قوات البيشمركة تكافح أمام عدو يفوقها تسليحا

الجمعة 2014/08/15
الهزيمة في سنجار أضرت بسمعة البشمركة كقوة لا تقهر

نفدت ذخيرة مقاتل البيشمركة الكردية لكنه استبقى رصاصتين لينهي حياته إذا ما أمسك به مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية أثناء فراره من خط الجبهة شمال العراق.

كاد أن يتحول الحلم الذي داعب خيال أكراد العراق لسنوات طويلة في إقامة دولتهم المستقلة إلى حقيقة.

في غمار الأحداث الأخيرة في العراق استولى أكراد على مساحات من الأرض وأضافوا ما يصل إلى 40 في المئة إلى رقعة أراضيهم، وحقّقوا أكبر نصر سياسي لهم، حتى الآن، حين دخلوا مدينة كركوك الاستراتيجية التي يطالبون بها عاصمة لوطنهم.

لكن، بعد شهرين من المواجهة على جبهة تمتد ألف كيلومتر فشل الأكراد في أول اختبار كبير لهم، مما سمح لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق الذين يريدون إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط باقتناص مزيد من البلدات وحقول النفط وأكبر سد في العراق.

ويعد انسحاب القوات الكردية من المناطق التي استماتوا للسيطرة عليها صدمة كبيرة، خصوصا أن الأكراد انتقدوا كثيرا الجيش العراقي لانسحابه المذل من الموصل في التاسع من يونيو الماضي.

ويرى محللون أن التنظيم الذي يحاول التقدم إلى بغداد، غير وجهته إلى الشمال للاستيلاء على المناطق التي سيطر عليها الأكراد بعد أن عجز عن تحقيق تقدم باتجاه الجنوب. فيما رأى آخرون أن المنطقة الغنية القريبة من الحدود السورية والتركية تشكل موقعا استراتيجيا مهما لتعزيز اقتصاد داعش.

وخسرت قوات البيشمركة خلال الفترة القلية الماضية أهم المدن الخاضعة لسيطرتها في محافظة نينوى وهما زمار وسنجار التي تقطنها الأقلية الإيزيدية. وتمتاز زمار بالآبار النفطية المنتجة ووجود سد الموصل العملاق على أراضيها، وهي مجاورة لمدينة دهوك الكردية، فيما تأتي أهمية سنجار لوقوعها على الحدود العراقية السورية.

القوات الكردية لم تكن مستعدة لمواجهة عدو ظل يشحذ مهاراته في سوريا المجاورة على مدى العامين الماضيين

وقال المحلل إحسان الشمري إنه "نتيجة لعدم تقدم داعش في المحافظات الجنوبية ووقف زحفها، استدارت على إقليم كردستان سعيا لمكسب جديد وجعلت كردستان هدفا لها".

وأضاف أن “الأكراد كان لديهم غرور أكثر من اللازم ويعتقدون أن لديهم قدرة خرافية جاءت نتيجة خبرتهم في قتال الجيش العراقي في السابق، لكنهم اليوم أصبحوا في مرمى نيران داعش”. وتابع “أعتقد أن هزيمة الأكراد نتيجة طبيعية لأن تنظيم الدولة الإسلامية مدرب على حرب شوارع، الأمر الذي تفتقده قوات البيشمركة .

بنت البيشمركة -وهي كلمة تعني “من يواجهون الموت”- سمعة كمقاتلين مرهوبي الجانب لكن في النهاية تبين أنهم ليسوا اندادا للمقاتلين الأفضل تسليحا الذين هاجموهم بحماسة انتحارية.

وقال مقاتل البيشمركة، طلب عدم نشر اسمه لأن الحكومة أمرت بعدم كشف أية معلومات عن هزيمتها، “أخذونا على حين غرة.” وأضاف في تحليل ولكالة “رويترز “: "مقابل كل طلقة مورتر أطلقناها ردوا بمئة. لم نعرف من أين جاءوا. فقدنا الاتصال ببعضنا البعض. لم تكن لدينا أسلحة تكفي. كانت فوضى".

