل عبدالفتاح: هناك ارتباط قوي بين تقدم المجتمع والإقبال على هذه البرامج وانتشارها

وبدوره قدم نبيل عبدالفتاح الباحث والكاتب المصري، منظورا فلسفيا لانتشار هذه الظاهرة يتمثل في زيادة الفجوة بين الواقع والبحث عن المثالية.

وقال لـ”العرب” إن الأفراد يلجأون إلى متابعة تلك البرامج للتنفيس عن إحباطهم ومشكلاتهم وأزماتهم الحياتية، حيث يجدون فيها مخرجا وهميا بشأن التنبؤ بالمستقبل والبحث عن وضع أفضل. كما أن مالكي تلك الفضائيات يلعبون على أمور الغيب التي يؤمن الإنسان بها لضعف قدراته الطبيعية أمامها، والناس تلجأ إلى مثل تلك البرامج بحثا عن حل لمشكلاتها.

وأكد عبدالفتاح أن هذه الحالة انعكاس لأزمة واقع مرير تعيشه المجتمعات العربية، سببه ضآلة درجة التطور والتقدم فيها، فهناك علاقة ارتباط قوية بين تقدم المجتمع والإقبال على هذه البرامج وانتشارها.

ومن جهته أرجع قدري حفني، أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس بالقاهرة، انتشار هذه البرامج إلى ملامستها لمنطقة مهمة في حياة المجتمعات العربية، تتعلق أساسا بالغيب والبحث عن حياة أفضل وانتشار الجهل والخرافة. وأشار في تصريحات لـ”العرب” إلى أن انتشار فضائيات الجن والشعوذة وزيادة الإقبال عليها يعكسان الواقع على الأرض، فبعد أن كانت هذه الأمور تجري في السر أصبحت تتم علانية عبر الفضائيات، وكل هذا يكشف عن طبيعة الأزمة المجتمعية.

وأضاف أن الاعتبارات التجارية والاقتصادية لها دور كبير وتقف وراء انتشار تلك الفضائيات، حيث يميل مالكو الفضائيات إلى تجنب الموضوعات السياسية التي لم تعد تحظى بإقبال المشاهد عليها. وأصبح هناك إقبال على هذا النوع من البرامج، لأن تكلفة إنتاجها بسيطة، وتساهم في زيادة الإعلانات التجارية، ومن ثم تحقق أرباحا مالية كبيرة مقارنة بالبرامج العادية.

وشدد محمود علم الدين أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة على أهمية المواجهة الإعلامية لتلك الفضائيات عن طريق تفعيل ميثاق الشرف الإعلامي واعتبار هذه القنوات تهديدا للتماسك المجتمعي. وطالب في تصريحات لـ”العرب” بتدخل أجهزة الدولة في مصر، عبر سرعة تشكيل مجلس وطني للإعلام، ووضع ضوابط لعمل الفضائيات ومنع برامج الجن والشعوذة، مع ضرورة إيجاد تشريع قانوني وقاعدة فكرية وتدريب وتثقيف ومحاسبة وتقييم ومتابعة.

18