قواعد جديدة للّعبة السورية

الضغوط دفعت الرئيس الأميركي إلى إرسال رسالة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب البدء بالهجوم على الأراضي السورية، هي أقرب إلى التوبيخ، وهدد بعقوبات على وزراء الدفاع والداخلية والطاقة، وعلى وزارات الدفاع والطاقة.
الأحد 2019/10/20
انسحاب للانكفاء أكثر باتجاه القضايا الداخلية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 6 أكتوبر الجاري، ومجددا، الانسحاب من سوريا، وطلب من البنتاغون ترتيب الانسحاب ووضع خطة زمنية له. القرار جدي، وبُدئَ بالفعل بسحب الـ1000 جندي أميركي من شمال شرق سوريا، مع الإبقاء على الحماية الجوية للتحالف الدولي شرق الفرات، فيما سيتم الإبقاء على 500-400 جندي في قاعدة التنف على الزاوية الحدودية السورية العراقية الأردنية، للحدّ من توغل إيران في سوريا.

قرار الانسحاب هذا ليس جديدا، بل اتّخذه الرئيس نهاية العام الماضي، وتمّت فرملته من قبل إدارته، لعدم واقعية توقيته؛ كما أن الانسحاب الأميركي يأتي ضمن إستراتيجية أميركية عامة، اتُخِذت في زمن أوباما، بضرورة الانسحاب من الشرق الأوسط والانكفاء أكثر باتجاه القضايا الداخلية.

كالعادة، اتخذ ترامب قراره بشكل مفاجئ، دون التشاور مع إدارته ومستشاريه، ودون إخبار حلفائه الأكراد في المنطقة، ما أطلق سيلا من التحذيرات والتحليلات حول عبثية القرار، وإمكانية عودة تنظيم داعش، وأنه تسليم مجاني للمنطقة إلى روسيا وإيران، وإلى نظام الأسد المعاقب من قبل الإدارة الأميركية نفسها، وأنه سيفقد المنطقة استقرارها الذي تم بعد القضاء على تنظيم داعش بواسطة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، عبر السماح بحرب دامية بين الأتراك وحلفائهم السوريين، وبين قوات سوريا الديمقراطية.

طريقة ترامب في اتخاذ القرار دون ترتيب كاف، هي للهروب من أزمته الداخلية الخانقة، فقد بات مهددا بالعزل أكثر من ذي قبل، بسبب فتح ملف أوكرانيا، والكشف عن مضمون الرسائل التي تدينه بمحاولة فتح تحقيق يتعلق بابن منافسه جو بايدن، في وقت يسعى فيه جو بايدن إلى الترشح عن الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية القادمة. هذا فضلا عن ملف التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016، والذي لم يغلق إلى حدّ الآن.

ولئن كان أسلوب القرار مفاجئاً في توقيته، فقد كان متوقعاً من الروس والنظام من جهة، ومن الأتراك من جهة أخرى، حيث بدت كل الأطراف مستعدة للتحرك فور تنفيذ القرار؛ إذ أحدث الانسحاب الأميركي فوضى في المنطقة، بحيث اختلط الحابل بالنابل مع بدء العملية العسكرية التركية على المناطق الحدودية، وتوغل الجيش التركي برفقة فصائل سورية معارضة للنظام وتابعة له، وتدخل روسيا، وانتشار جيش النظام لملء الفراغ، وفي محيط المناطق التي استولت عليها تركيا والمعارضة، وسعت روسيا إلى وساطة بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية، للتنسيق من أجل تسليم المناطق الحدودية إلى جيش النظام، وأن تكون له سيطرة رمزية على الحدود، فيما أرادت موسكو أيضاً تسيير دوريات لها ضامنة على الحدود، للفصل بين القوات التركية ووحدات الحماية الكردية.

وكذلك سعت موسكو إلى وساطة بين النظام وأنقرة، للعمل على تطوير اتفاق أضنة لعام 1998، ليسمح للقوات التركية بالتوغل في الأراضي السورية بعمق 10 كيلومترات بدلاً من 5 كيلومترات.

هذه المستجدات الناتجة عن قرار الانسحاب خلقت قلاقل وخلافات داخل الإدارة الأميركية، وضغوطا على ترامب للتراجع عنها، لكنه رفض، في محاولة منه لتنفيذ وعوده الانتخابية وإرضاء ناخبيه بالانسحاب من سوريا، وبالتالي الخروج من أزمته الحالية.