وخلال أيام قليلة انسحب الأكراد إلى حدود منطقتهم وتركوا وراءهم بلدات سيطروا عليها لسنوات فضلا عن عشرات الآلاف من الناس تحت رحمة متشددين معروفين بعمليات الإعدام ذبحا وبالرصاص.

وقد وصل مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية إلى مسافة 35 كيلومترا من العاصمة الكردية أربيل مما دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات جوية في العراق للمرة الأولى منذ انتهاء الاحتلال الأميركي في 2011 .

يرى الباحث البريطاني غاريث ستانسفيلد أن الأحداث الأخيرة في العراق فرضت قوانين جديدة للعبة الدائرة هناك. ويشاطر، في دراسة صدرت عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية، الكثير من الآراء التي ترى أن الأكراد أكثر المستفيدين من الوضع في البلاد الذي يهدّد بحرب طائفية كارثية.

لكن الهزيمة المنكرة أضرت بسمعة البيشمركة كقوة لا تقهر تعتبر من القوات القتالية القليلة في العراق القادرة على التصدي للدولة الإسلامية كما هددت وضع المنطقة الكردية باعتبارها منطقة الاستقرار الوحيدة في بلد مزقه الصراع الطائفي.

وقال المتحدث العميد هلكورد حكمت، مدير الإعلام في وزارة البيشمركة "كانت تلك المرة الأولى التي نرى فيها البيشمركة تنسحب وقد تركت أثرا عميقا على كل القوات وكل المجتمع الكردي".

رمزي مارديني: أحد أخطاء الأكراد يتمثل في النزوع إلى الثقة الزائدة في أحلك الأوقات


البيشمركة لم تختبر بعد الغزو


خرجت البيشمركة من رحم الحركة القومية الكردية في النصف الأول من القرن العشرين بعد انهيار امبراطوريتي العثمانيين والقاجاريين التي حكمت إيران ويصل عددهم إلى حوالي 200 ألف فرد.

وأثناء عقود حكم صدام حسين للبلاد كسبوا سمعتهم باعتبارهم الحراس الأبرز للأكراد العراقيين الذين حلموا دائما بدولة مستقلة في منطقة تضم شمال العراق الجبلي.

ولم تختب قوة البيشمركة فعليا بعد غزو قادته الولايات المتحدة أطاح بصدام في 2003. ففي حين انخرط الشيعة والسنة في مذابح عرقية، ظلت كردستان بعيدة عن إراقة الدماء.

وتغير ذلك بعدما استولت الدولة الإسلامية على أسلحة تشمل دبابات ومدافع مضادة للطائرات وبنادق آلية من آلاف من الجنود الذين دربتهم الولايات المتحدة وفروا أمام التقدم الأول للتنظيم في يونيو .

وأظهرت لقطات فيديو صورها تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن اجتاح مدنا في سهول نينوى ملابس عسكرية للبيشمركة تتدلى من مشاجب على حائط وكان جهاز تلفزيون ما يزال يبث لقطات حماسية من موكب للقوات الكردية.

وقال رمزي مارديني، الزميل في مجلس الأطلسي للأبحاث، إن "أحد الأخطاء الكبيرة في التاريخ الكردي يتمثل في النزوع إلى الثقة الزائدة في أحلك الأوقات".

واعتقد الأكراد أن الفرصة سانحة الآن لبناء الدولة المستقلة بعد مرور قرن من الزمن على فقدان فرصة الاستقلال أثناء تفكك الامبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وانتشارهم في أربع دول.

وعلّق مارديني على ذلك قائلا إن "الأكراد بالغوا بالتأكيد في الترويج لقدراتهم العسكرية ومؤسستهم الأمنية. ربما كان يوجد منطق استراتيجي في نفخ الصدور والجعجعة.. لكن عند نقطة ما ربما صدق كثير من الأكراد دعايتهم الخاصة".


