قوارب مهترئة تئد حلم شباب بالهجرة من شمال أفريقيا إلى أوروبا

عرفت الهجرة غير الشرعية في الفترة الأخيرة تزايد إعادة تنشيط طرق قديمة، إذ لم يعد معظم المهاجرين يصلون أوروبا عبر ليبيا، بل شهد طريق البحر المتوسط إلى أوروبا تغيّرا، حيث وصل المزيد من الأشخاص مؤخرا إلى إيطاليا وإسبانيا، عبر تونس والجزائر أو المغرب، وهو ما أثار القلق بين الإيطاليين ومنظمة الهجرة الدولية.
الأربعاء 2017/10/25
لوعة الفقدان

تونس – ظهرت في الأسابيع الأخيرة على مختلف منصات مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل متزايد، مقاطع مصوّرة مصدرها تونس، لشباب يسافر بطريقة غير شرعية.

وتشبه هذه الرحلات رحلة شباب مبتهج أكثر مما تشبه صور نزوح من الوطن، حيث ساد السرور في إحدى الرحلات وجوه نحو عشرة شباب ركبوا قاربا خشبيا وعلت أصواتهم بالغناء وصفقوا وهللوا عندما كان القارب يمخر أمواج البحر المتوسط في الشمس المشرقة.

وصاح أحدهم قائلا وهو يصور نفسه بهاتف جوال “مع السلامة تونس”. وهناك في الخلف قارب ثان.

هناك شيء يتغيّر في طريق البحر المتوسط إلى أوروبا، حيث وصل المزيد من الأشخاص مؤخرا مرة أخرى إلى إيطاليا وإسبانيا، أشخاص لم ينطلقوا لأوروبا من ليبيا بقوارب مطاطية غير قادرة على الإبحار في البحر، بل عبر تونس والجزائر أو المغرب.

ورغم أن الأعداد لم تكن مرتفعة مقارنة بعشرات الآلاف من ليبيا، إلا أن إيطاليا ترقب هذا التطور بقلق. إذا وصلها أكثر من 1400 شخص في سبتمبر الماضي من تونس وحدها، أي أكثر من عدد اللاجئين خلال الأشهر الثمانية كلها “فلم نر مثل هذا العدد منذ سنوات”، وفقا للمتحدث الإيطالي باسم المنظمة الدولية للهجرة، فلافيو دي جياكومو. وقال باتريس بيرغاميني، سفير الاتحاد الأوروبي في تونس، إنه على الرغم من أن هذا العدد لم يصل مستوى ما كان عليه في أعقاب الربيع العربي عام 2011، إلا أن هناك تزايدا في أعداد النازحين من شمال أفريقيا إلى أوروبا.

عدد اللاجئين الذين وصلوا إلى إيطاليا هذا العام حتى الآن أكثر من 107 آلاف مهاجر أي بتراجع نحو 25 بالمئة مقارنة بالعام الماضي

وأضاف أن عدد اللاجئين الذين وصلوا لأوروبا عبر تونس بلغ آنذاك نحو 25 ألف شخص. ووصل إلى إيطاليا هذا العام حتى الآن أكثر من 107 آلاف مهاجر أي بتراجع نحو 25 بالمئة مقارنة بالعام الماضي. معظم هؤلاء المهاجرين يصلون أوروبا عبر ليبيا وتصل نسبة بسيطة منهم فقط عبر تونس والجزائر.

ولكن تزايد إعادة تنشيط طرق قديمة للمهاجرين رغم المساعدات الدولية من بينها مساعدات من ألمانيا، وعدم اقتصار استخدام هذه الطرق على نازحين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى بل استخدامها أيضا من قبل تونسيين وجزائريين ومغاربة لا يقلق فقط منظمة الهجرة الدولية بل أوروبا كلها.

وقال ماوريتسيو جاسباري، نائب رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي عن حزب للأمام إيطاليا “لا يمكننا أن نصمت إزاء هذا التطور”، مضيفا “نجحنا في وقف تدفق غير الشرعيين عبر ليبيا، من السخف أن نقف مكتوفي الأيدي لنراقب الأمور تتكرر بشكل دائم”.

وعقدت إيطاليا صفقة مع ليبيا الربيع الماضي لوقف اللاجئين القادمين إلى هذا البلد الذي يعاني حربا أهلية. ومنذ ذلك الحين هناك تكهنات بأن الحكومة الإيطالية تدفع أيضا لميليشيات ليبية لمنع المهاجرين من مواصلة رحلتهم إلى أوروبا عبر ليبيا. ولكن روما نفت ذلك مرارا. غير أن أوروبا تدعم جهات منها حرس الحدود في ليبيا بالمعدّات والتدريب.