لكن الضغوط دفعت الرئيس الأميركي إلى إرسال رسالة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب البدء بالهجوم على الأراضي السورية في 9 أكتوبر الجاري، هي أقرب إلى التوبيخ، وتفتقد إلى الرصانة الدبلوماسية، وهدد بعقوبات على وزراء الدفاع والداخلية والطاقة، وعلى وزارات الدفاع والطاقة، بينما مضت تركيا بعمليتها العسكرية، لإثبات إصرارها على فرض المنطقة الآمنة، وتأمين الحدود، وإعادة مليون لاجئ سوري في مرحلة أولى، ثم مليونين، بعد إنشاء بنية تحتية بكلفة 30 مليار دولار، تطلب من دول أوروبا الدعم للقيام بها.

هناك رغبة ودفع روسي لتركيا من أجل القيام بعملية عسكرية، لكسر الحظر الأميركي على القوات الروسية وقوات النظام من تجاوز نهر الفرات، وطمعاً منها بإعادة النظر في مذكرة “منع الصدام” بين الجيشين الروسي والأميركي في الأجواء السورية.

حيث تنظر موسكو إلى أنقرة كشريك اعتادت الاتفاق معه، إذ تتطلع إلى أن يكون الطريق الدولي أم4 على الحدود السورية التركية هو حد المنطقة التي يسمح فيها لقوات أنقرة بالتوغل داخل الأراضي السورية، وما يعني أيضاً أن يمتد ذلك الشريط إلى اللاذقية، وبالتالي دخول قوات النظام إلى جنوب إدلب.

التشدد في لهجة الرسالة التي وجهها ترامب إلى أردوغان يعني أن لا موافقة أميركية على العملية العسكرية التركية، وقد أرسل ترامب نائبه برفقة وزير خارجيته ومستشاره الأمني وجيمس جيفري المسؤول الأميركي عن الملف السوري إلى أنقرة، وبعد اجتماعات محمومة تم إصدار بيان، دون التوصل إلى قرارات، عدا وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار لمدة خمسة أيام. وبالتالي تمكنت واشنطن من فرملة العملية العسكرية مؤقتاً، مع الطلب من قوات سوريا الديمقراطية بالانسحاب لعمق 32 كيلومتراً، ثم أن يعلن الأتراك انتهاء العملية، وأن تلغي واشنطن العقوبات المقررة على شخصيات تركية بموجب الأمر التنفيذي الصادر في 14 أكتوبر 2019.

يمكن وصف البيان ومهلة الأيام الخمسة بأنهما محاولة لإظهار حسن النوايا، لكن النتائج الفعلية باتت مرهونة بالاجتماع الثنائي في سوتشي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وأردوغان في نهاية المهلة يوم الثلاثاء المقبل، والذي من المتوقع أن ينتج عنه اتفاق على ترتيب وضع المنطقة بما يرضي مطامح تركيا بتأمين حدودها الجنوبية خصوصاً، وبما يرضي الرغبة الروسية في تحقيق السيطرة على منابع النفط والغاز والثروات الزراعية شرق الفرات، وبما يفرض روسيا لاعباً أساسياً في اللعبة السورية، بعد الانسحاب الأميركي.

يصف منتقدو ترامب نتائج الاجتماع الأميركي- التركي، بأنها تقديم للتنازلات لأنقرة، ولروسيا وإيران أيضا. لكن قد تظهر الأيام المقبلة حجم التشاورات الأميركية الروسية بهذا الخصوص، والتي قد تتعلق بتقديم روسيا تنازلات عن ملفات خارج سوريا.

وهذا غير بعيد عن المساعي الإسرائيلية التي تدعم سيطرة النظام على شرق سوريا، شريطة منع دخول ميليشيات إيران إليها، تُضاف إليه رغبة عربية في ذلك، وعدم ممانعة أميركية، وموقف أوروبي ضعيف. في حين أن البيان يلمّح إلى مطمح أميركي باستعادة تركيا من الحضن الروسي، عبر التأكيد على بقائها في حلف الناتو، ما يعني احتمال تعطيل صفقات التسليح مع روسيا، والمضي بصفقة الباتريوت وتطوير طائرة أف35-.

4