قوات الساحل.. والدعم السعودي ــ الإماراتي

الأحد 2017/12/17

في بداية يوليو الماضي، أقرت قمة دول الساحل، المنعقدة في العاصمة المالية باماكو، والتي ضمت رؤساء خمس دول أفريقية (مالي وموريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو)، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنشاء قوة إقليمية مشتركة لمكافحة المجموعات الإرهابية المنتشرة في المنطقة، قوامها خمسة آلاف عنصر ـ حسب ما أشارت المصادر في ذلك الوقت ـ وتكلفتها الإجمالية 423 مليون يورو.

رغم أن هذه القوة العسكرية إقليمية إلا أنها أخذت بمشاركة فرنسا طابعا دوليا يرقى إلى مستوى التحالف، إذا ما أخذنا في الاعتبار ما ذكره الرئيس الفرنسي من أن بلاده ستقدم دعما ماليا تفوق قيمته ثمانية مليون يورو، وإسنادا مكونا من 70 عربة عسكرية، غير أنه رهن ذلك بثلاثة رهانات، قدمت بصيغة شروط واجبة التنفيذ.

الشرط الأول منها مقبول عملياّ، ومن أجله تم إنشاء هذه القوة، ويتعلق بإظهار المزيد من الفاعلية في التصدي للمتطرفين الإسلاميين، وهذا يستوجب تحقيق انتصارات ميدانية، ويبدو أن ماكرون كان متأثرا بالمواجهة الدائرة في مالي، والتي لا يكمن القول إنها حققت انتصارات نهائية، وإن كانت قد تمكنت من القضاء على مخاطر كادت أن تودي بالدولة المالية إلى السقوط.

يفرض الشرط الثاني أن يرتبط دعم قوات السَّاحل بعدم حدوث تجاوزات تتعلق بحقوق الإنسان، أي أن تلتزم قوات السَّاحل بالمبادئ الدولية، وذلك من أجل هدفين، الأول؛ تبرير شرعيّة وجودها، والثاني حصولها على دعم دولي في المستقبل خاصة من الجانب الأوروبي.

يتعلق الشرط الثالث بترتيب الأوضاع الداخلية والحصول على دعم من الجبهة الداخلية، وجاء هذا صريحا في دعوة ماكرون لقادة الدول الخمس إلى “تنفيذ إصلاحات مؤسساتية وجهود في مستوى الحوكمة تطالب بها شعوبكم”.

مهما تكن الشروط أو الرهانات، فإن الهدف من إنشاء تلك القوة، التي ستكون جاهزة ميدانياّ في النصف الأول من العام المقبل 2018، هو مكافحة الهجمات الإرهابية التي تستهدف مالي والدول المجاورة، وملاحقة منفذيها عبر الحدود، والأكثر من هذا تحقيق انتصارات حاسمة على الإرهاب في المنطقة الواقعة عند أبواب أوروبا، وإلا ما كانت فرنسا تعد بدعم من أربعة آلاف عنصر من فريق مكافحة الإرهاب الفرنسيين، علما وأن هذه القوة ستنشر في البداية على حدود مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لتنضمّ في وقت لاحق إلى قوة برخان الفرنسية التي تطارد الإرهابيين في دول الساحل، وأيضا ستكون مع بعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسما).

السعودية والإمارات تؤكدان بالدليل القاطع من خلال دعمهما لقوات الساحل أنهما تنخطران بشكل مباشر في محاربة الإرهاب في كل مكان

إن أهم مشكلة تواجهها قوة الساحل، هي الدعم المالي، وعدم اكتراث الدول الأفريقية ذات الصِّلة بدورها المستقبلي.