نقاط التفتيش


يعتبر الأكراد أحد أبرز العناصر المؤثّرة في المعادلة العراقية. وتحرك الأكراد سريعا لحماية حدودهم من جهة وللتوسع داخل مناطق متنازع عليها فيها أغلبية كردية من السكان وخاصة منها كركوك. وتمكنوا من التحرك بسرعة استثنائية على إثر دخول المسلحين لمدينة الموصل. مع تقدم تنظيم الدولة الإسلامية تجاه بغداد وتخلي الجيش العراقي عن قواعده في شمال البلاد استغل الأكراد الفوضى لتوسيع أرضهم بما يصل إلى 40 بالمئة بين عشية وضحاها ربما دون إطلاق رصاصة.

وبعد أن سيطرت البيشمركة على حقول النفط في مدينة كركوك اتخذت مواقع دفاعية ودخلت في مناوشات أحيانا مع المقاتلين المتشددين لكن تجنبت المواجهة الكاملة.

المغنية الكردية الأميركية هيلي لوف الشهيرة بأغنياتها الداعمة لانفصال الأكراد قامت بزيارة البيشمركة في دهوك

ويقول مسؤولون أكراد إن 150 على الأقل من البيشمركة قتلوا منذ استولى تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الموصل يوم العاشر من يونيو 2014، بعد أن تمددت البيشمركة فوق طاقتها عبر مساحة كبيرة مزودة بأسلحة ترجع إلى العهد السوفيتي غنمتها من الجيش العراقي أثناء غزو 2003 لكنها أثبتت أنها لم تكن مستعدة لمواجهة عدو ظلّ يشحذ مهاراته في سوريا المجاورة على مدى العامين المنصرمين.

وقال جون دريك، محلل شؤون العراق في مؤسسة ايه.كي.اي اللندنية، التي تقدم المشورة لشركات النفط وعملاء آخرين “تعودت البيشمركة على حراسة نقاط التفتيش لكنها غير معتادة على ذلك النوع من القتال العنيف في أماكن غير معروفة لهم.

وكانت الدولة الإسلامية أفضل تجهيزا أيضا بأسلحة نهبت من الجيش العراقي ومنها مدفعية بعيدة المدى ودبابات وعربات مدرعة وقاذفات صواريخ وبنادق قناصة بالإضافة إلى أطنان من الذخيرة.

وإثر الأحداث الأخيرة والخسارة العسكرية الكردية في سنجار قرّرت الإدارة الأميركية التدخل وبدأت بإمداد الأكراد بالأسلحة بصورة مباشرة استجابة لمناشداتهم للحصول على معدات عسكرية تماثل ما لدى تنظيم الدولة الإسلامية.

وحفز التهديد أيضا التعاون بين المنطقة الكردية والحكومة الاتحادية في بغداد التي أوقفت ارسال الأسلحة والمرتبات للبيشمركة منذ سنوات بسبب خلافات بشأن النفط والميزانية.

وفي تعليقه على ذلك قال تشارلز دون، الذي عمل في ملف العراق في البيت الأبيض في إدارة بوش، إن الأكراد لديهم قوة كافية للحفاظ على أنفسهم لكن ربما لا يمكنهم استعادة كل الأراضي التي تركوها.

استغل الأكراد ما حدث من فوضى في توسيع رقعة أراضيهم بما يصل إلى 40 بالمئة بما في ذلك مدينة كركوك التي يطالبون بها عاصمة لدولتهم

وأضاف "من الناحية العسكرية أشك في أن القوات المسلحة لحكومة إقليم كردستان قادرة أو تحديدا مستعدة لخوض قتال بعيدا عن حدودها باتجاه الجنوب لكن مع الحصول على مساعدة كبيرة، ليس فقط أسلحة وإنما أيضا معلومات مخابراتية يمكنهم بها الدفاع عن منطقتهم".