وأثبتت هذه الخطط نجاحها أيضا في تونس من وجهة النظر الأوروبية، حيث تدرب الشرطة الألمانية قوات حرس السواحل وحرس الحدود في تونس منذ وقت طويل وتوفر المواد اللازمة لمراقبة الحدود.

قوارب الموت

كما فتحت الحكومة الألمانية إضافة إلى ذلك مراكز لتقديم النصح والاستشارة وتوعية الناس بشأن الفرص البديلة المتوفرة لهم بدلا عن النزوح لأوروبا بشكل غير شرعي.

وحاول رمضان بن عمر العوض من المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تفسير التطور الجديد قائلا “إذا أبرمت دولة أوروبية اتفاقات مع ميليشيات مسلحة في ليبيا ومنعت الهجرة غير الشرعية هناك فإن ذلك يسبب نوعا من الضغط في مناطق أخرى”.

وقدّمت هذه المنظمة قبل بضعة أيام دراسة أظهرت فيها أن نحو 40 بالمئة من الفتيات في تونس حاليا يرغبن في الهجرة من تونس “حيث عاد الوضع بالنسبة إلى الشباب في تونس والجزائر صعبا مرة أخرى”، وذلك لأنه وعلى الرغم من أوجه النجاح والتقدم في الديمقراطية وخاصة في تونس فإن الوضع الاقتصادي في المنطقة لا يزال سيئا” حسب تقرير المنظمة.

ووفقا للتقرير، فإن نحو ثلث خريجي الجامعة في تونس لا يجدون عملا. كما شهدت الجزائر والمغرب، مؤخرا، احتجاجات ضد الحكومتين.

وترى منظمة الهجرة الدولية أن هاتين الدولتين الواقعتين شمال أفريقيا تصبحان شيئا فشيئا محطة مؤقتة للاجئين القادمين عبر الصحراء الكبرى، والذين يبقون فترة طويلة في هذين البلدين ويحاولون العمل بشكل غير مشروع مما أدى مؤخرا لتوترات اجتماعية.

وفي تونس كان هناك مطلع العام الجاري نقاش كبير بشأن العنصرية تجاه اللاجئين القادمين من دول جنوب الصحراء، وذلك بعد أن تعرّض ثلاثة أشخاص من الكونغو لهجوم بالسكين في وضح النهار وأصيب بعضهم بجروح خطيرة.

حلم بعيد المنال

وكان أحمد أويحيى الذي أصبح رئيس وزراء الجزائر قد صبّ جام غضبه قبل الانتخابات البرلمانية على اللاجئين قائلا “إن المهاجرين غير الشرعيين يجلبون معهم الجريمة والمخدرات وغير ذلك من المصائب”.

ودعت وزارة النقل، في سبتمبر الماضي، إلى عدم السماح للاجئين باستخدام المواصلات العامة. واتخذت السلطات في المغرب والجزائر إجراءات ضد اللاجئين منذ بعض الوقت، خاصة في الجزائر، حيث تحدث لاجئون عن موجات اعتقال واسعة ضدهم. وتم في الفترة الأخيرة فض جميع معسكرات اللاجئين التي كانت موجودة في جميع دول المغرب.

وبحسب وكالة حماية الحدود الأوروبية فرونتكس، فإن ذلك أيضا أدى إلى ارتفاع أعداد اللاجئين الذين يستخدمون ما يعرف بالطريق الغربي باتجاه إسبانيا حيث وصل إلى هناك نحو 14 ألف شخص هذا العام، أي أكثر من إجمالي اللاجئين العام الماضي كله. ومن الناحية العددية المجردة فإن هذه الأعداد لا تزال ضئيلة.

وعلى الرغم من التطوّر الحالي إلا أن ماتيا توالدو من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إحدى مؤسسات المساعدة في اتخاذ القرار في أوروبا، لا يتوقع أن تصبح تونس ليبيا جديدة في ما يتعلق بتهريب البشر “حيث إن البنية التحتية والظروف المطلوبة لتهريب البشر أسوأ بكثير في تونس عنها في ليبيا”.

وانتقدت العديد من المنظمات التونسية من بينها نقابات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في بيان مشترك مؤخرا سياسة الهجرة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي.

وقال العوض إن “التنسيقات الاقتصادية بين تونس والاتحاد الأوروبي على سبيل المثال تنحاز في كثير من الأحيان لصالح أوروبا”.

12