قنوات مشبوهة تستغل تداخل تردّدات الأقمار الاصطناعية

خطورة التداخل الفضائي في القمر الصناعي المصري "نايل سات" تزداد تصاعدا إذ يعج بقنوات مدعومة من الإخوان وقطر وتركيا.
الأربعاء 2020/02/19
احتكار الخدمات المدفوعة للدراما أتاحت المجال لانتشار القرصنة

تستفيد قنوات الإخوان وقنوات ترفيهية مشبوهة من تداخل الترددات على الأقمار الاصطناعية للتسلل عبر قمر “نايل سات” المصري، وبث محتوى لا يخضع لمعايير البث الفضائي إلى الجمهور العربي، خصوصا مع عدم وجود قانون دولي يحمي البلدان من تداخل الترددات على الأقمار الاصطناعية.

القاهرة- تستعد الحكومة المصرية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد قنوات غير مرخصة يتم بثها على القمر الاصطناعي المصري “نايل سات”، وتبث مواد متطرفة ومعادية ومبتذلة، تستهدف دول المنطقة إضافة إلى مصر.

وتقوم هذه القنوات باستهداف دولة بعينها من خلال البث عبر قمر اصطناعي يقع في نفس الحيز المداري الذي يتواجد فيه القمر لنفس الدولة، بحيث تكون عاجزة عن وقف بثها أو التدخل في المحتوى السلبي الذي يصل للمشاهدين بسهولة. وفي الكثير من الأحيان تكون خطورة الاختراقات الفضائية اجتماعية، بوجود قنوات إباحية تحض على الانفلات الأخلاقي.

وواجهت الإمارات قبل ست سنوات إشكالية التداخلات الضارة بين شبكات قمرها الاصطناعي، والقمر المملوك لجمهورية بيلاروسيا، وتم وضع حلول للمشكلة بالتفاهم بين مسؤولي الاتصالات في البلدين، وتوسيع قاعدة التشارك في تقنيتي المعلومات والفضاء.

لكن خطورة التداخل الفضائي في القمر المصري “نايل سات”، تزداد تصاعدا إذ يعج بقنوات مدعومة من الإخوان وقطر وتركيا، على غرار الجزيرة مباشر، ورابعة، ومكملين، والشرق، ويتم بثها عن طريق القمر الفرنسي “يوتل سات” الذي يتواجد في نفس الحيز المداري للقمر المصري.

وقال محمد القوصي، الرئيس التنفيذي لوكالة الفضاء المصرية، في تصريح لـ”العرب”، إن الكثير من الأقمار الاصطناعية المملوكة لبعض الدول تكون متجاورة، وتقع في حيز مداري متقارب للغاية، ما تسبب في مشكلات عصية على الحل للحكومات لعدم القدرة على التدخل لغلق القنوات الدخيلة.

وأضاف أن الأزمة الأكبر تكمن في عدم وجود قانون دولي يحمي البلدان من تداخل الترددات على الأقمار الاصطناعية، ولا يوجد سوى مسار واحد يتمثل في التشويش على القنوات غير المرخصة التي تسللت لقمر بعينه من قمر مجاور له، ويحتاج الإجراء لإمكانيات عالية. وهناك أكثر من 32 قناة فضائية يشاهدها المصريون خارجة عن سيطرة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ويصعب التحكم في محتواها، سواء كان ذلك في صورة إعلانات مضللة، أو أفلام ومسلسلات تنتهك حقوق الملكية الفكرية، أو حتى برامج سياسية تستهدف الدولة المصرية.

وأدخل مجلس الإعلام المصري وزارة الخارجية طرفا أصيلا في مواجهة القنوات غير المرخصة، بحيث يكون هناك مسار دبلوماسي عن طريقه يتم توجيه خطابات رسمية إلى الجانب الفرنسي، للتوسط لدى إدارة القمر الاصطناعي “يوتل سات”، لوضع حد لبث القنوات غير المرخصة على “نايل سات”، لاسيما ما يرتبط بقنوات الإخوان.