ذهاب الحرس القديم


يفسر مراقبون وضع القوات الكردية الحالي بأن القادة الذين كسبوا سمعة البيشمركة في الإقدام والشجاعة في محاربة جيش صدام تقدم بهم العمر الآن أو ماتوا والجيل الجديد ليس لديه إلا القليل من الخبرة في الحرب إن وجدت أصلا.

في هذا الصدد قال مسؤول أميركي: “مضى نحو عقد منذ اختبرت كتائبهم وأغلبها من المشاة الخفيفة في معركة ولذلك ليست مفاجأة أنهم تلقوا بعض الضربات من الدولة الإسلامية”. ووصف المسؤول عناصر البيشمركة بأنهم “قادرون ومنضبطون”. وأضاف "لديهم بالتأكيد المرونة والمهارة للعودة إلى القتال بفعالية.. كما بدأنا نرى بالفعل على الأرض".

يبدو أن الأكراد استعادوا توازنهم في الأيام القليلة الماضية. وهرع آلاف المتطوعين للانضمام إلى صفوف البيشمركة وقال شهود إنه أمكن استعادة بلدتي مخمور والكوير بمساعدة مقاتلين من حزب العمال الكردستاني بعد ضربات أميركية لمواقع تنظيم الدولة الإسلامية.

لكن على مسافة أبعد باتجاه الشرق اضطروا للانسحاب من بلدة جلولاء في خسارة استراتيجية قال مقاتل من البيشمركة كان بالمنطقة إنها ترجع جزئيا على الأقل إلى الخصومات الكردية الداخلية.

ورغم توحد الأكراد في عدائهم للدولة الإسلامية إلا أن البيشمركة مسؤولة في نهاية الأمر أمام الحزبين السياسيين المسيطرين في المنطقة واللذين خاضا حربا أهلية ضد بعضهما البعض في التسعينات.

ولم تكتمل خطط إصلاح البيشمركة ودمجها تحت قيادة موحدة. وقال سياسي كردي كبير إن أضعف الوحدات هي الوحدات المشتركة لأن كل حزب يحتفظ لنفسه بأفضل المقاتلين.

وقال وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري، إنه حدثت بعض النكسات للبيشمركة والفوضى والانسحاب من أماكن معينة لكن ما يحدث ليس حربا تقليدية. واعترف بأنه حتى أكثر قادة البيشمركة خبرة ذهلوا من شراسة الدولة الإسلامية. وقال إنه لا ينبغي أن يهون أحد من قدرتهم وإنهم يهاجمون بأعداد صغيرة وقوات متحركة وبسرعة ولا يحتفظون بأرض.


انسحاب تكتيكي


ترك انسحاب البيشمركة من سنجار عشرات الآلاف من الإيزيديين العراقيين إما تحت رحمة الدولة الإسلامية التي تعتبرهم عبدة للشيطان وإما تقطعت بهم السبل على جبل مع إمدادات شحيحة من الماء والطعام.

ويقول العديد من الإيزيديين إنهم توسلوا للبشمركة لتسليم أسلحتهم قبل انسحابهم كي يمكنهم حماية أنفسهم لكن طلبهم رفض.

وقال العميد حكمت المتحدث باسم البيشمركة “لم يصدر على الاطلاق أمر بالانسحاب من أي جبهة.” ونفى صحة تصريحات بعض المسؤولين الأكراد عن أن الانسحاب كان تكتيكيا.

وقال حكمت إن القادة الميدانيين المسؤولين عن المنطقة يخضعون للتحقيق. لكن الأمر سيستغرق مزيدا من الجهد لاستعادة الثقة لدى الإيزيديين.

ويبقى إقليم كردستان إلى حد الآن مستقرا مقارنة ببقية المناطق العراقية، لكن أمام البيشمركة عمل كبير من أجل تأمين الحدود الكردية ضد “داعش” والحفاظ على مكتسبات العراق “ما بعد اجتياح الموصل” وفرض السلطة من جديد على المناطق السنية والأراضي المتنازع عليها ويدّعي الأكراد أنها ملكهم.

7