قواعد العشق الأربعون والفلسفة الشخصية

الخميس 2014/05/29

كنت منهمكة بلملمة أفكاري ونقلها للحاسوب، حين جلس لي "شعدون" على طرف شاشة الحاسوب يتابعني وأنا أرسم كلماتي على صفحات "الوورد": لا أدري إن كان للأتراك ذات طريقة الطرح، فشخصيات "قواعد العشق الأربعون" لإليف شفق يتحدثون عن أنفسهم، على غرار طريقة "أورهان باموق" في روايته "اسمي أحمر”. تعجبني هذه الطريقة فكل شخص يقول فلسفته التي تتميّز بها شخصيته، وهذا يجنب الشخصية إجحاف الراوي في الوصف أو التحليل.

وزدت: وملفت تقسيم الرواية إلى العناصر الكونية الأربعة: تراب، وهواء، وماء، ونار، ومن ثم إضافة الفراغ إليها كعنصر خامس، "فالفراغ عنصر مهم موجود في الكون"، هل كلمة "فضاء" هي رمز لحب جديد.. فالسرعة التي تبدأ فيها العلاقات الإنسانية وتتلاشى مذهلة أكثر من أيّ وقت مضى. تمتمت إيلا لنفسها عدة مرات أثناء اليوم: تقبلي الفراغ"، ص 259.

ثم أضفت: كما لعبت الحروف دورا جوهريا في الرواية، سواء على لسان عزيز الذي قسم مراحل حياته وفقا لحروف الصوفية (ص. و. ف. ي. ة.)، أو حين فككت الكاتبة اسم الرومي في ص 114: "حرف الراء القوي المشرق، حرف الواو المخملي، وحرف الميم الجسور المتسم بالثقة بالنفس، وحرف الياء الغامض الذي يجب حله".

ثم كتبت: وحين تحدثت عن التنوع الطائفي والديني لم تأت به على شكل سرد أصمّ، لكنها طرحته من خلال الشخصيات، من الصوفي إلى الدرويش وبينهما التلميذ، والمسلم، والمسيحي، والسكير، والمومس، ورجل الدين، وكأنها تحاول مسح المجتمع بكلماتها، أيّ مجتمع وليس مجتمع "قونية" فقط.

فالمزيج الحضاري الذي لخصته في ص 159، هو نفس المزيج في معظم مدن هذه الأيام، من دبي إلى ريو ديجانيرو: “مبديا دهشتي من هذا المزيج الذي يملأ الهواء، إذ صادفت في طريقي غجرا يعزفون موسيقى، ومسافرين عربا، وحجاجا مسيحيين، وتجارا يهودا، وكهنة بوذيين، وشعراء متجولين من الإفرنجية، وفنانين فرسا، وبهلوانات صينيين”.

واحترت في ما كتبته بص 178 على لسان الرومي: "لقد خلق الله المعاناة حتى تظهر السعادة من خلال نقيضها، فالأشياء تظهر من أضدادها"، هذه الفلسفة الماركسية، فهل الماركسية ظهرت على يد الصوفيين قبل أن تتبلور على يد كارل ماركس وفريدريك إنجلز في القرن التاسع عشر، أم أنها مجرد أفكار للكاتبة؟! وكذلك هو حال الشك الديكارتي -القرن السابع عشر- الذي ورد في ص 208 "إن الشك شيء جيّد، فهو يعني أنك حي ترزق ودائم البحث".

ثم انتقلت لأكتب عن المفارقات: تفرقة غير مقصودة بين طريقة التواصل قبل أقل من ألف عام مع الرسل وبالحمام الزاجل، ورسائل اليوم التي تصل في ذات اللحظة -عبر الهاتف أو الأنترنت-.

وأدهشتني مقارناتها -المقصودة- بين الإسلام حينها، وتشابه الظروف والأسئلة اليوم: "هذا طبعا ما لم يعكر الخونة المندسون بيننا صفو الوضع الحالي، فهم يدعون أنهم مسلمون، لكن تفسيرهم للإسلام أخطر بكثير من تهديد الكفار” ص 71.

و"لهذا السبب أكره الدين، إذ يعتقد المتدينون أن الله واقف إلى جانبهم ويظنون أنهم يتفوقون على الآخرين" ص 188، واستوقفني مصطلح "الكفر الحلو"، وتفسيره الذي يعني الإيمان الساذج، "لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله، فلكل امرئ طريقته وصلاته الخاصة، إن الله لا يأخذنا بكلمتنا، بل ينظر في أعماق قلوبنا، وليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين، بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا "ص 79.

وتأخذك الرواية بتؤدة لتدخل معها في التغيرات الدراماتيكية للمجتمعات، التي تحصل نتيجة الكوارث والحروب، "كيف يتغير بعض الناس عندما ينضمون إلى الغوغاء، إذ سرعان ما يتحول الرجال العاديون الذين لا يوجد لديهم ماض عنيف إلى أشخاص عدوانيين، حتى أنهم يصبحون قتلة، فقد كانت أعمال القتل شائعة، وتنتهي بعرض الجثث في الشوارع لردع الآخرين" ص 182.

وكأن سبب ذلك العنف هو الفساد الأخلاقي الوبائي: "الفساد الأخلاقي لا يختلف كثيرا عن الإصابة بمرض فظيع يأتي فجأة وينتشر بسرعة، فيصيب الأغنياء والفقراء، الصغار والكبار على حدّ سواء" ص 221. وكأن هذا يسبب الانسلاخ عن الوطن، "فإذا لم يكن لدى المرء إحساس بالانتماء، فقد يطوف في جميع الاتجاهات، مثل ورقة شجرة هشيم تذروها الرياح، إنه الضحية المثالية للشيطان" ص 224.

ولم أستطع تخطي هذه السطور التي تلخص حياة المراهقات في الغرب: "لم تدخن الحشيش قط مع فتيان وراء أبواب مغلقة، ولم تطرد من الحانات، ولم تستعمل حبوب منع الحمل، ولم تكن تنتابها نوبات غضب، أو تكذب على أمها، ولم تهرب من المدرسة، ولم تمارس الجنس في فترة مراهقتها. في حين كانت الفتيات في مثل عمرها يجهضن أو يقدمن أطفالهن الذين أنجبنهن خارج إطار الزواج للتبني، وكانت تستمع إلى قصصهن كأنها تشاهد برنامجا تلفزيونيا عن مجاعة في إثيوبيا "ص 193.

نزل شعدون من مكانه ليختم كتاباتي بمسألة الثبات على الهدف في ص 133، “فالمسألة ليست حبا فقط، بل إنها حب وتضحية.. إنك تقول إنك تريد أن تجتاز الطريق، لكنك لا تريد أن تضحي بأي شيء في سبيل تحقيق هذه الغاية.

المال، أو القوة، أو الشهرة، أو الإسراف، أو المتعة الجسدية، أي شيء يعتبره المرء عزيزا عليه في الحياة، يجب عليه أن يتخلص منه أولا.

فأضفت له: بالرغم من أني توصلت إلى هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، إلا أنه راق لي أن أحدهم يعرفها مثلي تماما: “فوراء كل هذه المشاق والمصاعب، يقبع مخطط أكبر، لم أكن أفهمه بوضوح، لكني كنت أستطيع أن أشعر به بكل جوارحي” ص 179.

16