قهوة القارة السمراء نكهة تبحث عن الانتعاش

الجمعة 2014/06/06
انخفض معدل مساهمة أفريقيا للقهوة في الإنتاج العالمي من 30 بالمئة إلى 12 بالمئة

ياوندي (الكاميرون)- القهوة أو ذلك المشروب المعدّ من بذور البن المحمصة، والذي يقال إنه ثاني أكثر السلع تداولا في العالم بعد النفط الخام (بسبب احتوائه على الكافيين المؤثّر في البشر)، انطلقت في رحلة تراجع تبدو مثيرة للقلق في القارة الأفريقية.

خلال أقل من ربع قرن من الزمن، شهد إنتاج القهوة أو البنّ الأخضر تراجعا ملحوظا في القارة الأفريقية، حيث انخفض معدّل مساهمته في الإنتاج العالمي من 30 بالمئة (قبل 25 سنة) إلى 12 بالمئة في الوقت الراهن، وهو تراجع “مخيف” حسب الناشطين في القطاع، وتعود جذوره إلى تراكم عوامل مختلفة عبر الزمن، أدّت إلى انسحاب تدريجي لبلدان القارة من صدارة الترتيب العالمي للبلدان المنتجة للقهوة، والكاميرون إحدى تلك الدول.

ففي الكاميرون، بلغ إنتاج القهوة خلال الموسم السنوي 2012-2013 حوالي 18 ألف طن، وهو ما يشكّل “انخفاضا مريعا مقارنة بـ 30 ألف طن حجم الإنتاج المحلي للقهوة خلال الموسم الذي سبقه مباشرة (2011-2012).

وجنوح الإنتاج نحو الانخفاض بهذا النسق السريع منذ أكثر من 20 سنة يطرح مفارقة بالنظر إلى الطلب المتنامي على القهوة الكاميرونية، حسب السكرتير التنفيذي لـ“مجلس المهنيين الأعضاء للكاكاو والقهوة” في الكاميرون عمر ماليدي. وهذا المجلس هو عبارة عن منظمة مستقلة ذات هدف غير ربحي تضم المنظمات المهنية الناشطة في قطاع الفلاحة والتجارة والصناعة والخدمات المسداة في مجالي الكاكاو والقهوة.

إفريقي يلتقط حبوب الكاكاو في مزرعة للبن في ديفو بساحل العاج

وقال ماليدي خلال حضوره في مهرجان النهوض بالقهوة الكاميرونية، والذي التأم هذه السنة تحت عنوان “فيستي كوفي 2014” (مهرجان القهوة 2014) إنّ هذا التراجع لم يسجّل على المستوى المحلي فحسب، وإنّما اقترن بنسق مماثل شمل القارة بأسرها، فاليوم “تنتج أفريقيا 12 بالمئة من جملة الإنتاج العالمي من القهوة، وهذا قليل، على الأقل مقارنة بنسبة الـ 30 بالمئة من الإنتاج العالمي الذي كانت تحققه منذ ما يزيد عن 25 سنة. فنسق الإنتاج الأفريقي يمضي عكس التيار، خصوصا إذا ما علمنا أنّ الاستهلاك العالمي للقهوة ارتفع بحوالي 2.2 بالمئة سنويا، مما يعني أن الطلب حقّق ارتفاعا هو الآخر”.

ومن جانبه، أوضح الأمين العام لمنظمة البلدان الأفريقية للقهوة (هيكل مستقل يضم 25 دولة أفريقية منتجة للقهوة، مقره بكوت ديفوار ) فريديريك كاووما أسباب تراجع إنتاج القهوة في بلاده قائلا “يوجد – على سبيل المثال- تقصير في متابعة المزارعين، فعلى إثر تحرير القطاع في القارة الأفريقية خلال السنوات العشرين الأخيرة، أهملت معظم حكومات البلدان الأفريقية منتجي القهوة، ليجد هؤلاء أنفسهم دون سند يدعمهم ويساعدهم على شراء حاجياتهم الأساسية للزراعة ومتطلبات الإنتاج عموما”.

كاووما أضاف متطرقا في ذات السياق إلى الأسباب التي أدّت إلى تراجع إنتاج القهوة على الصعيدين المحلي (في الكاميرون) والقاري، قائلا “هنالك أيضا مشكلة التجديد، فتقدّم الأشجار في السن ينعكس بصورة بديهية على كمية إنتاجها، وهذا يتناقض في جزء منه مع توفّر بحوث أجريت في العديد من الدول، وتمخّضت عن اكتشاف أنواع جديدة من أشجار القهوة ذات قدرة أكبر على الإنتاج”.

