"قهوة الجنرال" نص لا تأسره ضفاف تحت سماء التراجيديا السورية

الجمعة 2014/05/09
تخطيط لساي سرحان

عن دار “نون للنشر”، صدر كتاب بعنوان “قهوة الجنرال”، للكاتب المسرحي السوري غسان جباعي. وهو نص روائي خارج عن المألوف ومتمرّد ومشاكس للرواية الكلاسيكية، يحترف التشخيص على الخشبة الماثلة في وهم القارئ، متقمصا شخصيات الرواية بأرواحها المضطربة، ونفوسها المترعة بكل ما يعتلج في دواخل الإنسان ببلد يشبهنا.

فاز نص “قهوة الجنرال” بالجائزة الثانية لـ”المزرعة”، التي دأب على إحياء احتفالياتها في مدينته السويداء، رجل الأعمال السوري المهندس يحيى القضماني، حاضنا فيها الإبداع والمبدعين، وقد أوقفها في عام 2011 احتجاجا منه على مقابلة الانتفاضة السلمية للشعب السوري بالعنف، ثم أعاد تفعيلها في دورتها الأولى هذا العام كنشاط لرابطة الكتاب السوريين. هذا النص الماكر الفاتن الساحر رسم مشهدا مسرحيا بانوراميا للحالة السورية من خلال تجربة سجين سياسي.


عرض غرائبي

تباشر بقراءة النص فيفتح أمامك ستائر الخشبة وتشعر أنك المتفرج الوحيد في صالة رهيبة لعرض غرائبي، تنساق خلف لعبة الضوء والعتمة اللذين يتكرر ذكرهما في النص “لا يمكن لحياة أن تستمرّ أو أن تكون أصلا إلاّ بوجود هذا الثنائي العظيم: العتمة والضوء” فتنفتح أمامك الأبواب والنوافذ بإخراج حاذق لتختلط عليك الأمور وتضيع بين الوهم والواقع، ثم تكتشف هول الفاجعة “حيث لم يتغير شيء في المشهد السماوي سوى أنهم نصبوا شباكا من القضبان الحديدية العملاقة، تعزل اليابسة عن الماء أو الماء عن اليابسة.. قضبان خرافية تقطّع السماء إلى مربعات صغيرة زرقاء موشحة بالغيوم، وبحر زجاجي رجراج، واسع أزرق نيلي، خافق لانهائي، واهب سالب مزاجي، جليل نبيل برّاق…”. هذا المشهد الذي استهل الكاتب النص به، يحيل القارئ إلى أن البلاد قد تحوّلت إلى سجن كبير، إلى معتقل للحريات حتى الأرض والنهر والبحر والكائنات لم تسلم منه.

في هذا النص سارد وراو هما ظلان للكاتب، ويتناوب القص فيه أيضا امرأة ورجل، مثل ممثلين على الخشبة يتناوبان الأدوار في حوارية ترسم المشاهد، وتحطم الحدود بين الخيال والواقع، بين الوهم والحقيقة، تدفعك إلى تلك المنطقة الشرسة حيث يسودها اللاتعيين فينسف الجغرافيا والزمن، ويداخل الخاص بالعام ليشف الرمز في أبهى محاكاة، المرأة الحلم والواقع، المرأة المعشوقة والوطن الحبيب، المرأة الحلم وسوريا الحلم المغدور: “كانت هي الوطن الجميل والحرية المنشودة والعدل والكرامة الإنسانية”.

يصبح المكان بطلا رئيسيا في متن السرد، حيث يعيش بطل النص تجربة السجن بوهم المسرح

هذه المرأة التي تحضر في إحدى الزيارات لزوجها في سجنه كتابا يرى فيه شعرة يتخيل أنها إحدى شعرات جسدها، شعرة على شكل أول حرف من اسمها “s” فيشطح في الأحلام والهواجس والوجد والشوق، هل هناك إشارة أوضح من هذه، وقد جاءت بالرمز محمولة على بلاغة فاتنة؟


