قواعد الصوفية الأربعون

الخميس 2014/05/08

أهداني شعدون نسخة “بي دي أف” pdf من رواية “قواعد العشق الأربعون”، ولأن عدد صفحاتها تجاوز 500 صفحة رأيت أن أشتري واحدة، فأنا أفضل لمس الكتب الضخمة على مسحها بعيني فقط، وكأني أحقق التواصل حسيا بين المعلومات التي تتضمنها وبين عقلي، مرورا بقلبي، كيوم كنت تلميذة نجيبة في المدرسة.

خصصت ساعات رحلتي الأخيرة -مارس 2014- بين دبي ولندن لقراءة الرواية، فوجدت أنه بمجرد أن تقرأ القاعدة الأولى من القواعد الأربعين في صفحة 48، تصير عاجزا عن التخلص من الكتاب حتى تنتهي من مطالعته، وحين ينتهي تبحث عن المزيد من العشق الإلهي، وبالنسبة إلى حالتي فقد أعدت قراءته مرة أخرى.

في البدء اعتقدت أن شعدون أتى ليهديني “السياسة الفيزيائية” على شكل فناجين قهوة عربية، أرشفها فنجانا وراء الآخر، لكنه حين أهداني هذه الرواية لم يهدني إستراتيجية لتوزيع الحبّ المطلق بين البشر فقط.

لكنه أكد لي حاجة المجتمعات الإنسانية إلى الحب اللامادي، فمن قراءة قواعد العشق الأربعين، تكتشف قواعد الصوفية الأربعين في العشق الإلهي، عندئذ تكتشف إستراتيجات توزيع الحب للآخر، باختلاف اللون أو الوزن أو الانتماءات.

ووفقا لما كتب عن الصوفية على الشبكة الألكترونية، هي لا تعدّ مذهبا، وإنما ركنا من أركان الدين الذي يشمل الإسلام والإيمان والإحسان، الفقه يهتمّ بتعاليم الشريعة الإسلامية، والعقيدة تهتمّ بالإيمان، أما الصوفية فتعدّ بمقام الإحسان -ومن أكثر الأنبياء وصفا بالإحسان في القرآن الكريم سيدنا يوسف عليه السلام-.

والإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، لذلك فإن الصوفية -وفقا لرواية إليف شافان- لا تقتصر على المسلمين فقط، بل هناك صوفيون من جميع الأديان، حتى من تلك الأديان التي ليست إبراهيمية/كتابية، “فبينما يتناحر أتباع الأديان حول الشكل الخارجي للدين، فإن الصوفي يبحث عن الجوهر”، ص430.

ويستمدّ المنهج الصوفي الإسلامي أصوله وفروعه من القرآن والسنة، واجتهاد العلماء في ما لم يرد فيه نص، وبذلك فهو علم له مذاهبه ومدارسه ومجتهدوه وأئمته الذين شيدوا أركانه وقواعده، وألفوا فيه كتبا مثل كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.

انتشرت حركة التصوف الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري، وكانت عبارة عن نزعات فردية تدعو إلى الزهد والتعبد، وتعدّ رابعة العدوية من أحد وأوائل المؤسسين لها. لاحقا تطورت حركة التصوف لتصير طرقا مميزة عرفت بالطرق الصوفية، انتسب إليها العديد من علماء مسلمين وقادتهم، مثل الرومي والنووي والغزالي، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح وعمر المختار، وعزالدين القسام وغيرهم..

لكن نتج عن كثرة دخول غير العلماء والجهلة في طرق التصوف ممارسات خاطئة، عرّضها في بداية القرن العشرين لهجوم الغرب، إذ اعتبروها ثقافة دينية تنشر الخرافات، وأعتبرها السلفيون بدعة.

أما من حيث اللغة، فتعددت الآراء حول اشتقاق لفظ صوفي، أشهرها أنه مشتق من الصوفة، لأن الصوفي مع الله كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى. أما الأطروحات الأخرى فتنوعت لتعيدها لألفاظ من الصِّفة، للصُفَّة، والصف، والصفاء، والصوف، ورغم أنه لم يأت في الرواية على ذكر الصوف، كما جاء ذكر الحرير بأكثر من موقع فيها، لكن لهذا دلالة.

ففي صفحة 122 “سينسحب شمس التبريزي والرومي إلى شرنقة العشق الإلهي، ولن يخرجا منها إلا عندما يحين الوقت وبنسج الحرير الثمين، لكن في النهاية، لكي يعيش الحرير، يجب أن تموت دودة القز″، وهذا يبرز الفرق بين الدرويش والصوفي كالفرق بين الحرير ودودة القز، فلقد مات الدرويش/التبريزي، لكن بقيت قواعده الأربعون في العشق الإلهي، التي رسخها الرومي في أشعاره الصوفية.

الرواية تعرف الدراويش في صفحة 230 بأنهم جوالة يبحثون عن الله طوال الوقت، ويعرف معظمهم بسلوكهم المشاكس، بأوشامهم البارزة وأقراطهم العديدة، والحلقات بأنوفهم، لكن بالنسبة للتبريزي فما يلفت إليه ليست قشرته الخارجية، إنما نظرته التي فتنت الرومي.

بينما تعرف القاعدة 30 من قواعد العشق الصوفي الأربعين في الصفحة 330: “بأنه الذي يتحمل بصبر، حتى لو اتُهم باطلا، وتعرض للهجوم من جميع الجهات، ولا يوجه كلمة نابية واحدة إلى أي من منتقديه، فالصوفي لا ينحى باللائمة على أحد، فكيف يمكن أن يوجد خصوم أو منافسون أو حتى آخرون، في حين لا توجد نفس في المقام الأول؟ كيف يمكن أن يوجد أحد يلومه في الوقت الذي لا يوجد فيه إلا واحد؟”.

وفي الصفحة 399 توضح الكاتبة أن الصوفي تجاوز الحواس الخمس، والاتجاهات الستة وأصبح يدرك ما يقبع وراءها.

وتفرق الكاتبة بين العالم والصوفي في الصفحة 364: “يعيش عالم الدين على علامات القلم، أما الصوفي فإنه يحب ويعيش على آثار الأقدام”، أي إن الاثنين في الجوهر علماء، لكن طرق البحث لديهما مختلفة، فالصوفي يعتمد على البحث الميداني، كما في الآية 20 من سورة العنكبوت “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ”.

وقبل أن أنتهي، أودّ تدوين عبارة عن الرومي وطريقته، الذي اجتذب إليها أشخاصا من ديانات ومذاهب أخرى، بسبب تفكيره المرن المتسامح، فلقد شجعت طريقته التساهل اللامتناهي مع كل المعتقدات والأفكار، وحثت على الخير والإحسان، وإدراك الأمور عن طريق المحبة.

وترى هذه الطريقة أن كل الديانات خيرة وحقيقية بمفاهيمها، لذلك كان المسلمون والمسيحيون واليهود وحتى الوثنيون يعاملون برقة: “وبعد لقاء الرومي بالتبريزي اتسعت دائرة الحب لتشمل الأشخاص الأكثر سقوطا في المجتمع مثل المومسات والسكارى والمتسوّلين” ص 485.

16