قهوة قطر وعلقم الهيل

الثلاثاء 2014/07/01

لا يمكن لي ولأمثالي ممن عايشوا الحياة السياسية لعرب لندن أن ينسوا زخم المعارضات العربية وحراكها في أوروبا، خلال فترة طويلة، طالعتنا فيها نماذج عقلانية، وأخرى خيالية حالمة، وغيرها نوع يقترب من الجنون، منهم من افترش الشارع اللندني ليعبر عن غضبه من زوج عمته، الذي لم يكن حاكما ولا وزيرا، بل رئيس بلدية في قرية صغيرة.

ازدحمت لندن بالمعارضين العرب، عراقيين انضووا في البداية تحت لافتات طائفية، أو يسارية انتهت إلى الذوبان لتبقى مجرد صفات وأسماء لا فحوى لها ولا جوهر.

وبعد الاجتياح الأميركي للعراق تزاحمت المعارضة العراقية في أروقة المطارات لتغيب في بغداد فترة ثم تعود لتظهر هاربة بجلدها، وقد أثرت، وانتفخت محافظ جيوبها، لتعارض مجددا، لكن هذه المرة باتت تعارض من يعارض المالكي.

تجربة المعارضة العربية مثيرة للبحث يعوزنا لأجل التاريخ لها علماء اجتماع، وقد باتت موصولة بقضايا ذات أبعاد اجتماعية أكثر منها سياسية خالصة.

بعيدا عن العراق رأينا المعارضة المصرية، الإخوانية خاصة، وهي تنشط ولا تترك لمبارك أي إيجابية، أو لمصر أي جمال إلا وأتلفته.

وقد تزاحمت هي أيضا في أروقة المطارات، قاصدة قاهرة العرب وقد ظفرت بالحكم، ولم تلبث، بدورها، أن عادت هي أيضا، ولكن ليس بالمال فقط وإنما بالخيبة، فقد خسرت بغباء منقطع النظير مرشدها ومرسيها وكرسي الحكم، وتفرغت لترتيب شققها لاستئناف نشاطها المعارض متسلحة بالمال القطري.

نأتي للمعارضة الخليجية، وحالها يجعلني أرثي لحال الصحفيين الأجانب، فهم حين يبحثون عن معارضين يتعبون كثيرا، لكن في الحالة البحرينية، لا يعانون كما في حالات خليجية أخرى.

ورغم أن معظم المعارضين البحرينيين يصيبونك بالارتباك، فأنت لا يمكنك أن تعرف المعارض من لكنته، أو من توجهه وخطابه، هل هو بحريني أم إيراني أم عراقي أم آسيوي، لكأنه يريد أن يثبت لك ألا علاقة له بالبحرين.

قبل أيام انتصب في القاهرة شجاع قطري لا شك في أنه من خالص جينات دوحة الخليج. وتحدث بكل صراحة، فانطلقت أصوات أناضولية إخوانية تعيّره بفرادته، بل تحشد الجميع ضده، وتفرغت له سهام وإلهام ومرام وكافة الجوقة، لتحط من شأنه وتشكك في أمانته.

الخبر ليس في وقفته الشجاعة، ولا في قلة عدد من معه، بل الخبر أن من تمولهم قطر من معارضات الدول الأخرى، ولو أجرينا حساب النسبة والتناسب، فإن عددهم لن يزيد على 10 بالمئة من حجم خالد الهيل، فدولة فيها عشرون مليون نسمة وعدد معارضيها في الخارج بهذا الحجم، ودولة سكانها كقطر ولها معارضة بحجم الهيل وغيره، تدعوك إلى مقارنة عددية واضحة.

المضحك هو أن ترى من طبخ السم يوما لأشقائه، وقد أخذ اليوم يتذوقه ويبصق في كأس يشرب منها رغما عنه، ليردد ما كان يسخر منه من خطاب لأنظمة دول أخرى تنازل معارضاتها.

هناك مثل نجدي قديم يقول “من غزا يغزى”، أي من بدأ بالغزو وهاهو يتعرض لرد عليه بالغزو، فليس عليه أن يغضب أو يزعل أو يتظاهر بالمظلومية.

وقطر غزت وها هي تغزى ولو بفارس واحد، في وقت يمنع فيه الفرسان أمثال ابن الذيب والكثير من شبان قطر من التمتع بحريتهم في نقد النظام ولو ببيت شعر. ومن سلط لسانه السليط على ابن الهيل فليعيره جُبنه. مشكلة الهيل أنه شجاع. وحتى يصحو العقل الرسمي القطري سنغني له: “يالله صبوا هالقهوة وزيدوها خالد الهيل”.

24