سيرة سجين

هي حكاية وطن محمولة على سيرة ذاتية لسجين سياسي مثقف، مخرج مسرحي، اقتيد ذات يوم إلى “فنجان قهوة”، هذا المصطلح الدارج عند فروع الأمن في سوريا المستباحة من قبل نظام أمني مستبدّ، فنجان القهوة هذا يصبح فضاء شاسعا مفتوحا على زمن خطيّ لا ينتهي، يمضيه السجين الذي لا يخضع إلى محاكمة ولا يعرف ما هي تهمته، إذا لم يعدم أو يموت تحت التعذيب، فإنه يمضيه خارج الزمن، في عتمة زنزانة أو مهجع كان إسطبلا لبناء بناه الفرنسيون، هو وحده، السجين يخترع له النوافذ والأنوار والسلالم “أليس من حق المكان أن تكون له نافذة واحدة؟” يبرع الكاتب في وصف فضاء السجن، ليصبح المكان بطلا رئيسيا في متن السرد، حيث يعيش بطل النص تجربة السجن بوهم المسرح “كان الديكور متقنا ومعبرا عن الفكرة، فقد اختصر إلى علبة مكعبة بثلاثة جدران مرتفعة” ويستعيد الماضي ويستدرج التاريخ ويخضع التجربة إلى النقد: “لم تكن قد اختمرت أو نضجت تجربة الحب”.”سنوات كثيرة ستمرّ قبل أن نفهم الحكاية ونتمكن من إعادة صياغتها. سنوات كثيرة ستموت قبل أن تترك الحكاية بيتها القديم وتخرج إلى الشارع، كما نريدها، مزوّقة بالألوان والكلمات الحقيقية”.

بسرده الذي يتناوب بين الواقعي السيري، والمونولوج السوريالي، يقول الراوي حكايته، بين فترتين قبل وبعد السجن، يفصلهما زمن السجن الذي يوزع الناس إلى سجناء بين سجن داخلي وآخر خارجي، حيث يصنع الغياب لأولئك المنتظرين خارج القضبان سجنا آخر، انتظارا أجوف قاسيا يُسامون فيه عذابا من طبيعة أخرى، فتُساوم المرأة على عرضها وكرامتها وتُدفع إلى تقديم جسدها فيستبيحونه لقاء الوعد بالإفراج عنه.


تداخل الفنون

ينفتح النص على العديد من الفنون والعلوم، فهو إذ يتخلق على شكل مسرح يتماهى بالحكاية ليصنع الرواية، يحضر المسرح كمفهوم بأدواته وهويته في النص، كذلك التاريخ، أقلّه المعاصر خاصة لسوريا التي حكمها العسكر منذ أول انقلاب، فيؤرخ الكاتب لحياته وفق تقويم الانقلابات حيث كانت ولادته “في كانون الأول في عصر الجنرال الأول/ جنرال الخمسينات/ أديب الشيشكلي”، ثم صادرها العسكر وتملكوها واستعبدوها بدلا من عاشق مثقف.

ومثلما يعمل التعذيب في السجين فيحوّله إلى موت غير معلن، إلى حالة احتضار مديدة، فإن فكرة التقمص تبزغ في النص مثل ومضة أمل يحمله شعاع من نور “سأستعيد ساقي المفقودة، وأصرخ كالذئب الجائع، وأخلع قميص المحكومين بالموت لأرتدي قميص الحياة الجديدة”؛ “..أضحّي بجسدي من أجل قميص جديد” وما هذا القميص الجديد غير الحلم بسوريا الجديدة؟.

هذا عدا ما حمله النص من تأمّلات وجودية وآراء فلسفية حول الروح والمادة والوجود.

يبقى “قهوة الجنرال”، نصا إبداعيا بتجربة لافتة مزجت بين المسرح والقصة والرواية، بأسلوب سردي جميل رسم الجغرافيا بطريقة مبتكرة، واستنطق المكان وجعل فضاءه يمور بالحياة والمشاعر والعواطف حتى كاد يحكي، ولعب بالزمن فمنحه أبعادا أخرى. كل ذلك بلغة تمنحها شاعريتها حضورا رشيقا، وتمسي حاضنا حانيا للبوح المتدفق من رجل لم يجعله التعذيب والإبعاد عن الحياة أقل تمسكا بجملته: “كفى كذبا”. إما أن تكون شاهدا حقيقيا على عصرك وتقول ما تراه وتقتنع به، أو أن تصمت. وها هو يعود: “بعد غياب قسري دام قرابة عقد من الزمن، عدت إلى بيتي صبيحة يوم بارد من كانون الأول عام 1991” وكان “الزمن خيطا طويلا خانقا اختاره كي يلتف حوله كالشرنقة” لكنه يعود إلى “المدينة الفيحاء.. عاصمة الأمويين.. جنة معبدة بالنوايا الباهرة والشعــــــارات. عاصمة الأرواح والأشبـــاح”. ممثلا مسرحيا بساق خشبية، لكنه لم يفقد البوصلة.

15