من البداية حدَّدت التكلفة الإجمالية لقوات الساحل بـ423 مليون يورو، ووعدت فرنسا ــ التي تعاني من عجز كبير في الميزانية يحتم عليها تقليص نفقاتها ـ بتقديم 8 ملايين يورو، داعية دول أخرى من الاتحاد الأوروبي لتقديم دعم للقوة المشتركة، مُعوِّلة خصوصا على ألمانيا وهولندا وبلجيكا، مشددة على أن الالتزام العسكري الفرنسي في السَّاحل يحمي أوروبا برمها، وعلى خلفية ذلك وعد الاتحاد الأوروبي بتقديم 50 مليون يورو، كما تأمل فرنسا في “دعم ملموس” من الولايات المتحدة الحاضرة عسكرياّ من خلال تسيير طائرات من دون طيَّار مقرها في النيجر.

وإذا كانت فرنسا تأمل في دعم لقوات السَّاحل من دول العالم، فإنها لم تكن تتوقع أن يأتيها الدعم السخيّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث أسهمت الأولى بمبلغ 100 مليون دولار، والثانية بـ30 مليون دولار، أي ما يقارب ربع المبلغ الإجمالي لتمويل قوات الساحل، مِمَّا سيساعدها على الإنطلاق في عملها خلال الأسابيع القليلة المقبلة، والسؤال هنا: ماذا يعني الدَّعم السعودي ـ الإماراتي، وما تأثيره على موقف الدولتين من قضايا العالم، وخاصة مواجهة الإرهاب؟

تابعت الدول المعنية بالوضع في دول الساحل الأفريقي، وكذلك المراقبون باهتمام بالغ الدعم السعودي ـ الإماراتي، أولا لأن الدولتين غير معنيتين بشكل مباشر بالوضع في الساحل الأفريقي، وثانيا لأنهما مشغولتان بالحرب في اليمن من جهة، وأزمة قطر من جهة ثانية، وثالثا لأنهما منخرطتان بشكل كامل في مواجهة إيران وتدخلاتها السافرة في الدول العربية، ورابعا لأن التنسيق مع فرنسا في أي مواقف تخصُّ أفريقيا تزعج الدول الأفريقية الأخرى وخاصَّة الجزائر، وخامسا لأن دعم الدول الخمس المشكلة لقوات الساحل هو شأن محلي وأفريقي وأروربي، فكيف تسهم فيه السعودية والإمارات؟

قد يبدو التحليل السابق مشروعا نظرياّ، لكن من النّاحية العملية، ليس صحيحا، فالسعودية والإمارات تؤكدان بالدليل القاطع من خلال دعهمها لقوات الساحل أنهما تنخطران بشكل مباشر في محاربة الإرهاب في كل مكان، ثم إن الوضع في دول الساحل يعنيهما بشكل مباشر ليس فقط لوجود مسلمين هناك ولكن لأن هناك مشاريع خيريَّة وإنسانية مطلوب حمايتها، ثم إن الوقوف في وجه إيران يقتضي مواجهتها في أفريقيا ودول الساحل، خاصَّة بعد أن نشطت مذهبياًّ هناك، مماّ قد يحدث فتنة في المستقبل بين أتباع الدين الواحد.

بقي أن نشير إلى أمرين، الأول: أن التطورات الحاصلة في دول العالم ـ كله ـ بعد أن استحفل الإرهاب لم تعد خاصة بل أصبحت عامة، ودول الساحل الخمس ترحب بأي دعم دولي، وخاصة من السعودية والإمارات لأن دعمهما غير مشروط بمصالح تجارية بقدر ما يركز على محاربة الإرهاب، والأمر الثاني: رفض دول الجوار، وخاصة الجزائر ـ لهذا الدعم، غير صحيح، لأن الجزائر لم تعلن هذا بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا تتدخّل في سيادة الدول، ويهمّها بالأساس أن تحمي حدودها، وألا تكون عسكرياّ حيث تكون فرنسا، وهي على قناعة تامة ـ بناء على تجربتها ـ أن مواجهة الإرهاب شأن داخلي، لن يوقفه تكوين تحلفات دولية مشروطة بقيادة دول استعمارية، لكن بالتأكيد يقلل منه الدعم المادي والعسكري غير المشروط، والدعم السعودي ـ الإماراتي يدخل في هذا النطاق.

كاتب جزائري

3