وفي سياق متصل، قال رئيس “وكالة القهوة روبيستا” (نوع من القهوة الأكثر شيوعا حول العالم) بأفريقيا ومدغشقر أنسالم غوتون: “كان على السوق الأفريقية أن تتحمّل في وقت من الأوقات وطأة الأزمة، فكان أن انخفضت الأسعار، وللأسف لم تكن السياسات (الاقتصادية) المعتمدة على قدر من التقدّم الذي يمكّنها من احتواء الأسعار وتعديلها بما يتماشى ومصلحة المزارعين، وهذا ما تسبّب في مرحلة موالية في فقدان هؤلاء للحافز النفسي على الإنتاج، ومن ثمة انخفاضه”.

ماليدي أضاف في السياق نفسه أنه من الممكن تدارك قطاع القهوة في أفريقيا “شريطة الانكباب على الإنتاج من جديد”، لافتا إلى أن القارة الأفريقية تمتلك من الإمكانات في هذا المجال ما يؤهّلها للمضي قدما في إنعاش قطاع القهوة، وخصوصا نوع “روبوستا”، بما أنّ “كبار منتجي القهوة لم يعد بإمكانهم توسيع زراعاتهم”.

فالبرازيل، أكبر منتج للقهوة في العالم، تجد نفسها مجبرة على حماية غابات الأمازون، لذلك لا يسعها التمديد في المساحات المخصّصة لزراعة أشجار القهوة. أما الفيتنام (ثاني منتج للقهوة على الصعيد العالمي)، فيواجه مشاكل جدّية تتعلّق بعدم توفّر الأراضي، وهو الإشكال ذاته الذي تواجهه أندونيسيا كثالث أكبر منتج للقهوة في العالم، باعتبارها أرخبيلا يضم حوالي 14 ألف جزيرة.
تمتلك القارة الأفريقية إمكانيات تؤهلها لإنتاج قهوة "روبوستا" بكميات كبيرة

ماليدي قال إن “الاحتباس الحراري يتسبب في اندثار الكثير من الجزر”. ووفقا للتحليل المقدّم، خلص ماليدي إلى أنّ “الجزء الوحيد في العالم الذي يحتمل توسّعا في المساحات المخصصة لزراعة القهوة هو حوض الكونغو الخاضع لسيطرة الكاميرون”.

وتعهّد مجلس المهنيين الأعضاء للكاكاو والقهوة في الكاميرون، والذي يجمع حوالي 150 منظمة حرفية، بتخصيص 10 بالمئة من ميزانيته السنوية لتمويل “برنامج استعجالي للتحفيز على زراعة القهوة”، وذلك على امتداد السنوات الستّ القادمة. ومن المنتظر أن يستهدف البرنامج إحياء مناطق الإنتاج بـ “مونجو” الساحلية، و”نون” (غرب)، بالإضافة إلى “نيونغ العليا” شرقي الكاميرون.

ويهدف البرنامج إلى استحداث 3 آلاف و600 هكتار وإعادة تأهيلها، لتكون مخصّصة لزراعة القهوة سنويا، بإنتاج مقدّر بطنّ واحد للهكتار. ويرمي البرنامج إلى إنتاج 3 آلاف و600 طن من البن الأخضر سنويا، لتنضاف بذلك إلى الكميات التي يتم إنتاجها في السابق. وأجمع الباحثون والخبراء القادمون إلى ياوندي من اكثر من 10 دول أفريقية لحضور مهرجان القهوة لسنة 2014، على ضرورة الزيادة في الاستهلاك المحلّي من القهوة لتحريك القطاع.

غوتون قال من جهته، إنه “ينبغي علينا استهلاك الكثير مما ننتج من القهوة، لكي يكون بإمكان هذا الاستهلاك دعم الإنتاج في حال حدوث أزمة اقتصادية”، مضيفا “علينا أن نكون قادرين على استهلاك جزء كبير من إنتاجنا، قبل البحث عن تصديره إلى أسواق أخرى، وإن كان كبار المستهلكين هم في إيطاليا على سبيل المثال، فسيكون من الصعب تحويل القهوة إلى منتج نهائي في الكاميرون، ومن ثمة بيعه في إيطاليا. لكن، وبمجرد سيطرتنا على الاستهلاك المحلي، فسيكون بإمكاننا تطوير الصادرات بكل يسر”.

وتستهلك القهوة الأفريقية في جزء كبير منها في أوروبا. أما في ما يخص القهوة الكاميرونية والشهيرة بمذاقها ورائحتها، فتمثل إيطاليا وألمانيا أهم زبائنها سنة 2013. وينتظم مهرجان القهوة لسنة 2014، بإشراف كلّ من “مجلس المهنيين الأعضاء للكاكاو والقهوة” و”وكالة القهوة روبيستا بأفريقيا ومدغشقر” في االكاميرون.

20