وقالت مصادر مطلعة لـ”العرب”، إن الخارجية المصرية خاطبت بالفعل نظيرتها الفرنسية لإغلاق قنوات الإخوان الموجودة على “نايل سات” بشكل مخالف، وكانت هناك موافقة مبدئية على طلب القاهرة، لكن لم يتم التنفيذ دون أسباب واضحة من باريس، ما قد يثير الشكوك حول وجود تدخلات قطرية مدعومة ماليا، حالت دون تكميم أفواه المنابر الإخوانية على القمر المصري. وتحاول القاهرة منذ ست سنوات، تنفيذ الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بمصر، بوقف بث قنوات الإخوان على ترددات “نايل سات” لتحريضها ضد الدولة وتهديد الأمن والسلم العام والترويج لخطاب تكفيري، لكنها في كل مرة تصطدم بعراقيل إدارة قمر “يوتل سات” الفرنسي.

وأكد حاتم زكريا، عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (حكومي)، لـ”العرب”، أن هناك اهتماما مصريا بملف القنوات التي تبث من فرنسا على “نايل سات”، لكن الأمور سوف تأخذ وقتا طويلا، ولا بديل عن استثمار تحسن العلاقة بين القاهرة وباريس للضغط على إدارة القمر الفرنسي لحل هذه الأزمة لأنها خلّفت مشكلات كثيرة.

وترتبط إعادة الاهتمام الحكومي بهذا الملف، بقيام بعض القنوات غير المرخصة التي اعتادت التركيز على بث الأعمال الفنية بإعداد برامج حوارية تركز على الزواج والطلاق ومناقشة قضايا مثيرة، وتعتمد على مذيعين وضيوف غير متخصصين، وأحدثت ضررا بالغا بصورة الإعلام في مصر.

الفضائيات الدخيلة على "نايل سات" أصبحت البديل المجاني لاحتكار منصة "واتش إت" الأعمال الدرامية والسينمائية

وأدت وقائع تسمم ووفاة مواطنين بسبب تناولهم أدوية ومنتجات غذائية يتم الترويج لها على هذه القنوات، إلى إعادة مجلس تنظيم الإعلام فتح الملف بعدما وجد أن خطورة هذه المحطات غير المرخصة تجاوزت الاستهداف السياسي، وأصبحت تحدث أزمات اجتماعية.

وتعتمد الكثير من الفضائيات الترفيهية الدخيلة على القمر المصري، على استخدام كلمات وعبارات يصنفها الشارع على أنها إباحية، عند عرض المنتجات أو خلال البرامج الحوارية، ما أزعج الأسر المحافظة.

وتسعى هذه القنوات، لاستقطاب الفئات البسيطة في المجتمع، حيث تقوم بالترويج لمنتجات زهيدة السعر، وتدّعي أنها عالمية وتنسبها لدولة أوروبية، وتبث لقاءات متلفزة مع مواطنين، لإقناع الناس بشراء الأدوية، ما اعتبرته نقابتا الصيادلة والأطباء في مصر جريمة تستوجب التصدي لها.

وينظر البعض إلى الفضائيات الدخيلة على “نايل سات” على أنها البديل المجاني لاحتكار منصة “واتش إت” المملوكة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (حكومية) الأعمال الدرامية والسينمائية التاريخية والحديثة وتقديمها للجمهور بمقابل مادي يتم خصمه لصالح الشركة من باقات الإنترنت الخاصة بالعملاء.

وتصر قنوات القرصنة على انتهاك حقوق الملكية الفكرية للأعمال الدرامية والسينمائية، وتتعمد سرقة بعض الأفلام التي لا تزال معروضة في دور السينما ويتم بثها للجمهور ولو بجودة أقل، لتوسيع قاعدة جماهيريتها، وهو ما سبق واشتكى منه كثير من الفنانين والمنتجين للمجلس الأعلى للإعلام بعد تعرضهم لخسائر مالية كبيرة.

وأقصى ما في وسع المؤسسات الرسمية حاليا أن تقوم بمداهمة مقار هذه القنوات داخل البلاد، وهي عبارة عن وحدات سكنية في مناطق شعبية، ومصادرة الأجهزة الموجودة بالمكان، لكن ذلك لا يؤثر على استمرار المحطات في البث من الخارج.

18